من 'كعود' الى 'خلف الدوّاح'

بقلم: صباح علي الشاهر

كنا ننتظر بفارغ الصبر مجيء (الكاتب والإذاعي) شمران الياسري للكوت، قاصداً أم عابر سبيل. ومن يعرف المرحوم "أبو كاطع" جيداً يعرف كم هو لطيف المعشر، سريع البدهية. أبو جبران كتلة من النشاط والذكاء المتقد، ومستودع لا ينضب للنكات التي تلبس الحالة وتلبسها الحالة، وكأن هذه النكتة أو تلك، هذه الحكمة أو تلك، هذه الحكاية أو تلك قد فُصلّت لهذا المشهد أو هذا الموقع أو هذه الحالة.
مع شمران الياسري ينسى المرء الزمن، أو أن الزمن يتوقف، وإذ ينطلق شمران بالحديث فإنه لا ينتهي. قطار شمران لا محطات له، يبطل الإنتظار أن يكون إنتظاراُ عندما يتحدث شمران. حكاياته كحبات العنقود، ترتبط بعضها ببعض، وتستقل بعضها عن بعض. كنا قلة قليلة أولئك الذين يعرفون بمقدم أبو كاطع للكوت، وفي كل مرّة نكون أبخل من البخل، فلا نخبر أحداً بمقدمه حتى نعتصر برتقالته عصرا، وكان هو يتواطأ معنا، ويرضى بمكر أن يتخلف ويمكث معنا حتى ولو كان الأمر لا يقبل التأخير. الحديث مع شمران الياسري متعة ما بعدها متعة. هذا الكوتاوي الألمعي نفحة مضمخة بعطر واسطي لا مثيل له.
ربطتني بشمران علاقة خاصة في نهاية الستينيات. كنا نلتقي في مجلة "الثقافة الجديدة" في الباب الشرقي، حيث كنت أتواعد أيضاً مع طيب الذكر الشهيد الرفيق الصديق محمد الخضري (أبو سلام). أعتقد أن شمران غطّى بالإضافة لمهماته موقع الأخ الصديق الشاعر ألفريد سمعان (أبو شروق) بعد سفره لسوريا، كان رئيس تحرير المجلة وقتها الدكتور صلاح خالص، قبل أن ينفصل عن المجلة ويؤسس مجلته الخاصة التي أسماها (الثقافة). ورغم كوني كنت ناشطاً في القسم الثقافي لـ"لثقافة الجديدة"، فقد ظلت علاقتي بصلاح خالص متينة، ونشرت في مجلته عددا من المقالات والقصص، منها على ما أتذكر قصة (إنه محجوب هذه المرّة!). كتبتها على إثر إعدام عبد الخالق محجوب سكرتير عام الحزب الشيوعي السوداني زمن نميري. وقتها كان الوضع في العراق ساخناً، والسلطة التي أتت بإنقلاب أبيض أصبح لها أنياب قوية ومخالب حادة. كان أبو كاطع يقدم برنامجا إذاعيا من إذاعة بغداد، يذكرني ببرنامجه الذائع الصيت بعد ثورة الرابع عشر من يوليو/تموز (حجاية أبو كاطع)، لكن هذا البرنامج لم يرتق إلى مستوى البرنامج السابق، وقد أبدل أبو كاطع شخصية كعود بشخصية خلف الدواح. لم تتحمل الديمقراطية الجديدة وقتها برنامج أبو كاطع رغم جماهيريته منقطعة النظير، فألغته، وعاد أبو كاطع لقواعده سالماً.
لفترة ما إشتغل أبو كاطع محرراً في جريدة "التآخي"، لكن الحكيم الضاحك الناقل لحكمة الناس البسطاء الموروثة تأريخياً، فجّر قدراته على صفحات "طريق الشعب". لقد قال لي مرّة الشاعر الشعبي المبدع شاكر السماوي، "لقد عودنا أبوكاطع على قراءة الجريدة ليس من الصفحة الأولى كما هو معهود وإنما من الصفحة الأخيرة حيث عمود أبو كاطع اليومي". وفي الحق لم يكن "أبو طلعت" وحده الذي كان يقرأ الجريدة مُبتدئاً بصفحتها الأخيرة وإنما يمكن القول بكثير من الإطمئنان أن عدد الذين يقرأون الجريدة إبتداءً من صفحتها الأخيرة كثير جداً.
