من تراث الواقعية الرقمية: أدباؤنا والإنترنت

بقلم: أحمد فضل شبلول
طريق المستقبل يمر من هنا ايها السادة

مقدمة منذ حوالي عشر سنوات (1995) بدأت أكتب مقالات كتابي "أدباء الإنترنت .. أدباء المستقبل" الذي صدر ـ في طبعته الأولى ـ في عام 1996. وفيه توقعت أن تكون شبكة الإنترنت أداة عون كبيرة للأدباء والكتاب والمثقفين، وكان حجم الأدب العربي المنشور على الشبكة وقتها ضئيلا جدا، وأحجم كثير من الأدباء العرب عن الدخول في ذلك العالم الرقمي الجديد، وبعضهم تساءل عن معنى النشر الإلكتروني أو النشر الرقمي، وفائدته لنا، وتساءل الكثير منهم عن مستقبل الكتاب الورقي في ظل وجود الكتاب الإلكتروني، أو النشر الإلكتروني. وأنكر معظمهم نجاح إسهامات النشر الإلكتروني في نشر الأدب العربي، أو انتشاره.
والآن وبعد مرور عشر سنوات، أعتقد أن الصورة اختلفت تماما، حتى بالنسبة للذين كانوا يرفضون الإنترنت كوسيلة لنشر أعمالهم. وأصبح تراثًا ما نشرته في هذا الكتاب الذي طبع ثلاث مرات، وأعتقد أن مقالاته أسهمت ـ بطريقة أو بأخرى ـ في نشر الوعي الرقمي، والتعريف بمدى أهمية النشر الإلكتروني، وأنها مهدت في عالمنا العربي ـ بقصد أو بدون قصد ـ لما يمكن أن نسميه أو نطلق عليه "الثورة الرقمية".
والمدهش في المسألة أن التبشير أو التمهيد للثورة الرقمية، جاء بمساعدة الكتب الورقية، مثل هذا الكتاب وغيره من الكتب، وخاصة التي صدرت ضمن سلسلة "عالم المعرفة" الكويتية.
ويسعدني أن أضع بين أيدي القراء الأعزاء أول مقال نشر في كتاب "أدباء الإنترنت .. أدباء المستقبل" وهو لم ينشر في أية مطبوعة ورقية أو إلكترونية قبل نشره في الكتاب الورقي.
من ناحية أخرى أرى أن بعض المفاهيم المطروحة في هذه المقال، تجاوزها الزمن أو التطور، وأصبحت من التراث القديم، لذا يجب قراءته في ظل إطاره الزمني. أحمد فضل شبلول قبل أن يلمع اسمه أو يشتهر في مصر، بعشرين عاما على الأقل، ظل الكاتب الروائي العالمي نجيب محفوظ يشكو من التجاهل الأدبي وعدم الاهتمام به وبأدبه ورواياته. وبعد أقل من ثماني سنوات من فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل العالمية (1988) سيكون في استطاعة أي أديب شاب أن يرسل إنتاجه الأدبي ليقرأه كل مهتم بالأدب العربي في أرجاء المعمورة، فكيف يحدث ذلك؟
الإجابة تكمن في اختلاف العصر (فالزمان اختلف) واختلاف وسائله وتقنياته وأساليب نشره، فالعالم يعيش الآن مايسمى بعصر انفجار المعلومات، أو كما يسميه البعض عصر المعلوماتية، التي أتاحتها على نطاق واسع أجهزة الكمبيوتر الشخصي، أو الحاسبات الآلية الشخصية التي تستوعب آلاف الكتب، وملايين الصفحات، وأنهارًا لاتنتهي من المعلومات، بل يستطيع مستخدمها أو مشغِّلُها الاتصال بأي شخص في العالم لديه جهاز كمبيوتر مماثل عن طريق ما يسمى بالشبكات، شريطة أن يمتلك الشخصان مايسمى بجهاز المودم، وهو الجهاز اللازم لتسهيل التواصل بين جهاز الكمبيوتر الشخصي مع الخط الهاتفي الدولي (أو هو الجهاز اللازم لتحويل أو تعديل لغة الكمبيوتر الرقمية "الآحاد والأصفار فقط" إلى لغة ترددية أو إشارات مماثلة، يمكن نقلها من خلال التليفون سواء كان ذلك عن طريق الوصلات أو الكوابل الأرضية أو اللاسلكية، وبذلك يستطيع المرءُ إرسال وتلقي ملفات الكمبيوتر وبياناته من خلال الهاتف).
