من حكايات الكتب المصادرة

نسخ قليلة قد تنجو لكي تكتمل الأسطورة

حين دخلتُ دار الهلال، رئيسا لتحرير مجلة "الهلال" أول يوليو/تموز 2014، جاء لتهنئتي رجل تذكرت وجهه، وكنت أراه في نهاية ثمانينيات القرن العشرين، كلما زرت رجاء النقّاش وأنا طالب بجامعة القاهرة.

كان النقّاش يذهب إلى دار الهلال ليلا، ولم يكن مطلوبا من "حسن عمار" أن يسهر في الشغل، ولكنه يحب عمله بأكثر مما هو مطالب به ويعتبر دار الهلال بيته، وما يربطه بالدار أكبر من عقد يحدد ساعات العمل. وقد تقاعد قبل سنوات ولم يقعد، فلا يزال أول الحاضرين صباحا يشرف على العمال، ويمد يديه معهم إذا احتاج الأمر وهو دائما يحتاج، كما لا يتأخر عن القيام بأي مهمة يطلبها زائر أو محرر في الدار.

شخص ما مثل "حسن عمار"، ربما ألهم رالف والدو إمرسون (1803 - 1882) تفاؤلا عبر عنه قائلا "ليس في العالم، في وقت واحد، أكثر من إثني عشر شخصا يقرأون أفلاطون ويفهمونه، وليس من بين هؤلاء من يستطيع أن يشتري نسخة واحدة من مؤلفاته، ومع ذلك فإن هذه المؤلفات تنحدر من جيل إلى جيل من أجل هذه القلة من القراء، كأن الله يحملها لهم بين يديه". هذا يخص الحياة التي تكتسبها الأعمال المؤسسة للفكر الإنساني وهي تتعدى لغتها الأصلية، وتصير ملكا للإنسانية في كل العصور.

وفي كل جيل تصدر كتب، وتتعرض لظلم وتهميش وإقصاء، سهوا من دون قصد، أو عمدا بسبب الغيرة، والمجايلة حجاب بالطبع. ولكن نسخا قليلة أو نسخة واحدة على الأقل تنجو لكي تكتمل الأسطورة، وتجاور أبطال أساطير نجوْا من مذابح جماعية مدبرة، وحروب وكوارث طبيعية أفنت الجميع وأبقت على الناجي لكي يروي الأسطورة ويصون الذاكرة الجماعية.

يحدث أحيانا أن تُصادَرَ مجلة أو صحيفة، ويتولى حرس شداد الإشراف على إعدامها، وتبحث عن هذه النسخة المصادرة "المعدومة"، في المجلد الخاص بها في أرشيف الدار الصحفية، فلا تعثر عليها بين النسختين السابقة واللاحقة. ثم يحدث أن تقلب بالمصادفة في مجلد آخر للصحيفة نفسها في دار الكتب والوثائق فتجد النسخة المصادرة.

لم يصدق المحقق هشام عبدالعزيز حين رأى في دار الكتب نسخة من مجلة "روزاليوسف" تقول البيانات إنها صودرت، وهذا يعني أنها أعدمت، وأحسن الظن أن يحتفظ ضابط كبير في وزارة الداخلية بنسخة لنفسه من باب الفضول، ثم تؤول إلى الورثة. بحث هشام وتقصى واكتشف أن رجلا مخلصا مثل "حسن عمار" يسهر حتى مطلع الفجر لكي يطمئن على صدور المجلة، ويحتفظ في ركن قصي بالنسخة المخصصة للإيداع بدار الكتب، وأنه فعل ذلك، بتلقائية الروتين اليومي، قبل أن يكتشف البصاصون خطأ لا يصح أن توزع المجلة إلا بعد محوه، ولا وقت لاستبداله، ولم يكن من بديل إلا إعدام النسخ كلها، وكأن المجلة لم تطبع.

ويحدث أن رجلا آخر مثل حسن عمار يصلي الفجر، ثم يأخذ نسخ الصحف التي خرجت ساخنة من المطبعة إلى دار الكتب، ويسلمها إلى رجل يحضر مبكرا قبل الموظفين، ويصنف النسخ ويوزعها على مشاريع المجلدات. هؤلاء العمال الطيبون يؤدون أعمالهم بإخلاص منزّه عن الصخب وصراع أجنحة السلطة، فأغلبهم لا يقرأ، وتلك من الحالات النادرة التي تحمد فيها الأمية لحامل الأسفار؛ فلو عرف بعض التفاصيل لأصابه خوف لم ينج من مثله كاتب في القلب من سلطة ثورة 23 يوليو 1952.

كان أحمد حمروش ضابطا له علاقة بالشأن الثقافي قبل الثورة، مثل ثروت عكاشة وإن زاد عليه بكتابة القصة القصيرة والمسرحية، وسيصير مؤرخا رسميا للثورة التي اختارته قبل مرور شهرين على استيلائها على الحكم لرئاسة تحرير مجلة "التحرير". وفي عام 1966 كان طرفا في واقعة موضوعها صنع الله إبراهيم وروايته الأولى "تلك الرائحة".

صودرت الرواية، وتمكن المؤلف من "استخلاص عدد من النسخ"، أهداها إلى أصدقاء وصحفيين لم يصلهم خبر المصادرة، فنشروا تعليقات عن رواية تستقر في مخازن وزارة الداخلية. في عام 1986، بعد عشرين عاما، كتب المؤلف في مقدمة الطبعة الكاملة للرواية أنه حاول أن يوسط معارفه لدى القريبين من ذوي النفوذ للإفراج عن الرواية، وذهب مع الشاعر الشيوعي زكي مراد إلى رئيس تحرير مجلة "روزاليوسف" أحمد حمروش ذي الميول اليسارية، وقد رحب بصنع الله إبراهيم "بحرارة، وأراني بروفة العدد الجديد من المجلة وبه تعليق صغير له عن الرواية تحت عنوان «لغة العصر». وعندما أبلغته بنبأ المصادرة ظهرت عليه المباغتة"، واتصل هاتفيا بقريب له في مصلحة الاستعلامات وأنصت إليه، و"قبل أن يعيد السماعة إلى مكانها اتصل بمطبعة المجلة وطلب شطب مقاله عن الرواية".

قد يدوم الاختفاء "المؤقت" لكتاب مئة سنة، ولكن إحدى النسخ سيعثر عليها ورثة مؤلف عانى إهمال معاصريه وأبنائه، فأخفاها عنهم، خبيئة يحظى بها من يقدرها في جيل لاحق، وتشق طريقها إلى شارع المتنبي ببغداد أو شارع النبي دانيال بالإسكندرية أو سور الأزبكية في القاهرة.