من يحسم الأزمة في سوريا يتحكم في المنطقة مستقبلاً

تراجع هيبة أميركا لاهتمامها بمحور السياسة التجارية العالمية، وهي تركز على خوض مباراة ثانية ضد الصين للفوز بكأس الأسواق الآسيوية، ردا على النزاع بين بكين وواشنطن في آسيا بعدما وجهت بكين أخيرا ضربة منظمة وإن كانت عرضية إلى محاولة واشنطن قيادة مقاطعة البنك الآسيوي الصيني للاستثمار في البنية التحتية، والتي انتهت بمهزلة سحب بريطانيا دعمها لواشنطن، فيما تدافعت دول أخرى من ألمانيا إلى كوريا الجنوبية لأجل الانضمام إلى المصرف الصيني.

البعض يراه تحوطا أمام تراجع الهيبة الأميركية، وفي نفس الوقت ضمان مقعد في القوة الصاعدة، في حين تتطلع واشنطن إلى التموضع في منطقة تجارية متكاملة تغطي ثلثي الاقتصاد العالمي، وثلثي تجارة السلع الأميركية، بينما الشراكة الأميركية الأوربية الاستثمارية تمثل 46 في المائة من الإنتاج العالمي و28 في المائة من تجارة السلع، في مواجهة مبادرة الصين (حزام واحد، طريق واحد) من غربي الصين إلى أوربا وشمالي إفريقيا التي تتحول من الخيال إلى الواقع.

نتيجة هذا التحول ظهرت دول متمردة متصارعة ومتنافسة من روسيا إلى إيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج، ولأول مرة تجري مناورات روسية صينية في البحر الأبيض المتوسط نتيجة تراجع هذه الهيبة.

ظهر جيل جديد من القادة الخليجيين يتجهون إلى مزيد من الاستقلال العسكري، ويتقنون اللعبة الاستراتيجية من أجل معادلة الصراع في المنطقة، وتلعب على وتر المصالح، وهي تؤمن بأن من يحسم الأزمة في سوريا يتحكم في المنطقة مستقبلا.

لذلك اعتبرت قمة كامب ديفيد، قمة الضمانات الأمنية والمراجعات السياسية، لتغيير وجهة الولايات المتحدة التي كانت تطمح إلى الالتقاء مع إيران كما كانت في عهد الشاة حتى لا تصل روسيا الطامحة إلى الخليج العربي.

وهي منذ أحداث 11 سبتمبر تلعب بأطماع إيران التاريخية استعدادا لتقسيم المنطقة، التي بدأت باختلال أفغانستان والعراق، وبدا أوباما في لقائه الصحفي بتوماس فريدمان عندما ركز على أن التهديد الحقيقي لدول الخليج لا يأتي من إيران بل يأتي من الداخل لأنه يعتبر أن هناك انغلاق أفق سياسي بدرجة كبيرة يمول الإرهاب يعتبر أكبر تحد يواجه دول الخليج مثل هذا الخطاب يعتبر نوع من الضغط على دول الخليج لمجرد أن تقبل بالاتفاق النووي وهي مغمضة عينيها عن التهديدات التي تصدر عن إيران عبر مليشياتها والتي تعتبرها دول الخليج أكثر خطراً من داعش والقاعدة خصوصا وأنها تهديد بثوب طائفي تقود إلى تفتيت المنطقة ولن تسمح بقيام دول.

اعتبرت دول الخليج مقابلة أوباما وتصريحاته تلك، مقاربة ساخرة، بل وصل الأمر بمنتقديه حتى من داخل أميركا للسخرية من تفاهماته مع إيران، واعتبروا أن إدارة السياسة الخارجية، يجب ألا تدار بهذا القدر من الرعاية والرفق، خصوصاً تجاه دولة تحمل شعاراتها المعلنة كثيراً من العداء للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

الاحتجاج الدبلوماسي الخليجي بغياب أربعة قادة خليجيين عن قمة كامب ديفيد أحرجت أوباما، يمكن أن تعصف بتحالفات الولايات المتحدة طويلة الأمد مع دول مجلس التعاون الخليجي مما فرضت عليه مباشرة إلى الاتصال هاتفيا بالملك سلمان لتطمينه بمخرجات القمة.

وهو ما يدل على تغيير مواقف أوباما في قمة كامب ديفيد، ولا يريد أوباما خسارة حلفاء في المنطقة، وبادر كيري قبل انعقاد القمة بالقول إن هناك ترتيبات حاسمة تجري في القمة، تبعها أوباما بمقابلة في صحيفة الشرق الأوسط، تبعها بإجراء مقابلة أخرى في قناة الحدث أربكت السياسيين في إيران كيف أن القادة الخليجيين الجدد نجحوا في الضغط على أوباما بدعم داخلي من الولايات المتحدة.

