من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة

المثاقفة المسرحية لها جانب سياسي

تتواصل فعاليات مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية في دورته الثانية عشرة من خلال ندواته العلمية، وفي هذا السياق تم تنظيم لقاء حول كتاب المفكرة الألمانية إيريكا فيشر ليشته "من المثقافة إلى تناسج ثقافات الفرجة" الذي قام بترجمته وتقديمه البروفيسور خالد أمين، وصدر عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة.

وتميز اللقاء الذي أداره باقتدار كبير د. حسن يوسفي بتقديم مسارات إريكا فيشر ليشته بوصفها صوتا مؤثرا في حقل دراسات الفرجة على المستوى الدولي؛ إذ تشغل مديرة المعهد الدولي لتناسج قافات الفرجة التابع للجامعة الحرة ببرلين، كما سبق لها وأن ترأست الجمعية الألمانية للمسرح ما بين عامي 1991 و1996، والفيدرالية الدولية للبحث المسرحي ما بين عامي 1995 و1999 فضلا عن إسهاماتها المتعددة والرائدة في مجال التنظير المسرحي، كما عدَّ خالد أمين مترجم العمل حلقة قوية داخل هذا الأفق النقدي بوصفه أفقا معرفيا.

استهلت المفكرة الألمانية إيريكا فيشر ليشته مداخلتها بسعادتها بأن تنتقل رؤاها وأفكارها إلى اللغة العربية من خلال هذه المقالات التي تم تجميعها في هذا الكتاب، وارتأت - في هذا الإطار - أن تتحدث عن المسرح المتعدد أو الثقافات المتعددة، مسترجعة التبادلات الرمزية بين الثقافات؛ حيث تتفاعل عناصر فنية تنتمي إلى ممارسات مسرحية مغايرة لم يتوقف يوما.

فقد تفاعل المسرح الياباني بالصيني، كما مزج موليير في فرنسا بين تقاليد المهزلة الفرنسية (الفارس) وكوميديا ديلارتي. بيد أن هذا التفاعل انحصر على الثقافات المتجاورة التي تجمع بينها عدة قواسم مشتركة.

لكن إذا كانت الأفكار والفنون تخضع للتغيّر، ضمن سياق حضاري يفترض فيه التجانس كالسياق الحضاري الغربي، فمن البديهي أن تكون حدة التغير أكثر وضوحا، حين يتم الانتقال من سياق حضاري إلى سياق آخر مختلف تماما، وهو ما تحقق مع بداية القرن العشرين حين أضحى التفاعل يتسم بمذاق مغاير ونكهة خاصة، إذ غدا يتم بين ثقافات تنمي الى أفضية نائية وعوالم بعيدة (تفاعل المسافات الطويلة).

وبوعي نقدي متفجر ولا مهادن، تعتبر اريكا أن هذا التفاعل يضمر الاستعلاء الهوياتي الغربي وتفوقه المزعوم عبر دعم جنون العظمة الغربية؛ إذ يشير مصطلح مسرح المثاقفة إلى "انصهار أشياء غربية وغير غربية، وليس انصهار عناصر من تقاليد أميركا اللاتينية أو إفريقيا أو الثقافات الأسيوية المختلفة".

منبهة إلى أن عملية الأخذ أو النهل تلزم صاحبها بالصمت، وبخاصة عندما تكون لدينا عيوبنا، ولذلك فإن متابعة عملية فهم الهيمنة تقتضي إلى تعرف عملية ماذا يحدث في المسرح اليوم في زمن العولمة؟ لأن عملية الأخذ – هذه - تتطلب في ثقافاتنا إمكانات المسرح متعدد الثقافات والمشارب، لأنه مسرح يتأسس وفق عملية التبادلات بين المسارح سواء أكانت تنتمي إلى القارة الأميركية أم الإفريقية أم وجود مسرح غربي في أميركا اللاتينية على الرغم من تلك الرؤى التي تنظر إلى هذه التبادلات بوصفها هيمنة حتى في ظل وجود الملكية الخاصة، وبالتالي نرى أنه ثمة أشياء في المسرح الغربي قد أخذ ونهل من أماكن أخرى في العالم (شوسوكو) منذ 1990؛ حيث بدأ الحديث عن هذا الأمر بوصفه انتماء إلى تاريخ اليابان، وفي الغرب يقولون بانتمائه إليهم.