أما عن الشبكات، فتعدُّ شبكة الإنترنت أو شبكة المعلومات الدولية (internet) أكبر شبكة للكمبيوتر في العالم حتى الآن، وهي شبكة للاتصالات أنشأتها الولايات المتحدة عام 1969 بدعم من وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، لخدمة عمليات التأهب السريع للقوات المسلحة الأمريكية في حال نشوب حرب نووية أو أي هجوم يهدد أمنها القومي، وقد سميت الشبكة آنذاك أربانت (ARPAnet). وبعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وبالتالي غياب التهديد النووي، وما يفرضه من ضغوط على الولايات المتحدة، انتفى الغرض العسكري لهذه الشبكة، وتحولت إلى خدمة الأغراض المدنية، واتسع مجالها، وأصبح يشارك في إدارتها وتغذيتها وصيانتها العديد من الشركات والجامعات والمؤسسات الخاصة. وتربط هذه الشبكة في الوقت الراهن أكثر من خمسة ملايين كمبيوتر معا منتشرة حول العالم، وتعمل ضمن اتفاق (بروتوكول) موحد عام، يمكن أن يتعامل معه أي جهاز حاسب آلي باستخدام برامج وأنظمة مفتوحة متداولة.
وكان ألبرت جور، نائب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون هو أول من فكر في استخدام إمكانات هذه الشبكة على نطاق عالمي، وإنشاء ما يعرف بطريق المعلومات السريع أو طريق المعلومات فائق السرعة، الذي يتكون من طرق إلكترونية سلكية ولاسلكية تنتقل عبر الأثير ـ غالبا ـ من خلال الأقمار الصناعية، حيث تتدفق أنهار المعلومات والبيانات دون انقطاع في حركة بالغة السرعة، تقاس بأجزاء الثانية، وتساعد المرء على الانتقال إلى مكان ما والعيش فيه بكل تفاصيله وأبعاده دون أن يبرح مكانه.
ومنذ منتصف الثمانينات لم يعد الانضمام إلى هذه الشبكة من داخل الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل اتسعت الشبكة لتشمل أقطار العالم كافة، فانضم إليها العديد من المؤسسات الحكومية، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والمؤسسات والشركات التجارية، على اختلاف اختصاصاتها، وعرفت الشبكة باسم إنتر نِيتْ ورك (InterNetwork) ثم اختصرت إلى إنترنت (internet). ديمقراطية المعرفة في زمن المعلوماتية والفكرة الأساسية وراء هذه الشبكة العالمية هي إتاحة الفرصة أمام أي إنسان (يملك جهاز كمبيوتر) في أي مكان للحصول ـ وبسرعة فائقة ـ على أية معلومات يريدها، سواء كانت في شكل أفلام أو كتب أو أخبار أو معلومات ... الخ، وبذلك تتحقق ديمقراطية المعرفة في زمن المعلوماتية.
إن شبكة الإنترنت، كائن بحد ذاته، وهي ببساطة شديدة عبارة عن "وسيلة تتواصل عبرها الكمبيوترات" ليس إلا، وهي ليست الشبكة الوحيدة في العالم، وإنما هي واحدة من أهم الشبكات التي تضم ملايين من أجهزة الكمبيوتر على امتداد العالم كله، وهي مفتوحة على مصراعيها للانضمام المطرد إليها يوما بعد يوم، دون أدنى رقابة على التبادل المعلوماتي أو تبادل الأفكار والآراء والنوادر والحكايات والقصائد والقصص بين الأطراف المشتركة فيها، وهي متاحة للاستخدام العام، إذ إنها ليست ملكا لأحد، ولا أحد يشغلها، ولا أحد يوقف تشغيلها، وبالتالي لايدفع المستخدم أية مصاريف مقابل استخدامها، كما أنها لا تتطلب خبرة فنية عالية، وبالتالي أصبحت في متناول الشخص العادي. وهي تضم ـ علاوة على ذلك ـ كلَّ شيء بدءًا من الكتب الكلاسيكية، وانتهاءً بالأفلام المحظورة. فمثلا يمكن للمستخدم استعراض محتويات مكتبة الكونجرس الأمريكية الضخمة من خلال الإنترنت، وهو جالس في بيته، كما يمكنه التسوق في أكبر الأسواق العالمية، ومعرفة أسعار السلع والمنتجات، ومقارنتها بأسعار سلع ومنتجات أخرى في بلد آخر، كل هذا وهو جالس أمام شاشة جهازه السحري العجيب.
