من يساند قضايا المسلمين والعرب في الكونجرس الأميركي؟ (2)

بقلم: علاء بيومي

تناولنا في مقالة سابقة جهود جون كونيورز نائب الحزب الديمقراطي عن ولاية مشيجان في مساندة قضايا المسلمين والعرب داخل أروقة الكونجرس الأميركي، ونتناول في هذه الحلقة جهود ديمقراطي أخر من نفس الولاية وهو جون دينـجل أحد أكبر وأقدم أعضاء مجلس النواب الأميركي، والذي أنتخب لعضوية مجلس النواب لأول مرة في عام 1955، وأعيد انتخابه بعد ذلك لأربعة وعشرين دورة برلمانية متتالية، ويحتل - خلال دورة الكونجرس الحالية - منصبا قياديا في لجنة الطاقة والتجارة الأميركية.
ويتشابه جون دينجل مع جون كونيورز في خصائص عديدة منها انتمائهما للحزب الديمقراطي وتمثيلهما لولاية مشيجان بل ولدوائر انتخابيـة متجاورة جغرافيا، ويختلف دينجل عن كونيورز في قلة اهتمامه بقضايا الحقوق المدنية مقارنة بجون كونيورز الذي ينتمي للأقلية الأفريقية الأميركية بما يعنيه ذلك من اهتمام بحقوق الأقليات والمهاجرين وقضايا الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية بشكل عام والتي لعبت دورا كبيرا – كما نعتقد وكما أشرنا في المقالة السابقة – في تشكيل مواقف جون كونيورز الإيجابية تجاه المسلمين والعرب في الولايات المتحدة.
والواضح أن جون دينجل يفتقر لتك الخلفية العرقية وأنه يعطي الأولوية في أجندته البرلمانية لقضايا أخرى معظمها محلية ووطنية أميركية، ويأتي على رأسها قضايا الطاقة والتنمية البشرية والاقتصادية، وقضايا البيئة وتحسين موارد المياه والطاقة بمشيجان وبالولايات المتحدة، وقضايا الرعاية الصحية والتأمين الصحي، إضافة إلى قضايا حقوق المستهلك من الاستغلال التجاري، وقضايا زيادة قدرة المنتجات الأميركية على المنافسة الخارجية.
وعلى الرغم من ذلك، يعتبر دينجل من أكثر رجال الكونجرس الأميركي دفاعا عن وجهة النظر المسلمة والعربية. كما يتضح من العديد من المواقف السياسية الهامة - التي سنتعرض لها بالتفصيل فيما بعد – أن دينجل لم يكتفي بدور المساند لقضايا المسلمين والعرب وإنما لعب دور القائد والمبادر في عشرات القرارات والقوانين البرلمانية الأميركية الهامة للمسلمين والعرب وخاصة على المستوى الدولي، حتى أن دينجل يعتبر ظاهرة فريدة داخل الكونجرس الأميركي من حيث مساندته للقضية الفلسطينية رغم أنه عضو في لجنة الطاقة والتجارة بمجلس النواب وليس عضوا في لجنة العلاقات الدولية التي تهتم بقضايا مثل القضية الفلسطينية والأوضاع في الشرق الأوسط.
ويمكن تفسير مساندة جون دينجل الفريدة من نوعها لقضايا المسلمين والعرب بعاملين، أحدهما ثانوي والأخر أساسي.
أما السبب الثانوي فهو كون دينجل عضوا بلجنة الطاقة والتجارة بمجلس النواب الأميركي مما يجعله مهتما بتأمين موارد الطاقة الأميركية وعلى رأسها البترول، وقد عاصر دينجل كعضو في الكونجرس الأميركي أزمة الطاقة العالمية في السبعينات من القرن العشرين حين قللت الدول العربية من ضخها للبترول في الأسواق العالمية احتجاجا على السياسة الغربية والأميركية في الشرق الأوسط، مما قاد إلى أزمة عالمية وقفزة عالية في أسعار الوقود تأثر بها كل مواطن أميركي.
وفي هذا الخصوص، يعتقد دينجل أن سياسة أميركا بالشرق الأوسط ذات تأثير قوى على موارد الطاقة والحالة الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، وينصح بأن تتبنى الحكومة الأميركية سياسة فعالة وعادلة بالشرق الأوسط لأن حدوث العكس سوف يؤدي – من وجهة نظره – إلى أزمات اقتصادية بالولايات المتحدة.