إنها مجرد محاولة، ولهذا تعتقد الباحثة تبعا لهذا السياق أنه ليس المفهوم الصحيح؛ لأن ثمة مفاهيم أخرى يمكن أن تسهم في تحقيق هذا الأفق المعرفي، ذلك أن هذه العملية باتت موجودة، فأن نأخذ أجزاء من عناصر، وخلق تحاور بين النماذج التي تفد إليك، وتسمح لك بالتعرف عليها، وبخاصة في ظل تدفق عوامل العولمة.

أما بالنسبة إلى التجديدات؛ فالناس ينتقلون من بلد إلى آخر، وينقلون مما يفيدوهم. هناك ثقافة تقليدية، وأيضا أسرار تحمل أشياء خاصة، وفي العالم الحديث تتم عمليات الأخذ والإنتاج، وبخاصة في ظل وجود من يحتاج إلى الطعام مقابل الأفكار، وعلينا أن نتحدث إلى هؤلاء الناس، وهذا مفهوم حاسم؛ لأن الانتقال إلى المسرح المتعدد المواهب، ولربما لن نحتاج إلى هذا المفهوم.

وتخلص الباحثة فيشر إلى أن البروفيسور خالد أمين هو من بدأ من هذه النقطة التي نحن بها الآن، ويوما ما سنصل إلى نتائج مفيدة.

وانطلق الباحث هشام بن الهاشمي في تقديمه للكتاب من مصطلح المثاقفة بوصفه تفاعلا بين الثقافات، وسعيا نحو الانفتاح من دون انصهار، وإبراز الذات من دون انغلاق، مستحضرا في هذا السياق ما أكد عليه خالد أمين في مقدمة الكتاب بأن أن الفن المسرحي لا يعيش الا في اطار الحوار الفني والتلاقح الثقافي بين الشعوب، وأي تصور انطوائي سيحكم عليه بالموت والانتحار البطيء.

ذلك أن أهمية درس إريكا فيشر - من منظور خالد أمين - يكمن في إيمانها العميق بأن المسرح متأرجح بين الأنا والآخر، والهوية والاختلاف، وفيه تمتزج الأزمنة المختلفة. معتبرا أن انتشار الثقافات الفرجوية، وبخاصة تلك التي تتحرك من الشرق صوب الغرب، تسهم في تحرير المجال الثقافي الغربي من الاستعلاء الهوياتي وتقويض التمركز الغربي، معرجا إلى إبراز الدور النقدي البارز الذي اضطلع به خالد أمين، وبخاصة حينما أضاء أبعاد العلاقة بين الشرق والغرب ارتباطا بمسرحنا العربي ومسرح الغرب؛ إذ يعد أن الحراك المسرحي العربي يحفز على النظر الى الفضاء الثالث الذي يطبع الممارسة المسرحية حيث تتناسج الثقافات الشرقية والغربية.

فلا حركة التأصيل في المسرح العربي، ولا النموذج المسرحي الغربي الذي يضفي على ممارساته الفرجوية طابع الكونية، قادران على حجب الثقافات والشعوب بعضها عن بعض. ذلك أن التشبث بالهوية والخصوصية المحلية لا ينبغي أن يفضي الى التقوقع والانكفاء الذاتي والانغلاق، لأن هذا الخيار تكرار للنموذج الاستشراقي الذي يعتمد على إنتاج ذات الثنائيات الموهومة والتقسيمات التراتبية التي يستحيل معها تصور واقع إنساني في ذاته ولذاته دون تعال.