ويقال إن عدد مستخدمي شبكة الإنترنت، أو المشتركين فيها، بلغ حتى الآن قرابة 60 مليون مستخدم أو مشترك في شتى أنحاء العالم، حيث ينضم إليها مايقارب 7 ملايين مشترك سنويا. وإنها انتشرت في أكثر من 170 دولة، ومن المتوقع أن تسـتخدم كل دول العالم هذه الشبكة في عام 2000م، وأن يصل عدد المشتركين فيها إلى 100 مليون مشترك. فماذا نحن ـ الأدباء والشعراء ـ فاعلون؟
من المعروف ـ مبدئيا ـ أن الأدباء والشعراء والمثقفين العرب، من أكثر الناس بُعدًا عن استخدام الأجهزة الحديثة، وبخاصة الأجهزة الإلكترونية، وربما نستطيع أن نستثني منهم من له اهتمام بأدب الخيال العلمي، إلى أن يثبت العكس. أقول ذلك بناءً على تجربة واحتكاك وملاحظة واندهاش أيضا من عدد كبير من الأصدقاء الأدباء، الذين عندما يصل الأمر إلى ما يبعث على الضحك من جرَّاء الاستخدام الخاطئ لجهاز ما، تسمع منهم عبارة (أصل أنا كنت أدبي) وهو عذر أقبح من ذنب، وينتهي الأمر بالنسبة لهم عند هذا الحد.
ويبدو أن مثل هؤلاء الأدباء والمثقفين يعانون من الخوف المرضي من التكنولوجيا والأجهزة الحديثة بعامة. وهي على أية حال ظاهرة موجودة عند الكثيرين، وليس الأدباء فحسب، وتعرف باسم "رهاب التكنولوجيا" أو "التكنوفوبيا".
لقد بدأ العالم ـ بدخوله عصر المعلوماتية ـ يتجه اتجاهًا جديدًا، ومعظم أدبائنا محلك سر ـ حتى الحداثيين منهم، وما بعد الحداثيين ـ وكأن الأمر لا يهمهم ولا يعنيهم، ومازال الصراع حول نشر قصيدة أو قصة في مجلة أو جريدة ما مستمرا، ومازال نشر كتاب أو ديوان أو مجموعة قصصية أو رواية، يعد أحد أهم أحلام الأديب العربي المعاصر.
وأعتقد أن هذا الأمر سينتهي في غضون السنوات القليلة القادمة، لأن الأديب أو المثقف الذي يستطيع التعامل مع أجهزة الكمبيـوتر، ويستطيـع أن يشترك في شبكة عالمية مثل شبكة الإنترنت، سيكون العالم كله مفتوحًا أمامه، ولن تكون هناك شكوى مماثلة لشكوى نجيب محفوظ قبل أن يلمع اسمه ويشتهر، ولكن قد تحدث شكاوى (إلكترونية) من نوع آخر . وأعتقد أنه بدخول اللغة العربية شبكة الإنترنت (وهناك محاولة جادة تقوم بها حاليا شركة العالمية "صخر" لتعريب الإنترنت، أو بالأحرى لإيجاد وسيلة عربية حقيقيه لتصفح الشبكة العالمية ليتم بث لغتنا العربية عبرها) فمن خلال ذلك، ومن خلال مايسمى بالـ ( وب ( w w w أو الشبكة العنكبوتية العالمية (World Wide Web) الموجودة داخل الإنترنت، سيصبح المجال واسعًا أمام أدبائنا العرب لإرسال أدبهم إلى المهتمين عبر هذه الشبكة، التي تعد وسيلة جديدة من أهم وسائل النشر العالمي.
