من مصلحة اميركا بقاء الرئيس صالح في الحكم

بقلم: احمد غراب

أزمة دبلوماسية عابرة طفت على السطح مؤخرا بسبب ما ادلى به السفير الاميركي في صنعاء من تصريحات لا تفتقر الى الموضوعية بقدر افتقادها الدبلوماسية باعتبارها جاءت في وقت حساس قبيل الزيارة المرتقبة للرئيس الى واشنطن. ولو أن تلك التصريحات جاءت في غير هذا الوقت لكان من الممكن استقبالها بروح سياسية مرحة ومتفهمة.
وبالمقابل فإن التصعيد الاعلامي الذي جوبهت به تلك التصريحات كان عشوائيا ومبالغ فيه وينقصه الكثير من الدبلوماسية ولعبة البيضة والحجر وخلط الاوراق ببعضها والحديث عن ان اليمن لن يكون عراقا اخر.
باب لم يكن ينبغي طرقه بتاتا باعتباره تمردا على روح الدبلوماسية السياسية في ظل اختلاف عابر بين قطبين غير متكافئين كما انه لا يخدم مستقبل العلاقات اليمنية الاميركية.
وفي كل الاحول فإن تعقيب السفير الاميركي بتصريح اخر اوضح فيه حقيقة مقصده ازال سوء الفهم الذي حدث واثبت بطلان ما ردده البعض من أن واشنطن ارادت أن تبعث برسالة من العيار الثقيل الى الرئيس صالح مفادها أن تاريخ صلاحية نظامه قد انتهى. وهذا القول يتناقض تماما مع مبدأ الموضوعية. كما انه لا يمت الى الواقعية بصلة لعدة اسباب اهمها أن المصلحة الاميركية في اليمن ومنطقة البحر الاحمر والقرن الافريقي تقتضي بقاء صالح في السلطة على الاقل في العشر السنوات القادمة. وخلال هذا الوقت بامكان الولايات المتحدة التفكير في بدائل اخرى مع مراعاة أن نظرية الاتيان ببديل على غرار الجلبي لا تؤتي اكلها في اليمن بحكم أن اليمن دولة متشعبة التضاريس والمذاهب والاعراق القبلية ومن الصعب أن يحكمها رجل لا يمتلك خبرة واقعية في التعامل مع تلك الظروف التي تميز اليمن عن غيرها.
كما أن مسألة الارهاب وجذوره تمنح اليمن خصوصية. ورحيل صالح عن الحكم يشكل متنفسا عميقا للجماعات الارهابية بحكم أن صالح اظهر تعاطيا ايجابيا فريدا من نوعه في الشراكة مع الامريكان في محاربة الارهاب بشكل غير مسبوق عربيا بدليل أن الحكومة اليمنية سمحت بتعاون يمني امريكي عسكري لملاحقة العناصر الارهابية كما حدث في نهاية عام 2002 عند ملاحقة مجموعة من المتهمين بالانتماء لتنظيم "القاعدة" في مأرب، بالاضافة الى أن صالح اتخذ خطوات تخدم المصلحة الامريكية وتكبح جماح الارهاب عنها باطلاقه لمبدأ الحوار مع الارهابيين المبتدئين حيث تم اطلاق سراح 364 شابا بعد الدخول في حوارات معهم ولم يغادر أي منهم اليمن ليقاتل في أي مكان اخر مما يدل أن استراتيجية صالح في محاربة الارهاب غير اعتيادية لكنها حققت نتائج ما كانت لتحلم بها الولايات المتحدة حيث تحولت اليمن من عدو محتمل في القاموس السياسي الامريكي الى حليف لا يمكن الاستغناء عنه في الحرب ضد الارهاب.
ولم يقتصر الامر على برنامج اطلاق سراح السجناء الذي لم يكن وحده المسؤول عن ايقاف الهجمات في اليمن فقد اتخذ صالح سلسلة من الاجراءات لمكافحة الارهاب بالتعاون مع الولايات المتحدة منها اغلاق المدارس المتطرفة التي اتهمتها الولايات المتحدة بتوليد الكره بالاضافة الى طرد المقاتلين الاجانب وتعزيز الحراسة على الارهاب في الحدود البحرية والبرية. كما أن برنامج الشراكة في محاربة الارهاب الذي يجمع بين صالح وواشنطن بدأ يؤتي ثماره ومن المجازفة المغامرة بالتفكير بنظام اخر للتحالف معه كبديل لنظام الرئيس صالح خاصة وان الولايات المتحدة لا تملك الضمانات التي تؤمن لها انتهاج هذا السبيل في حالة التفكير بالنتائج والاثار والوضع الذي يمكن أن يخلفه رحيل الرئيس صالح عن الحكم.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تقرر الدولة العظمى التخلي عن حليف مثالي وشريك مخلص في محاربة الارهاب من اجل احتمالات غيبية لا تدرك كنهها؟ وهل تستبدل حليفها الاستراتيجي في منطقة البحر الاحمر والقرن الافريقي باخر لا يملك الخبرة الكافية للحفاظ على مصالحها ودرء ايادي الارهابيين عنها؟ وهل تتورط في مغامرة سياسية غير محمودة العواقب أن هي قررت الدفع باليمن والمنطقة المحيطة بها في اتون تغيير مجهول الملامح والعواقب يؤثر على مصالحها ليس في منطقة البحر الاحمر والقرن الافريقي فحسب بل في منطقة الشرق الاوسط بحكم أن هذا التغيير أن حدث سيخلق الكثير من التشعبات في توجهات الدولة العظمى باعتبار ازدياد تهديدات الارهابيين مستغلين انشغال الولايات المتحدة في العراق وسوريا وايران بالاضافة الى الوضع الذي يمكن أن ينجم في الجزيرة العربية في حالة قرر الرئيس صالح الرحيل عن السلطة؟ واخيرا هل تدرك الولايات المتحدة أن من مصلحتها اقناع صالح بالعدول عن رأيه بعدم ترشيح نفسه للحفاظ على عقد الشراكة القائم بينها وبين اليمن في محاربة الارهاب وبالتالي ضمان الحفاظ على مصالحها في المنطقة؟ احمد غراب