ولذلك، اعتبر خالد أمين أن من عوائق الثقافة العربية ارتباطها بالماضي، مستحضرا صرخة عبدالله العروي المدوية: "مخيف هذا التعلق بالماضي"، وهي صرخة تروم التوجه نحو المستقبل بدل تحنيطه. ومن هنا، فخالد أمين لا يرفض التراث والنهل من ينابيعه لكنه يطالب بتجديد النظر إليه حتى يتكيف مع السياق الجديد والراهن.

يتضمن الكتاب ثلاثة فصول تتدرج في إطار أطروحة تسعى إلى تحديد دواعي الانتقال من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة؛ ركزت اريكا فيشر في الفصل الأول بـ: "مسرح المثاقفة"، على النصف الأول من القرن العشرين التي تعدها فترة مؤسسة في تطور المسرح، فقد نهل العديد من رواد المسرح الغربي من المسرح الشرقي.

وكان من ثمار هذا الانفتاح: "دحض كل ما هو أدبي وواقعي نفسي في مسرح الوهم، وتقديم تصور جديد للفضاء المسرحي وسيرورة العرض المسرحي. وبالمقابل آمن دعاة المسرح الجديد في الشرق بأن الأشكال المسرحية التقليدية أضحت بائدة وتقليدية وعاجزة على مواكبة هموم وقضايا المجتمع الحديث.

وهكذا، تخلص إريكا فيشر إلى أن المثاقفة المسرحية تروم تحقيق أهداف محددة بدقة حسب متطلبات السياق والثقافة. وهي إما أهداف جمالية أو مرامي اجتماعية أو هما معا. لكن حين يسعى مسرح المثاقفة إلى ترسيخ مسرح كوني كما هو الحال بالنسبة إلى بروك، فإنه في هذه الحالة لا يهتم بالهويات الثقافية؛ لأنه يولي اهتماما بالغا بـ: "التجانس الإنساني؛ لأن "المثاقفة المسرحية أيضا لها جانب سياسي لا ينبغي تجاهله، وهو مرتبط بالعلاقات السلطوية بين الثقافات".

كما تصطلح فيشر على عملية تبني التقاليد الفرجوية الوافدة بالتلقي المنتج، ففرجة المثاقفة في سعيها نحو التلقي المنتج تخضع العناصر المسرحية الى تغيير جذري بهدف توسيع الإمكانات التعبيرية أو إحداث شكل مسرحي جديد.

وترى فيشر في فصل "تناسج ثقافات الفرجة"، أن اتساع التفاعل بين عناصر فرجوية يعزى إلى انتمائها إلى ثقافات مختلفة التي تنقل الفنانين بين العوالم بفضل وسائل النقل، والمهرجانات؛ بحيث أصبح تداخل الثقافات داخل الفرجة ممارسة شائعة؛ لأن العروض تسافر من بلد الى آخر ومن قارة الى أخرى ومن مهرجان دولي الى آخر.

وأثناء عملية الارتحال تكتسب الفرجة بعدا جماليا جديدا إذ تخضع للتغيير حسب متطلبات السياق الجديد والحاضن الى الحد الذي يصعب معه تحديد منبع الفرجة وانتماءها الهوياتي.

ومن هنا، تؤكد فيشر أنه على الرغم من تركيز ممثلي مسرح المثاقفة على الأبعاد الجمالية، فإنه يصعب بل يتعذر التمييز بين الجمالي والسياسي. وهو ما أكدته الانجازات اللماحة لنظرية ما بعد الاستعمار.

كما تشير إريكا فيشر إلى اتسام مصطلح التناسج بالمرونة؛ لأنه قابل للتطور حسب أشواط البحث والاشتغال حتى يتبلور في شكل مفهوم إجرائي واضح. بيد أنها كشفت عن معالمه الكبرى المؤطرة لاشتغاله، فعبر التناسج تمزج العناصر الفنية لتشكل عرضا فنيا كما تلتئم الخيوط الحريرية لتشكل ضفائر وخيوط من دون إمكانية الفصل بين مكونات الإنتاج أو إحالة مواده الأساسية الى أصله.