إن الشبكة العنكبوتية العالمية جزءٌ كبير من شبكة الإنترنت، وقد تم تطوير اللغة الموحدة في الإنترنت عن طريقها، ومن أهم مزاياها إنها تدع مستخدميها يجوبون أرجاء الشبكة، وبالتالي أرجاء العالم، بمجرد ضربة بسيطة على أزرار لوحة المفاتيح لتظهر الشاشات المليئة بالكلمات والصور وأفلام الفيديو والموسيقى، فضلا عن أنها تتيح عرض المعلومات واسترجاعها بسرعة فائقة، إذ إنها تعد وسيلة للتنقل عبر عوالم الإنترنت المختلفة.
إنني كأديب عربي بعد امتلاكي لجهاز الحاسب الآلي واشتراكي في شبكة الإنترنت (العربية) العالمية، أستطيع أن أرسل أحدث نصوصي الأدبية سواء كانت شعرا أو قصة أو مسرحية أو رواية أو مقالة أدبية أو نقدية ... إلخ، إلى المهتمين بالأدب وعالمه وقضاياه ، وذلك عبرما يسمى بالبريد الإلكتروني داخل جهازي، وعبر الشبكة، وفي ثوان معدودات يصل النص الإبداعي إلى كل هؤلاء المهتمين به، وسيجد عملي مكانا ورقما وملفا خاصا به في الأجهزة المستقبلة له، حتى وإن لم يطلبْ مني أحدٌ ذلك، واضعًا في اعتباري ذلك الصراع الحضاري والثقافي غير المعلن الذي سيحدث حتما نتيجة انتشار استخدام شبكة الإنترنت، ولكن مع الاعتراف بأن العالم الذي نحيا فيه يُعاد تشكيله ورسم حدوده من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصال الجديدة، أو من خلال إمبراطورية المعلوماتية، أو كما يطلق عليها البعض (الجنَّة الرقميَّة). كيف اتصل بشبكة الإنترنت؟ بدون الخوض في مصطلحات الكمبيوتر المعقدة، أو الحديث عن الناحية الفنية والهندسية لشبكة الإنترنت ـ فهذا ليس مجالنا، ولاموضوع المقال يسمح به ـ نستطيع القول إن هناك أربع وسائل للاتصال بالإنترنت، هي:
1ـ الاتصال الدائم والمباشر بالشبكة: وهي وسيلة مقصورة حتى الآن على الجامعات والشركات الكبرى، ومقدمي خدمة الإنترنت.
2ـ الاتصال المباشر عند الطلب: وتتحقق هذه الوسيلة من خلال الخطوط الهاتفية، وجهاز المودم المتصل بكمبيوتر مقدم خدمة الإنترنت، حيث يتم الربط بين نقطتين من خلال مايعرف باسم (بروتوكول ربط نقطة بأخرى Point - to- Point Protocol = PPP) وهو اتفاق لربط جهازي كمبيوتر معا عبر خط تليفوني أو عبر شبكة.
3ـ الاتصال الطرفي التلفوني: وفي هذه الوسيلة يتم الربط بأحد أجهزة مقدمي خدمة الإنترنت، كما لو كان جهازنا، جهازا طرفيا متصلا بجهاز كمبيوتر مقدم الخدمة، وفي هذه الحالة سيكون مقدم الخدمة عبارة عن وسيط، يستطيع التحكم في تمرير ومنع أو حجب خدمة الإنترنت، فضلا عن أن كمية المعلومات أو البيانات التي تنقل بين جهازي الشخصي وكمبيوتر مقدم الخدمة تكون محدودة.
