من ورّط المجلس الأعلى؟

بقلم: مهند حبيب السماوي

لا اعتقد انه من الممكن أن يظن أحد، مهما سرحت به الظنون بعيدا، أن مقالة (800 ألف بطانية) والتي كتبها سكرتير تحرير صحيفة الصباح أحمد عبد الحسين، يمكن أن تكون سببا لإدخال المجلس الإسلامي الأعلى في تراشق أعلامي تمثل في المواجهة التي تجري الآن بين مجموعة كبيرة من الكتّاب والإعلاميين ممن وقفوا مع الكاتب عبد الحسين من جهة، وبين المجلس الأعلى من جهة ثانية الذي ارتكب خطأ واضحا حينما هاجم أحد كبار قياداته وهو الشيخ جلال الدين الصغير، الكاتب احمد عبد الحسين على منبر الجمعة وأدلى بحديث فهمه الكثير على انه تهديد واضح وتحريض على صاحب هذه المقال.

الخطأ الذي وقع في هذه القضية، من وجهة نظري الشخصية، يكمن في عدم تعامل المجلس مع المقال بمهنية وقانونية تقتضيها سياقات الردود على مثل هكذا مقال فيه تلميحات وإشارات يمكن أن تخضع لتأويلات مختلفة. فالمجلس قد قام بارتجال رد فعل لا يتناسب مع مكانته وحجمه السياسي في العراق، حيث تصرف على نحو غير صحيح متمثلا بما قاله الشيخ جلال وهو على منبر جامع براثا التاريخي الذي من المفترض أن ينأى خطيبه عن الدخول في هكذا مماحكات يمكن أن تجعل صاحبها محط نقد من قبل خصومه الذين ينتظرون منه مثل هكذا أخطاء لكي يتم تهويلها والنفخ فيها.
ولعل الأمانة الموضوعية تحتم علينا، قبل الدخول في تفصيلات المقال، أن نوضح مثالاً للتحريف الذي حدث، حيث نجد مثلا أن البعض قد اقتطع وصف قانونية من كلمة الشيخ جلال حينما قال بما معناه بأننا سنقاضيه بطرقنا القانونية الخاصة، فقاموا بحذف كلمة القانونية ليقولوا بان جلال هدد احمد بالتصفية وقال بأننا سنقاضيه بطرقنا الخاصة وهو تحريف واضح للعبارة. ولكن من جانب آخر نرى أن استخدام الشيخ جلال في خطبته عبارة أن الكاتب لا أصل له ولا... هو كلام غير مقبول على الإطلاق من أي شخص أو حزب يقدم نفسه على انه إسلامي، فضلا عن غرابة هكذا وصف في الحديث عن مقالة معينة من الممكن الرد عليها بنحو أخر.
وعندما يحاول المراقب وضع يده على الأمر الذي دفع المجلس إلى هكذا رد فعل، فانه سوف يُرجح القول بان وكالة براثا الإخبارية وراء هذا الأمر، الذي يرى الكثير من المراقبين أنها تمثل الخط المتشدد في المجلس الأعلى، وان أنكرت مرارا وتكرارا ارتباطها بالمجلس، فهذه الوكالة، قد بدأت حملة قاسية وهجوما لاذعا على الكاتب احمد عبر مقالاتها، واتهمته بأنه بعثي الهوى، ودفعت بالنتيجة قيادات المجلس أو بصورة أدق الشيخ جلال للهجوم على الكاتب، وكان من الممكن لهم أن يتم الرد بطريقة ذكية ولا يخلقون زوابع إعلامية تكسب المقالة شهرة ما كانت تكون من نصيبها لولا هذه الردود التي بواسطتها عرف أكثر الناس هذه المقالة خصوصا وقد تم التطرق لصاحبها في خطبة الجمعة!
ويبدو أن الخطأ الذي ارتكبه الشيخ جلال وموقع براثا قد تمت محاولة تصحيحه من قبل نائب رئيس الجمهورية السيد عادل عبد المهدي بعد يوم واحد من خطبة الشيخ جلال بواسطة البيان الذي أصدره مكتبه حيث كان بيانا أقل ما يوصف بأنه حكيم ونابع عن أحساس عالي بالمسؤولية ورغبة في تدارك أخطاء رفاقه في نفس الحزب، بحيث دفع ذلك موقع وطن وهو موقع مناوئ للحكومة العراقية أن يكتب العنوان الكبير التالي في موقعه على الانترنيت "لأنه يؤمن بحرية الرأي.. نائب الرئيس العراقي يدافع عن صحافة تتهمه بسرقة بنك". وهو أمر ايجابي يُحسب لصالح عبد المهدي والمجلس الأعلى أن أصبحت مقولة وسياسة السيد عبد المهدي ستراتيجية شاملة ومتكاملة للمجلس.
وجاء في معرض البيان عبارات وفقرات يمكن أن تؤشر على كيفية تعامل السياسي مع الإعلام من جهة وكيفية تعامل الإعلامي مع نفسه والحقيقة، فقد أوضح عبد المهدي بان" من يتصدى للعمل السياسي ويؤمن بحرية التعبير والرأي ويضع نفسه كرجل خدمة عامة فانه يجب ان يقبل مسبقاً بان يضع نفسه تحت المساءلة العامة"، حيث "على المسؤول من أمثالنا ان يتوقع من الصحافة بعض المقالات المزعجة إن لم نقل المسيئة والخاطئة".
وفي رسالة واضحة من عبد المهدي لكل السياسيين ومن يحاول استخدام إجراءات معينة ضد الصحفيين، حذر السياسيون، بشكل واضح لا لبس فيه، من استخدام إجراءات ضد الصحافة "قد تفسر بأنها تحد من هذه الحرية بأي بشكل.. أو أن تفهم وكأنها ضغطاً أو تهديداً" كما جاء ذلك في البيان الذي تم صياغته بطريقة مهنية محكمة.
بل أن السيد عبد المهدي قد اعتبر ما يقال عن السياسيين من قبل بعض وسائل الإعلام بمثابة "ضريبة الواجب الذي يجب ان نتحملها مقابل الصلاحيات والإمكانيات الكبيرة التي وضعت بين أيدينا والتي تشكل رقابة الصحافة ومطاردتها لنا أحدى الوسائل لعدم التعسف بتلك الصلاحيات".
فالمشكلة اذن في وكالة براثا التي بدأت الهجوم على مقالة احمد على نحو غير مهني بينما كان المفترض منطقيا الرد عليها بمقال آخر ناقد ومفند ومفكك لما فيها بعيدا عن التجريح والشتائم والاتهام بالبعثية وهو القالب الجاهز عند وكالة براثا، أو يمكن أن يُتخذ الرد صورة أخرى عبر وسائل قانونية أذا كان المقال يقتضي هذا الأمر ووفقا للضوابط المتعارف عليها في الدستور والقانون.
ان المرحلة الحرجة التي تمر بها الأحزاب الإسلامية في العراق بعد الزلازل والعواصف السياسية التي أصابتها جميعا، والتي أدت إلى تضاؤل شعبيتها وفقدان رونقها وتناقص أعداد مؤيديها، تقتضي منها الانتباه والحذر والتعامل بدقة مع الأخر من قبل المؤسسات والوجوه الإعلامية التي تمثلهم، خصوصاً وان العراق في طريقه نحو الانتخابات البرلمانية القادمة التي ستشهد، من وجهة نظر الكثير من المحللين، العديد من الصراعات والتسقيط الإعلامي والسياسي بين الأحزاب المختلفة. مهند حبيب السماوي alsemawee@gmail.com