من يحرك الصعود السلفي في مصر؟

القاهرة ـ من محمد الحمامصي
الدم يأتي مخلوطاً بالدولار

المتابع اليوم لمشهد الساحة المصرية يستطيع أن يرصد صعوداً واضحاً للحركات السلفية يتجلى في اتساع حركتها داخل الشارع المصري واتخاذها من الجوامع والمساجد والزوايا والساحات العامة وحتى الأرصفة مراكز لنشر فكرها وترسيخه وتأصيله، واستقطاب المزيد من المؤيدين، ذلك فضلاً عن حضور بارز لأقطابها ومشايخها على القنوات الدينية وما أكثرها وكذا داخل الإعلام المصري على اختلاف وسائله.

هذه الصور للصعود السلفي عامة في مصر والتي تزدحم بها واجهة المشهد، حتى لتكاد تطغى على صور الإخوان المسلمين نتيجة علو أصوات وانتشار أقوال السلفيين وأفعالهم ومواقفهم، تحملها أيضاً خلفيته، أي مستوياته التالية ممثلة في الشارع وتفريعاته، بمعنى أن نسبة حضور النقاب والجلابيب والبناطيل الشرعية وإطلاق اللحي وغيره، "مثلاً النقاب مع الإسدال، والنقاب مع العباءة، والنقاب مع الجلباب، والنقاب مع الجيب والبلوز والملابس الحديثة"، تضاعفت أضعافا مضاعفة عما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير، حيث أصبح من اللافت داخل مؤسسات الدولة وهيئاتها والشوارع ووسائل المواصلات والأماكن العامة والأسواق وغيرها ارتفاع عدد المنقبات والملتحين وأصحاب الجلابيب الشرعية والبناطيل الجينز الشرعية أيضاً".

وربما يأتي في الإطار نفسه ما خرج به استطلاع للرأي أجراه المعهد الدولي للسلام ومقره نيويورك أخير بمناسبة قرب الانتخابات التشريعية ثم الرئاسية في مصر، من أن شعبية القيادي السلفي أيمن الظواهري الذي عين الأسبوع الماضي على رأس تنظيم القاعدة تصل إلى 11%، متجاوزاً شعبية المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري المصري ومحمد البرادعي وأيمن نور بل شعبية الرئيس الأميركي أوباما.

لماذا نذهب إلى هذا الاستطلاع وبين أيدينا آلاف التعليقات التي نشرت على الخبر الخاص بتولي القيادي السلفي أيمن الظواهري لرأس القاعدة في الصحف والمواقع المصرية تؤكد نجوميته، وتؤيد فكره وتدعوه للاستمرار، وتلفت لما أكسبه من قوة للسلفيين المصريين، بالطبع أغلب هذه التعليقات لأنصار الحركات والجماعات الإسلامية والسلفيين تحديدا، أليس هو من قال في رسالة له أيام كان الرجل الثاني "موقفنا من الدعوة السلفية ومن أعلامها السابقين ـ يقصد شيوخ السلفية بالإسكندرية ياسر برهامي ومحمد إسماعيل وسعيد عبد العظيم ـ الحب والتقدير والاحترام، ونحن قد اشتقنا لهم واشتاقت لهم ميادين الجهاد، يعلمون إخوانهم ويقودون سراياهم ويدكون قلاع أعدائهم ويرفعون لواء الجهاد والذي صار عينياً داخل بلادهم وخارجها".

ويأتي مشروع الأكاديمية السلفية تأكيداً على فعالية التيار السلفي واتساعها وهي أكاديمية تتخذ من مسجد عباد الرحمن بمدينة المنصورة مقراً لها، هذه الأكاديمية التي افتتحت مؤخراً أغلب المنتسبين لها من طلاب جامعة المنصورة، وتفتح أبوابها أيام السبت والاثنين والأربعاء ومدة الدراسة فيها نحو شهر ونصف الشهر، وقصر مدة الدراسة يرجع لضيق ذات اليد من وجهة نظر القائمين عليها.

ويتم التسجيل في الأكاديمية بتعبئة استمارة وتقديمها لإدارة المسجد، وبعدها يتم إدراجه في دورة دعوية، حيث يقوم بتدريس الفكر السلفي له أقطاب السلفية، وفي نهاية الدورة يجرى له امتحان ويمنح الناجح شهادة معتمدة من مشايخ الدعوة.

هذا الصعود الذي يكتسب صفة التوسع والانتشار للسلفيين، حمل معه أحداثاً سياسية واجتماعية أوقعت الفتنة بين المسلمين والأقباط من قنا جنوب الوادي إلى القاهرة، بدءاً من هدم كنيسة أطفيح ومروراً بالمظاهرات والمطالبات والبلاغات الداعية إلى ظهور كاميليا زوجة كاهن ملوي التي يرى السلفيون أنها أسلمت وأن الكنيسة تحتجزها، وانتهاء بأحداث امبابة وأزمة إسلام عبير وزواجها، وغير ذلك مما تسببت فيه أقوال وتصريحات ودعوات مشايخ السلفية.

السلفيون بالطبع ليسوا بعيدين عن مناصرة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية ومساندتهم؛ فحسب تعبير أحد قادتهم الشباب د.إبراهيم الحمامي "الإخوان قضيتهم قضيتنا، وبوصولهم للحكم سيقيمون الدولة الإسلامية".