وفي السابع عشر من سبتمبر الماضي، أبرزت أحد المجلات الأميركية المتخصصة في أخبار الوقود والطاقة (أويل أند جاز جورنال) تصريحات أدلى بها جون دينجل في العاشر من سبتمبر - أي قبل يوم واحد من تفجيرات نيويورك وواشنطن - قال فيها أن "استقرار أميركا الاقتصادي مازال مرتبطا بالطاقة … وجود إدارة أميركية ذكية ومتيقظة هو الطريق الوحيد لعلاج الوضع في الشرق الأوسط… أتمنى أن أري صناع القرار يلعبون دور الوسيط العادل تجاه جميع الأطرف بالشرق الأوسط".
وقد أشارت المجلة الأميركية إلى أن تصريحات جون دينجل لقت ترحيبا كبيرا لدى العديد من رجال الأعمال ومسئولي صناعة البترول بالولايات المتحدة، والذين رأوا في سياسة جورج بوش الشرق أوسطية خلال فترة ما قبل الحادي عشر من سبتمبر - وما تضمنته من محاولات لتحجيم دور الإدارة الأميركية في المنطقة - تهديدا لاستثمارات أميركا الاستراتيجية في صناعة البترول العربية.
أما السبب الرئيسي لمساندة دينجل الفريدة لقضايا المسلمين والعرب فهو وضعه الفريد في مجلس النواب الأميركي كممثل لأكبر دائرة انتخابية أميركية من حيث عدد الناخبين المسلمين والعرب الأميركيين المقيمين فيها، ألا وهي الدائرة الانتخابية السادسة عشر بمنطقة ديربورن بولاية مشيجان، والتي تبلغ نسبة الناخبين العرب والمسلمين فيها بحوالي 30 % من المجموع الكلي للناخبين، أو ما يعادل أكثر من 220 ألف مسلم وعرب أميركي.
ويكاد دينجل يشتهر بهذه الخاصية في العديد من المقالات المتعلقة بدوره كنائب برلماني، حيث في العادة ما يصفه الصحفيون بأنه النائب صاحب أكبر تركز للمسلمين والعرب الأميركيين في دائرته الانتخابية.
ويفتخر دينجل بولائه لناخبيه، ويخصص قسما من موقعه على الإنترنيت (www.house.gov/Dingell/ ) لشرح الخدمات التي يمكن أن يقدمها لأبناء دائرته في تعاملاهم مع الحكومة الأميركية، ويحددها في عدة مجالات رئيسية مثل شؤون المتقاعدين من الخدمة العسكرية، وشؤون الرعاية الصحية، وشؤون الهجرة والإسكان، وقروض الطلاب والصناعات الصغيرة والضرائب، ويرحب بالمساعدة في تقديم أية خدمات أخرى لأبناء دائرته إذا كانت في إمكانه.
وهو في ذلك لا يقدم خدماته للمسلمين والعرب الأميركيين وحدهم، وإنما يقدمه أيضا لأبناء العرقيات المختلفة المكونة لدائرته، ومنهم الأرمن والمجريين والأفارقة الأميركيين والأميركيين من الأصل اللاتيني.
وفيما يتعلق بما قدمه جون دينجل وفاء لناخبيه المسلمين والعرب ومساندته لقضاياهم، فيمكن النظر إلى ذلك على ثلاثة مستويات أساسية، وهي المستوى المحلي، والمستوى الوطني، والمستوى الدولي.
على المستوى المحلي أشرنا فيما سبق إلى اهتمام دينجل بمساعدة أبناء دائرته في الحصول على الخدمات الاجتماعية والاقتصادية التي توفرها الهيئات الحكومية الأميركية، فعلى سبيل المثال اهتم دينجل في أوائل العام الحالي بنجاح المركز المجتمعي العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية (أكسس) - وهو أحد أكبر المراكز العربية في ولاية مشيجان - في الحصول على منحة من منظمة أميركية كبرى للفنون، لتدريب أبناء العرب الأميركيين في مجال التصوير، وفي نفس الوقت توجيههم إلى استخدام صورهم في تسجيل التراث العربي الأميركي بالولاية وتسجيل تاريخ الأميركيين العرب الأوائل.