من المفارقات غير المريحة لي شخصياً أن عمود أبو كاطع اليومي نُقل لأمر ما من الصفحة الأخيرة إلى أحدى الصفحات الداخلية، وقتها خرج العمود الذي كنت أكتبه مكان عمود أبو كاطع، وأتذكر أن عنوان مقال أبو كاطع في مكانه الجديد كان (صعدوك لو نزلوك؟!)، ولا أدري حتى هذه اللحظة هل كان هذا الأمر تصعيداً أم تنزيلاً، لكنني فيما بعد شعرت أن شمران أصبح ثقلاً على هيئة تحرير الجريدة بسبب من موقف الحلفاء منه، وبسبب نقده اللاذع الذي لم يعد بمقدور القادة تحمله.
كثير من الأشخاص يطويهم الزمن، يصبحون نسياً منسيا. تطردهم الذاكرة أو يهربوا منها، لكن شخصية أبو كاطع من تلك الشخصيات النادرة التي تعلق بالذاكرة. يصبح إبداعه لازماً لمن أدمنه، ويصبح شخصه لازما لمن تعرّف عليه وعرفه.
هذه المرّة لم يأت أبو كاطع للكوت زائراً أو في مهمة حزبية، وإنما جاءها لأمر آخر. لقد فُجعت العائلة بفقد عميدها (عم شمران)، وقد قررت منظمة الحزب أن يمثلها في التعزية كل من الأخ فتاح طه (ممثل الحزب الشيوعي العراقي في "الجبهة الوطنية والتقدمية") والشهيد حميد ناصر الجلاوي وأنا، وعلى ما أتذكر الأخ محمد موزان. إنحشرنا نحن الأربعة في سيارة أبو كاطع العجوز المتهالكة. لا أتذكر تحديداً هل كانت من نوع "لادا" أم "مسكوفج"، ورغم أن المسافة بين الكوت ومشروع الدجيل حيث سينعقد مجلس العزاء على روح الفقيد ليست بالطويلة إلا أن سيارة أبو كاطع أبت إلا أن تقطع هذه المسافة بوقت أكثر بكثير مما يجب. كانت بين الفينة والأخرى "تتعزز" علينا فتتوقف فجأة، تماماً مثلما يفعل الحمار عندما يعاند ويرفض مواصلة المسير. فيّعقب أبو كاطع "يا بعد عيني، حارة مثل راس الرفاق الروس، تحمه (تسخن) بسرعة مثل حركة التحرر الوطني!".
وفي مجلس العزاء عرفت أن شخصية "كعود" لم تكن خيالية كما كنت أتصوّر. لقد كان كعود بشحمه ولحمه هناك، وقد تصّنع الغضب لأن شمران تخلّى عنه، وأبدله بـ"خلف الدواح"، أتذكر أن أبو كاطع ضحك ضحكته المعهودة وقال: يا كعود لقد إختلفت المرحلة، مرحلتك يرحمها الله، ونحن الآن في مرحلة أخرى، مرحلة خلف الدواح، ولا أدري هل كان شمران جاداً أم هازلاً في كلامه، وهنا لا بد من الإنتباه إلى أن أبو كاطع كان غالباً يُغلّف كلامه بسخرية مُبطنه. البعض يتصور أن شمران في حديثه يخلط الجد بالهزل، لكنني أراه مثلما يراه الكثيرون الجاد الهازل، أو الهازل الجاد بامتياز، وما أجمل وأمتع هزله، وما أحد وأصدق جده!
كنت أسمع عن "أبو فهد" الشخصية الفلاحية. كانت هذه الشخصية من كثرة ما سمعت عن بطولاتها أشبه ما تكون شخصية مختلقة أو أسطورية، ولم يكن يخطر ببالي أن ألتقيها هنا في بستان من بساتين مشروع الدجيل. بعد أن إمتلأ المجلس بالمعزين إلتفت إليّ أبو كاطع، وقال: هناك شخص يريد رؤيتك، سألته: من هو؟
قال: شخص تسأل عنه كثيراً، وتود رؤيته، وهو يود رؤيتك أيضاً.
إنسلينا من المجلس خلسه في إتجاه البساتين، وهناك إلتقيت بالفارس، "خيّال الزرقة" كما كانوا يسمونه، الكادر الفلاحي (أبو فهد)، وسيكون لنا حديث عن هذه الشخصية التي ملأت أخبارها في ستينيات القرن الماضي ريف واسط ونواحيها.
كثيرا ما تساءلت مع نفسي من أين يستمد أبو كاطع هذا الفيض الذي لا ينضب من الحكمة العبقرية؟ لكنني الآن أعرف أن من يعش وسط هؤلاء الناس، في ريف واسط العبقري لا بد وأن يكون مستودعاً للحكمة، أن واسط التي أنجبت شمران الياسري، لا بد وحتماً ستنجب (شمران) آخر، ويقينا سوف لن يطول إنتظارنا. صباح علي الشاهر