صاحب هاتين المقابلتين صدى إعلامي دولي مع صحيفة الشرق الأوسط وقناة الحدث السعودية، خصوصا حينما قال إن الولايات المتحدة يقظة من تصرفات إيران، ورعايتها للإرهاب، وهي منخرطة في تصرفات خطيرة، ومزعزعة لاستقرار دول مختلفة في أنحاء المنطقة، فإن دول المنطقة على حق في قلقها العميق من أنشطة إيران.

اعتبر وزير خارجية إيران تلك المقابلتين وتلك التصريحات بأنها تهدئة لحلفائه، لكن حملت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عنوان "الولايات المتحدة ستبقى صارمة مع إيران" وكان أول تصريح يصدر من البنتاغون والبيت الأبيض يحذران إيران من لعبة خطرة تهدد وقف إطلاق النار في اليمن.

دول الخليج بقيادة السعودية ترفض تجزئة الإرهاب ما بين داعش والمليشيات التي تدعمها إيران في المنطقة، ولن تقبل بأن تتحول سوريا إلى عراق ثانٍ تتحكم فيه الميليشيات، خصوصا بعدما أثبتت دول مجلس التعاون تضامنهم سياسيا وعسكريا من خلال عاصفة الحزم، ما جعلها تفرض موقفا تفاوضيا أقوى في قمة كامب ديفيد، وأثبتت في القمة أن ما يحدث في اليمن لا يختلف كثيرا عما يحدث في العراق وسوريا.

وأكدت أن ضمان أمن المنطقة والعالم ضد الإرهاب وعدم الاستقرار لا يتجزأ طالما استمرت التدخلات والانتهاكات التي تمثلها اليوم جهة واحدة ووحيدة هي إيران، على اثر تلك المفاوضات انتزعت دول مجلس التعاون موقفا أميركيا صارما ضد إيران، وإن كان حصلت واشنطن في المقابل على قبول خليجي مسبق بالاتفاق النووي، أتى بالتزامن مع أقرار الكونغرس الأميركي بشكل نهائي قانون يمنح أعضاء الكونغرس صلاحيات الحق في النظر في الاتفاق النووي النهائي، الذي قد تتوصل إليه الولايات المتحدة مع مجموعة 5+1 مع إيران، في توافق نادر بين الجمهوريين والديمقراطيين داخل الكونغرس جاء تصويت مجلس النواب بأغلبية 400 صوت مقابل اعتراض 25 صوتاً.

نجحت القيادات الخليجية الجديدة في تحويل قمة كامب ديفيد إلى خطة عمل مشتركة، وهي إحدى ثمار عاصفة الحزم، وتدرك دول الخليج أن الاتفاق النووي لن يردع إيران عن أطماعها، وعلى وقع لقاءات واشنطن التي تعتبرها إيران غامضة اتجه الرئيس العراقي معصوم إلى إيران، والعبادي إلى موسكو قريبا، خصوصا بعد التصعيد الجديد بين أربيل وبغداد بعد رجوع بارزاني من واشنطن ما ينذر بمواقف جديدة تصب في صالح دول مجلس التعاون الخليجي إلى ترتيبات جديدة تصب في صالح حل الأزمة في سوريا.

رغم أن القمة لم تصل إلى تفاهمات أمنية مكتوبة، إلا أن هناك تفاهماً قوياً على كيفية تحويل ما تم الاتفاق عليه إلى خطوات فعلية على أرض الواقع بشكل عام في المجال العسكري والأمني مع ضمان توريد سريع للأسلحة التي تحتاجها الدول الخليجية مع خطوات تطبيقية لتطوير منظومة الدفاع الصاروخي، والقدرات الصاروخية البالستية في جميع أنحاء المنطقة وتطوير نظام للإنذار المبكر من الصواريخ البالستية.

أتت استراتيجية أوباما حول الملف السوري وسط تأكيدات من البيت الأبيض بأنه منفتح على خيارات إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وبينها فرض منطقة حظر جوي بعدما كانت ترفض الولايات المتحدة.

لذلك فإن إيران منزعجة من انتصارات المعارضة السورية التي تعيد الأمل بقرب انفراج الأزمة السورية، بعدما حصلت المعارضة السورية على أسلحة متقدمة من السعودية، وبدأت تنفذ عمليات على أساس الهجوم على أكثر من محور، وعزل القواعد العسكرية للنظام، واستنزاف قواته وقوات حزب الله، خصوصا بعد التنسيق الذي تم بين الفصائل المعارضة، مما حقق مزيدا من التقدم على أرض المعركة.

تم تشكيل جيش الفتح عوضاً عن الفصائل التي تعاني من التشتت والانقسام نتيجة الاختلاف الايديولوجي والمذهبي والقومي، لكن في الفترة الأخيرة هناك نوع من التنسيق قد حدث بين مختلف الفصائل المعارضة المقاتلة، وهذه التطورات على الأرض لن تكون بمعزل عن النشاط السياسي الدولي خصوصا ما تم في قمة كامب ديفيد التي ستأتي بنتائجها في المستقبل القريب.