من يحكم مصر بعد مبارك؟ (1من3)

رئيس الشحوب

القاهرة - جاءت صور الرئيس مبارك الأخيرة أثناء استقباله للرئيس الأميركي باراك أوباما لتطرح تساؤلات كثيرة حول حقيقة صحته، فقد بدا الرجل الذي يحكم مصر منذ أكتوبر/تشرين الأول 1981 منهكا تماما، لا يكاد "يقيم صلبه" أو يفتح عينيه بشكل طبيعي، ويبدو الفارق كبيرا وملحوظا إذا قارنا صورته مع أوباما وصورته مع جورج بوش الابن، ففي صورته مع بوش كان لا يزال في عنفوانه حتى وإن تجاوز السبعين، وعلى الرغم من إعراض الصحف المصرية الرسمية منها والمعارضة من التطرق للحالة التي كان عليها الرئيس والاكتفاء بالإشارة إلى أنه لا يزال حزينا على حفيده، لكن الأمر الذي وصل للشارع المصري ـ كان في ذلك اليوم متسمرا (كما يقولون) أمام شاشات التليفزيون ـ لم يكن له علاقة بحزن الرئيس الذي تم تقديره من قبل، ولكن له علاقة بصحة الرئيس نفسه التي بدت على غير ما يرام مطلقا من وجهة نظره، فقد تغيب عن استقبال أوباما في المطار تاركا المهمة لوزير الخارجية ورئيس جهاز المخابرات المصرية، وتم تقليص الإجراءات البروتوكولية في حال استقبال رؤساء الدول، ثم جاء المؤتمر الصحفي بلا طرح جوهري فيما يتعلق بالعديد من قضايا المنطقة، وتساءل الشارع عما يمكن أن يكون الرئيسان بحثاه خلال لقاء لم يتجاوز دقائق معدودات، حتى لقد رأى البعض أن زيارة أوباما لجامع السلطان حسن بمنطقة القلعة، أو زيارته للأهرامات استغرقت وقتا أطول بكثير مما استغرقه لقاء الرئيسين ومناقشتهما أوضاع الشرق الأوسط وقضاياه، لقد بدا أن شيئا من ذلك لم يتم، وأن أوباما تفهم ذلك أن الرئيس صحته غير مواتية للمناقشات.
هذه الرسالة التي حملتها الصورة التليفزيونية للشعب المصري، كانت صورة مفزعة، حيث ألقت بأسئلة جوهرية حول المستقبل القادم. فالرجل قد أعطى الكثير وإن كان ثمة أمور يمكن أن تؤخذ على فترة حكمه إلا أنه استطاع الحفاظ على مصر وحمايتها من مخاطر كبيرة مرت بها المنطقة العربية خلال سنوات حكمه، لكن هل هذا الرجل الذي أطل علينا منهكا تماما لا يزال قادرا على القبض على زمام الأمور، هل لا يزال قادرا على تحريك الآخرين حوله؟ هل لا يزال يحكم؟ ما الذي يمكن أن يجري لو غاب؟ إن المؤشرات التي يجمعها رجل الشارع اعتمادا على الحدس بالدرجة الأولى وبعض القراءات والآراء التي تذاع هنا وهناك على الفضائيات وتبث على مواقع الإنترنت سلبية للغاية، فضعف الدور المصري وانحساره وانسحابه أحيانا عربيا وإقليميا في القضايا الحيوية والاستراتيجية والذي تجلي في الحرب الإسرائيلية على غزة والمواقف المخزية، وما يحدث في السودان والعراق ولبنان واليمن، يؤكد أن قوة الرجل وكلمته لم تعد فاعلة خارجيا وإن بدا الأمر غير ذلك عبر وسائل الإعلام، وكذا الأمر داخليا فسيطرة رأس المال وتوحش تعامله مع مقدرات الناس وفساده السياسي والأخلاقي والاقتصادي والفكري، مدعوما من الحكومة ورجالات الحزب الوطني الحاكم، كل هذا ألقي بظلاله على تقدير رجل الشارع للرئيس وقدرته على حسم وحكم الأمور بنفس القوة التي بدأ بها حكمه في الثمانينات.
إن استشراء الفساد في مصر وتضاعف معاناة الناس جراء الارتفاع غير المبرر للأسعار في كل شيء من مأكل وملبس ومسكن، وتدني مستوى التعليم، وانحطاط الأجور، وانتشار الرشاوى والمحسوبيات وضعف قوة القانون، والنفاق السياسي والتشريعي، وغير ذلك مما يفهمه ويعاني منه الشعب المصري، لا يطرح نفسه بإلحاح الآن على رجل الشارع حيث تسيطر عليه قضية حالة غياب مبارك التي يناقشها بصورة تبدو قاتمة إلي حد كبير، فالخوف من الفوضى في ظل سيناريوهات لا يطرح أي منها طمأنينة حقيقية، سواء سيطرة الإخوان المسلمين، أو توريث جمال مبارك، أو تولى أحد أفراد المؤسسة العسكرية، كلها تدعو للتشاؤم مع التأكد من أن الانتخاب الديمقراطي النزيه فعل غير وارد على الإطلاق، بفضل التعديلات الدستورية التي ألغت الإشراف الحقيقي القضائي على أية انتخابات أو استفتاءات.
الأفكار تتحرك في الشارع المصري محملة بالأسى على الحال الذي وصلت إليه مصر أخيرا داخليا وخارجيا، ومع هذا فإن بقاء حكم مبارك يظل بالنسبة إليه حكما مستقرا، هناك معاناة وفاقة وآلام لا حدود لها، لكن لا مشكلة طالما هناك استقرار، حتى وإن كان استقرارا فاسدا، ليظل غيابه هو المشكلة الرئيسية، ما السيناريو السلمي الذي يمكنه تجاوز اضطراب غيابه في ظل رفض لتوريث ابنه (جمال مبارك)، وعدم وجود نائب له؟ ولا تنتهي الأسئلة التي تطرح بخوف، ليس خوفا من جهة أمنية أو السجن أو أي شيء آخر شبيه بذلك، ولكن خوفا على ما يمكن أن يحدث لو غاب الرجل.