وبعد الحادي عشر من سبتمبر، ووفقا لوكالة أنباء ستاتس نيوز أسرع دينجل فور عودته إلى الكونجرس في الثاني عشر من سبتمبر إلى التحذير من مغبة التسرع بتوجيه أصابع الاتهام إلى المسلمين والعرب الأميركيين، مشيرا إلى ما تعرض له المسلمون والعرب من تمييز في عام 1995 حين أخطأ البعض وتسرعوا في اتهام للمسلمين والعرب بالمسئولية عن حوادث أوكلاهوما الإرهابية، كما حذر أيضا من تكرار معاناة الأميركيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية بحق المسلمين والعرب الأميركيين هذه المرة مشيرا إلى ما يعانيه المسلمون والعرب في أميركا من تمييز مستمر، وخاصة في المطارات.
وفي الثالث عشر من سبتمبر تحدثت بعض الصحف عن تنسيق جون دينجل مع عدد من أعضاء الكونجرس المساندين لقضايا المسلمين والعرب ومع منظمات المسلمين والعرب الأميركيين للوقوف على حجم التحدي الذي يواجهه مسلمو وعرب أميركا.
كما كان دينجل أحد أعضاء الكونجرس الذين قاموا برعاية قرار قدمه النائب الأميركي ديفيد بونيور - والذي سنتحدث عن إسهاماته الكبيرة في مساندة قضايا المسلمين والعرب في أحد الحلقات القادمة إن شاء الله – يدين حملة الكراهية والعنف الموجهة ضد المسلمين والعرب الأميركيين التالية بعد 11 سبتمبر، ويشيد بالإسهامات التي قدموها للمجتمع الأميركي، ويطالب بالحفاظ على حقوقهم و حرياتهم المدنية، وقد مرر مجلس النواب القرار المذكور في الخامس عشر من سبتمبر أي بعد أربعة أيام فقط من الهجمات.
كما أسرع دينجل إلى التنسيق مع روبرت مولر مدير قوات المباحث الفيدرالية ( FBI) لمواجهة جرائم الكراهية الموجهة ضد المسلمين العرب الأميركيين في مشيجان وخارجها، وقد وصف دينجل هذه الجرائم بأنها محاولات "لإشعال نيران الكبرياء (العنصرية) الآثمة"، ودعا إلى معاقبة مرتكبيها.
وتعطي الفقرات السابقة أمثلة لما يقوم به هذا الرجل لمساندة مسلمي وعرب أميركا على المستوى الوطني وليس فقط على مستوى دائرته، وهي جزء من سلسلة طويلة من النشاطات نذكر منها أيضا جهود دينجل في إبطال قانون الأدلة السرية خلال دورتي الكونجرس الأميركي السابقة والحالية.
وقانون الأدلة السرية هو بند في قانون مكافحة الإرهاب لعام 1996 يسمح باحتجاز المشتبه فيهم على أساس من أدلة سرية، وترى المنظمات المسلمة والعربية أن هذا القانون طبق منذ وضعه بصورة تمييزية ضد المسلمين والعرب، ولذا احتلت حملة إبطال قانون الأدلة السرية مكانة كبيرة في أجندة تلك المنظمات قبل أحداث سبتمبر.
وبعد الحادي عشر من سبتمبر – ووفقا لجريدة ديترويت فري برس - انتقد دينجل بعض نصوص قانون الإرهاب الجديد، وخاصة ما يتعلق بالتوسع في تعريف السلوك الإرهابي، وما يتعلق بمنح الحكومة الفيدرالية سلطات متزايدة للتجسس على المشتبه فيهم والقبض عليهم على أساس من أدلة سرية أو محدودة لمدد متفاوتة.
أما على المستوى الدولي، فقد ساند جون دينجل – وقاد بنفسه – العديد من المبادرات المساندة لقضايا المسلمين والعرب الدولية لدرجة أن المرء يتعجب من كثرة هذه المبادرات.
ونذكر من هذه المبادرات على سبيل المثال معارضة دينجل لقرار أقره مجلس النواب الأميركي في الخامس من ديسمبر الحالي "يظهر مساند مجلس النواب الأميركي لإسرائيل في حربها ضد الإرهاب"، وقد قاد دينجل فريق المعارضة لهذا القرار موضحا أن القرار لا يخاطب جذور الإرهاب ومنها ما يعانيه آلاف الفلسطينيين من معاملة ظالمة وسيئة وغير عادلة، كما انتقد أسلوب إسرائيل القمعي.
وفي الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي قدم دينجل مشروع قرار يؤيد تطبيق تقرير لجنة ميتشل ويطالب بوقف العنف في المنطقة، وقد لاقي المشروع تأييد الإدارة الأميركية.