وبذلك يغذو التناسج من هذه الزاوية صناعة جمالية بامتياز ذات قدرة تحويلية هائلة محددة أهداف هذا التناسج ومبادئه الكبرى في الآتي: أن يراعي "التناسج" مبدأ التغيير وناموس السيرورة الذي يميز الثقافة. مما يفرز الاختلاف ليس بوصفه نوافي وأضداد، وإنما وفق مبدأ الترابط الذي يميز الضفائر المنسوجة، وأن يضمر إمكانية التعايش بين الفرجات والثقافات لخلق حالة "المابينية" التي تغدو فيها تقنيات صناعة الفرجة في حالة سفر دائم وترحال مستمر، وأن يتيح تقويض أوهام الخالص والأصيل، ذلك أن الوضع البيني يجعل الهوية الفنية تفعم وتشق بما هو قادم من جغرافيات الآخر، وأن يستشرف "التناسج" أفقا مغايرا للتفكير ينزاح عن الثنائيات الموهومة والتقسيمات التراتبية، كما يتجاوز الانغلاق والانطواء والتقوقع داخل إطار الهويات العمياء، وأن يتم التعامل بحذر مع الفرجات المعاصرة عبر التمييز بين تلك التي استطاعت تحقيق فعل التناسج بشروطه التحويلية، وتلك التي فشلت في هذه الغاية فأعادت إنتاج حمق السلطة وجنون العظمة، وأن لا يتقوقع التقعيد لـ "تناسج ثقافات الفرجة" داخل إطار نقدي واحد يتحكم في مساره ويحكم اشتغاله (تنظيرات ما بعد الاستعمار)، بل ينفتح على تصورات نقدية أخرى تشاركه الهدف نفسه، كما هو الحال بالنسبة للنقد المزدوج.

وهنا تشيد اريكا فيشر بالدور النقدي المهم الذي اضطلع به خالد امين في تخصيب النظر إلى تناسج ثقافات الفرجة، وذلك حين استند الى النقد المزدوج لعبدالكبير الخطيبي وطوعه تصوراته السوسيولوجية حول العالم العربي حتى تتوافق مع مراميه وأغراضه النقدية. فقد أتاح النقد المزدوج الباحث المغربي خالد أمين: "مساءلة الخطابات الملتبسة حول الفرجة التي تتداول للتكلم باسم العالم العربي، بينما هي في العمق متجذرة في التمركز الأوروبي، ومن جهة ثانية، التأمل في "خطابات الحنين" وكيف ينظر بعض الممارسين المسرحيين العرب لثقافاتهم الفرجوية".

وهو ما مكنه من تشييد تصور انساني للفن المسرحي يتجاوز الثنائيات الموهومة والتقسيمات التراتبية، إذ لا تتحدد مهمة النقد المزدوج في تفكيك الهيمنة التي تتشبث بالأصالة والمطلق والهوية والحقيقة، بل تتجاوز ذلك الى خلق حوار خصب ومثمر بين العوالم، وأن تنزاح دراسات التناسج عن القطبية: (الغرب مقابل بقية العالم)؛ إذ حين يتم عرض مسرحي غربي بأسلوب تقليدي يستمد من عوالم النو، والكابوكي، والكاطاكالي، فإننا هنا إزاء انصهار ثقافات فرجوية.

وتصطلح إريكا على هذا النوع من التناسج بـ "الجماليات التحويلية" ذات التأثير البالغ من جهة على المؤدين لما تتطلبه من أداء جسدي متقن، وعلى الجمهور من جهة ثانية عبر نقله الى حالة من البنية لتوليد أكبر انفتاح ممكن.

أما الفصل الثالث المعنون بـ: "حوار المثاقفة المسرحية"، فنلفي حوارا شيقا بأبعاد ثقافية تشي بدور الباحث الهندي رستم باروتشا والباحث المغربي خالد أمين في تعميق النقاش الدولي حول مسرح المثاقفة.