وإذا كان الأمر كذلك فإن أمر قيام بعض السلفيين بتنحية بعض الأئمة من المساجد هنا وهناك في مناطق مختلفة من مصر، كما حدث في الجيزة منطقة كرداسة، والسيطرة عليها لإقامة الشعائر بدلاً منهم "مساجد أبوزايدة، الصيفي، السنية، الفرقان، أبوحجازي"، يشير إلى أننا أمام خطة أو خطط للاستيلاء على البلاد.

التساؤل هنا الذي تتساوى في طرحه النخب المصرية مع رجل الشارع الرافض للتشدد والعنف، هو من يحرك ويمول ويساند هؤلاء، خاصة أنهم كانوا قدر رفضوا ثورة 25 يناير ويرفضون حتى اللحظة الكثير من معطياتها ومطالبها، وذلك دون أن يستنكروا استغلالها وما أدت إليه من نتائج إيجابية أبرزها خروجه للعلن وشروعهم في تأسيس الأحزاب.

الخطر قاد الكثيرين إلى توجيه أصابع الاتهام إلى أكثر من دولة وجهة منها السعودية، المتهمة أصلاً من النخبة بسعيها إلى نشر وتأصيل وغرس الفكر الوهابي وتخريب وسطية المصريين، وعلى الرغم من عدم وجود وثائق تثبت تمويلا سعودياً مباشراً، وأن الكثيرين تلقوا ما أشار إليه الكاتب عادل حموده حول تمويل السعودية للسلفيين بملياري دولار من أجل المضي قدماً على خطى مشايخهم ونشر فتاويهم وارتداء ملابسهم والترويج لأفكارهم، ثم إمكانية دعهم في الانتخابات القادمة بخمسة مليارات دولار، بكثير من التحفظ كونه لم يقدم وثيقة أو مصدراً محدداً قائلاً "حسب التقارير".

إلا أن هذا لم يثن العشرات من تنظيم وقفة احتجاجية أمام السفارة السعودية عقب أحداث إمبابة، للتنديد بما سموه التمويل السعودي للتيارات السلفية لضرب الوحدة الوطنية في مصر، وكان من بين الحضور جورج إسحاق، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي أكد تضامنه مع المحتجين في رفض الدور السعودي في مصر من خلال التأثير على السلفيين.

وكشف الصوفية خلال حملتهم ضد السلفيين وتهجمهم على آل البيت والأولياء وتجرؤهم على هدم بعض الأضرحة عن "سي دي" بعنوان "كاميليا وأخواتها" قدمه الشيعي "محمد الدريني" مرفقاً ببلاغ للنائب العام يتهم رموز وقيادات السلفية بإثارة الفتن الطائفية وإهانة الرموز الدينية المصرية والتحريض على هدم الكنائس والأضرحة.

ورأى د.رفعت سيد أحمد رأى أنه بعد ثورة 25 يناير طفا سطح الحياة السياسية والدعوية في مصر من سموا أنفسهم بالتيار السلفي "والأدق هو تسميتهم بالتيار الوهابي نسبة إلى الوهابية وليس السلف الصالح الذين نتبعهم جميعاً، هذا التيار لم يشارك في الثورة بل قاومها وتحرك في كثير من الأحيان ضدها، ومع ذلك بمجرد أن انتصرت إذ به يتحرك وبقوة، ليقطف ثمارها".

وأشار د.رفعت إلى أن مخاطر هذا التيار المسمى السلفي تتبدى عندما نعلم أنه يمتلك الآن في مصر 9 آلاف مسجد و6 آلاف زاوية من إجمالي 130 ألف زاوية ومسجد في مصر منها 30 ألفاً غير مرخصة و20 ألف جمعية خيرية، تصنع جنوداً من الحاملين لفكر الغلو، ويبثون فيها فكرهم وعقيدتهم المخالفة لعقيدة الإسلام الصحيح.

ويلفت إلى أن هذا التيار "يتلقى من بعض الدول النفطية أموالا اقتربت خلال الـ25 عاماً الماضية فقط من حيز 46 مليار دولار لنشر فكرهم ودعوتهم المخالفة لروح الإسلام والعصر، فإن علينا أن نذهب فوراً إلى تجفيف المنابع المالية، فالدم يأتي مخلوطاً بالدولار".

وأكد الخبير الأمني اللواء حسين كمال أن ظهور التيارات الدينية المتشددة وخاصة السلفيين الآن على الساحة المصرية يثير القلق لدى العديد من المصريين، خاصة بعد أن بدأ التيار السلفي في الإعلان عن فكره المتشدد نوعاً ما والمقترن في بعض الحالات بالعنف كما حدث في قنا مع المواطن المسيحي الذي لقي حتفه بعد أن سقط من أعلى أسطح أحد المنازل عقب مطاردة السلفيين له، أو اتجاههم مؤخراً إلى محاولة هدم العديد من الأضرحة على مستوى الجمهورية.

وتوقع أن تشهد الأيام القليلة المقبلة انخفاضاً في حدة النشاط الديني بالبلاد، خاصة بعد أن شعر المواطنون بخطورة وصول التيارات الدينية إلى الحكم وسيطرتها على البلاد، وكذلك إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعدم إمكانية قبوله فكرة إنشاء دولة إسلامية في مصر أو أن يحكم مصر خميني آخر.