من ثقافة التفكير إلى تكفير الثقافة

غلق الأفواه وكسر الأقلام

العقلية العربية تتنازعها تيارات متعددة ، أبرزها تياران متناقضان أحدهما ينزع إلى الماضي بكل مقوماته سواء ما صح منه أم لم يصح، ويعتبر كل ما فيه مقدسا حتى لو كان اجتهادًا بشريًا ناسب زمانه ومكانه وبيئته، وهذه النظرة لا تقف عند حدود الفكر الديني، إنما تتجاوزه إلى الفكر العام في الصراع بين القديم والحديث والعصبية لأحدهما على حساب الآخر، ويروى أن رجلاً أنشد الأصمعي قوله:

هل إلى نظرةٍ إليكِ سبيلُ فيُروى الصَّدَى ويشفى الغليلُ

إن ما قلَّ منك يكثُـرُ عندي وكثيرٌ مما تُحِبُّ القليلُ

فقال الأصمعي: إن هذا لهو الديباج الخسرواني، أي الشعر الجيد الذي يمتدح ويشاد به، ثم استرسل الأصمعي: لمن تنشدني، فقال الشاعر: إنهما من شعره أنشدهما لليلته، وهنا غير الأصمعي رأيه على الفور، قائلا: إن أثر التكلف عليهما لبيّن، وما ذاك إلا لعصبيته للقديم دون سواه بغض النظر عن الجودة وعدمها.

وفي المقابل هناك من يرى أن الله عز وجل لم يخص بالعلم ولا بالشعر ولا بالنثر ولا بالبلاغة ولا بالفكر قوما دون قوم أو زمانا دون زمان، والعبرة بالإجادة بغض النظر عن القدم أو الحداثة، و إن كان الأمر في الفكر الديني يحتاج إلى رؤية أعمق وأناة أشد، لأن ما ثبت بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة وأجمع أهل العلم والفقه على قطعية ثبوته ودلالته هو موضع تقدير الأمة ولا مجال للخوض فيه، مع التأكيد على أن صحيح العقل لا يمكن أن يتناقض مع صحيح النقل.

على أن الخطاب الديني تكتنفه ثلاث معضلات كبرى، الأولى: هي معضلة الجمود، والثانية: معضلة الانفلات والتسيب ومحاولة السطو على الثوابت، والثالثة: هي الخوف من التجديد أو التردد فيه، لأن من جدد فقد استهدف وصار غرضًا للسهام والنبال، مع تأكيدي الدائم على ضرورة التجديد في إطار الحفاظ على الثوابت الشرعية من جهة ومراعاة طبيعة الزمان والمكان والأحوال من جهة أخرى، وعدم فرض أمور ناسبت زمانها ومكانها وعصرها وبيئتها فيما يقبل الاجتهاد والرأي والرأى الآخر على سائر الأزمنة والأمكنة والأحوال، وهو ما يعد عكس الفطرة الإنسانية والفهم الصحيح للإسلام.

ومن هنا نؤكد على أهمية ثقافة التفكير في سائر جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والإدارية، والخروج من دائرة القوالب الجاهزة والأنماط الجامدة إلى رؤية تتسم بالفكر وإعمال العقل، وعلينا جميعًا أن نعمل على تحريك هذا الجمود من خلال العمل على نشر ثقافة التفكير من خلال الصالونات والمنتديات والحلقات النقاشية التي نعد صالون الأوقاف الثقافي واحدًا منها أو من بواكيرها وأهمها في المرحلة الراهنة.

وعلى النقيض من عمل مجموعة من العلماء المفكرين على بث روح التجديد المدروس في إطار الحفاظ على الثوابت فإن هناك على أقصى الطرف الآخر من يعد هذا التجديد كفرًا أو ارتدادًا أو مروقًا من الدين أو أن مجرد التفكير في التجديد هو خروج على الثوابت وهدم لها حتى وإن لم يكن للأمر المجتهد فيه أدنى صلة بالثوابت أو بما هو معلوم من الدين بالضرورة وما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فقد تبنى منهج الجمود والتكفير والتخوين والإخراج من الدين أناس لا علم لهم ولا فقه، ولا هم من المجتهدين ولا حتى من أهل الاختصاص أو دارسي العلوم الشرعية من مظانها المعتبرة إذ يسرفون في التكفير.

غير مدركين لا فكرًا ولا شرعًا أن ما يحمل على الإيمان من وجه معتبر وعلى الكفر من تسعة وتسعين وجهًا ينبغي أن نحمله على الإيمان لا على الكفر ما دام له وجه معتبر عند أهل العلم المعتبرين يدخل في الإيمان ويخرج من الكفر، وأنه لا يخرج الإنسان من الإسلام إلا جحد ما أدخله فيه وهو النطق بالشهادتين، وفي مناظرة بين الإمامين الجليلين الشافعي وأحمد حدثت مناظرة في شأن تارك الصلاة يكفر أو لا يكفر، فقال الإمام أحمد : يكفر، وقال الشافعي: لا يكفر، وبعد طول نقاش قال الشافعي لأحمد: الكافر إذا أراد أن يسلم فماذا يصنع؟ قال أحمد: يأتي بالشهادتين، فقال الشافعي : الرجل ملازم لهذا القول لم يفارقه منذ ولدته أمه، ويقول نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ): « من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا ارتد عليه « (صحيح مسلم )، فلنحذر من الإسراع في التكفير أو الوقوع فيه دون علم أو بينة وحجة قاطعة يحكم بها القاضي لا عامة الناس ولا آحادهم.

محمد مختار جمعة

رجل دين مصري