من طقوس الكتابة

الهدوء يمثل الركيزة الأساسية في الكتابة الشعرية

لم أكن مغاليا في استعارة إهداء كتبته الروائية العربية غادة السمان في مقدمة روايتها "السباحة في بحر الشيطان"، وقد حمل مضامين كبيرة "إلى حبيبي المفترس الذي يسبح أحيانا في بحيرة الشيطان فلولاه لما كانت ولولاه لظللنا جميعا كائنات داجنة تسبح في إسطبل الآراء المتوارثة السائدة والمفهوم المحنط لمهمة العقل".

هذا الفضول قادني إلى البحث عن طقوس الكتابة لدى بعض الكتاب والشعراء والذين تركوا وصفا لأسلوبية عملهم بعضها حملته كتب السيرة والمفكرات اليومية والبعض الآخر من خلال المقابلات معهم من المؤكد ان المهتمين بأدب السيرة هم أكثر دقة في وصف عمل بعض الكتاب والشعراء.

وقد حملت تلك السير نماذج من طريقة الكتابة والطقوس المرافقة لها. ففي مذكرات الأديبة فرجيينا وولف نقرأ أنها تقف لحظه تأمل إمام مكتبتها قبل إن تشرع بالكتابة. والروائية ماريا كورش لا تهتم لصخب الأطفال في منزلها وهي تمسك بالقلم لتبدأ في كتابة روايتها. وطقوس الكتابة مختلفة من كاتب لآخر فالكاتب بلزاك تعوّد ان يكتب ليلا، كذلك الكاتبة الفرنسية كريستال ايجال.

لكن تشارلز ديكنز لا يكتب الا عند الفطور، وأميل زولا لا يكتب إلا الساعة العاشرة صباحا، ولا ينهض من مكتبه إلا بعد الساعة الواحدة ظهرا، وديستوفسكي يقرأ على نفسه ما يكتبة بصوت عال، وجيميس جويس الروائي الأميركي لا يستعد لكتابة النص إلا وهو واقف، يماثله الكاتب الفرنسي البير كامو الحاصل على جائزة نوبل للآداب.

لكن بعض الطقوس تبدو غريبة فلا يكتب صاموئيل بيكت مؤلف المسرحية الشهيرة "في انتظار غودو" إلا وهو جائع، وهنريك ابسن وهو مسرحي آخر يضع عقربا في قارورة فوق منضدة لحظة البدء بالكتابة، او جان كوكتو الذي يضع عقربا حيا في كأس مقلوبة، ومن غرائب الطقوس أيضا أن الكاتبة أجاثا كريستي تغطس في بانيو الحمام لساعات كي تأتيها لحظة كتابة رواية أو حل عقدة مستعصية فيها.

وشاعر الحب نزار قباني يكتب غالبا وهو مستلق على الأرض، وماركيز كان يهوى الكتابة على آلة الطابعة، واستلهم جبرا إبراهيم جبرا رواياته من السير على الإقدام في شارع النهر في بغداد.

وفي زمن التطور الهائل الذي نعيشه جاء كيبورد الحاسبة إيذانا بعصر جديد من التنافس بينه وبين القلم وانساق كثيرون مع هذه الثورة، فهُجر القلم وعشق هذه الالة واعتبروا ان القلم صار جزءا من الماضي لكن الاعتزاز بالكتابة بالقلم تصل حد الهوس، كما تبين لنا الكاتبة ماري غوردن "إنني أتحدث عن أقلامي ودفاتري كما يتحدث سلطان عثماني عن جواريه الحسان" رغم ان العلاقة بين الشعر والكمبيوتر مدعاة للحيرة كما يقول الكاتب اللبناني عبده وازن.

ورغم ان البعض لا يزال حريصا على ان تكون طقوس ما ترافق عملية الكتابة إلا إن آخرين ليست لديهم أي طقوس محددة لحظة الشروع فيها مثل الاستماع الى الموسيقى أو تحديد مكان معين أو التنقل من مكان لآخر، لكن شعراء عراقيين التقت بهم إحدى الوكالات أجمعوا على ان الهدوء يمثل الركيزة الأساسية في الكتابة الشعرية، وربما ذلك هو جزء من طقوس أخرى نضيفها لباقي الطقوس.