وفي العشرين من يوليو الماضي قدم دينجل لمجلس النواب الأميركي مشروع قرار يطالب بإرسال قوات دولية لمراقبة الأوضاع في الأراضي المحتلة، مشيرا إلى مساندة بعض القادة العرب والغربيين والأميركيين لفكرة إرسال قوات مراقبة دولية إلى المنطقة وإلى إنه "حان الوقت للكونجرس الأميركي لتسجيل مساندته لهذه الخطة العاقلة".
وفي السابع عشر من شهر مايو السابق قاد دينجل جهود معارضة قرار أقره مجلس النواب يقضي بقطع المساعدات الإنسانية والاقتصادية الأميركية عن لبنان، وقد وصف دينجل قرار الكونجرس بأنه "تهديد للسلام" وتعهد بالسعي لإعادة إقرار المساعدات، موضحا أن القرار "يهدد مصداقية الولايات المتحدة كوسيط عادل في المنطقة"، وهو أيضا تخلي من جانب أميركا عن جهود اللبنانيين المشروعة في بناء بلدهم وتحقيق السلام فيه.
والمتابع الدقيق لمواقف جون دينجل المتعلقة بقضايا المسلمين والعرب الدولية يجد أن أهمية هذه المواقف تكمن ليس فقط في عددها أو في دوره القيادي، وإنما تكمن أيضا في جوهرها وهو محاولة رصينة لإعادة تعريف المصلحة الأميركية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بشكل يتفهم المصالح العربية والإسلامية. وقد عبر دينجل عن تعريفه هذا في أكثر من خطاب ألقاهم بالكونجرس الأميركي، ومن أهم هذه الخطابات خطاب ألقاه في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000 بعنوان "المصلحة الأميركية في عملية سلام الشرق الأوسط"، وخطاب أخر ألقاه في الرابع والعشرين من أكتوبر عام 2000 بعنوان "دور أميركا في الشرق الأوسط: وسيط سلام وليس منحازا لطرف".
وشخص دينجل في هذه الخطابات أخطاء الكونجرس في التعامل مع القرارات المتعلقة بإحلال السلام في الشرق الأوسط، إذ أوضح أن مجلس النواب يتسرع أحيانا في تمرير القرارات المؤيدة لإسرائيل بدون بحث عميق في أثارها على المصلحة الأميركية في الشرق الأوسط، وأن هذه القرارات لا تخدم في العادة أهداف إحلال السلام بالشرق الأوسط بقدر ما تخدم أهداف انتخابية وسياسية داخلية، كما تركز القرارات بالأساس على انتقاد الطرف الفلسطيني وليس على دراسة وتوضيح سبل إحلال السلام، كما تغفل ما يبذله الفلسطينيون من جهود لتحقيق السلام وحساسية مواقفهم.
وتتغاضى تلك القرارات عن تقديم أي لوم لإسرائيل وتعجز عن الاعتراف بمعاناة الشعب الفلسطيني.
ومن ثم لا تهتم بدور الولايات المتحدة كدولة قادرة على الضغط على الأطراف المتنازعة المختلفة لتحقيق السلام، وتتغافل عن إدراك الشعوب العربية لموقف أميركا ودورها كوسيط عادل للسلام، وتؤدي إلى تآكل ثقة الشعوب العربية في الولايات المتحدة وزيادة الفجوة بينها وبين تلك الشعوب، وتقود في النهاية – ونتيجة لما سبق - إلى الإضرار بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط.
لقد عبر دينجل داخل أروقة الكونجرس الأميركي عن العديد من الأفكار المتفهمة للمصالح العربية والمسلمة في الكثير من المناسبات بشكل نادر جعلنا نفكر عند بداية كتابتنا لهذا المقال في كتابة عنوانه ومضمونه بشكل يبرز جهود دينجل في إعادة تعريف المصالح الأميركية - الإسلامية المشتركة.
ولكننا فضلنا أن نركز في غالبية المقال على الأسباب التي قادت جون دينجل إلى اتخاذ هذه المواقف لأن تلك الأسباب - من وجهة نظري - هي الدروس المستفادة الحقيقية لكل عربي ومسلم من دراسة مواقف الكونجرس الأميركي تجاه قضايا المسلمين والعرب.
-------
عناوين الاتصال بالنائب جون كونيورز هي:
The Honorable John D. Dingell
2328 Rayburn Building
Washington, DC 20515
Tel: 202-225-4071
Fax: 202-225-0371
Email: john.conyers@mail.house.gov
Website: www.house.gov/dingell
------- * علاء بيومي ، كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن
,/b.