4 ـ الاتصال البريدي (الإلكتروني) فقط. ومن خلال هذه الوسيلة نستطيع إرسال واستقبال البريد الإلكتروني. وهي تعد من أرخص أنواع الاتصال بشبكة الإنترنت من حيث قيمة الاشتراك وتكاليف الاتصال، والأنسب ـ من وجهة نظرنا ـ لخدمة الأدب والأدباء. مجلات أدبية إلكترونية وعن طريق هذه الوسيلة الأخيرة (البريد الإلكتروني) أتوقع مستقبلا ـ بمشيئة الله ـ إنشاء مجلات أدبية إلكترونية، تقضي على عنصري الزمن والمسافة اللذين يفصلان بين الناس، ويحررها كل الأدباء الذين يكتبون بالعربية، وفي هذه الحالة سيصبح الأديب المشترك أو المستخدم لهذه الشبكة قادرًا على نشر إنتاجه بنفسه، بل إنه سيكون قادرا على قراءة نصه الأدبي بصوته وإرفاق صورته مع النص، كما أنه سيتلقى أيضا ردودًا من الأدباء الآخرين، منهم من يستحسن عمله، ومنهم من سيدلي بملاحظاته حول النص، ومنهم من يعترض على النص، وربما لايكون هؤلاء على علم بشخصية صاحب النص، لأن التعامل في هذه الحالة سيكون مع النص المرسل عبر الشبكة (إما بالحروف أو الأصوات)، وليس مع الأديب ذاته. وهنا يلاحظ أن شبكة الإنترنت ستعمل على إلغاء جميع الفوارق الطبقية (على حد تعبير بهاء شاهين في كتابه شبكة الإنترنت) ذلك أنه لن يكون هناك كمبيوتر أفضل من كمبيوتر داخل الشبكة، وبالتالي لن يكون هناك شخص أفضل من شخص، إذ تعتمد هوية الأديب ومركزه في الشبكة على كيفية تقديمه لنفسه ولأفكاره من خلال لوحة المفاتيح، فلو أن أديبا كبيرا مثل نجيب محفوظ قدَّم نصًّا روائيًّا جديدًا من خلال الشبكة، فإن الحكم النقدي عليه سيكون من خلال التعامل مع النص نفسه، وليس من خلال اسم نجيب محفوظ. كيف يمكن لنجيب محفوظ أن يدخل شبكة الإنترنت؟ يمكن لنجيب محفوظ، وغيره من الأدباء والمثقفين، الدخول على الإنترنت، والاستفادة من خدماتها، إذا كان لديه جهاز كمبيوتر شخصي PC ومودم، وخط هاتفي، وقبل كل هذا وذاك، الرغبة الشخصية الأكيدة في مسايرة روح التطور وروح العصر، عصر المعلوماتية والجنة الرقمية والاتصالات الإلكترونية.
وفي هذه الحالة لا يستلزم الأمر سوى تشغيل أحد البرامج الطرفية العادية في حاسبه الشخصي، بعد الحصول على رقم خاص، وكلمة سر، عن طريق إحدى الشركات أو المؤسسات التي تقدم خدمات الاتصال بالإنترنت. أدباؤنا والبريد الإلكتروني Electronic Mail: ذكرنا من قبل أن الاتصال عن طريق البريد الإلكتروني يعد من أرخص أنواع الاتصال بشبكة الإنترنت من حيث قيمة الاشتراك وتكاليف الاتصال، والأنسب ـ من وجهة نظرنا ـ لخدمة الأدب والأدباء. فهو يعد وسيلة فورية (نوعا ما) للاتصال بالناس في أصقاع الأرض كافة، بل إن كريستيان كرومليش في كتابه (ألف باء الإنترنت) يعدُّه الدم الذي يُحيي الإنترنت، وأنه من أهم أسباب رواج تلك الشبكة، وأنه السبب الحقيقي لوجود المشترك عليها. - فكيف يمكن لأدبائنا استغلال هذه الوسيلة الإلكترونية E.Mailليحققوا عن طريقها التواصل الأدبي المنشود؟ في البداية يجب على كل أديب مشترك في الإنترنت أن يعرف أو يحدد عنوانه الإلكتروني، وكذا عناوين من سيراسلهم من الأدباء والنقاد والمثقفين المشتركين معه في الشبكة، وحتى غير المشتركين ولديهم أجهزة كمبيوتر، ذلك أن كثيرين من غير المشتركين في الإنترنت يستطيعون تبادل البريد الإلكتروني مع بعضهم البعض. وتتكون عناوين البريد في الإنترنت من جزئين تفصل بينهما العلامة @ (أي عند at ) الجزء الأول الذي يسبق هذه العلامة هو صندوق البريد، وعادة مايكون اسم الأديب الشخصي أو رمزه، أما الجزء الثاني الذي يأتي بعد العلامة @ فيكون عادة اسم الكمبيوتر أو الموقع الذي يستخدمه أو يتعامل معه الأديب.
بعد تشغيل برنامج البريد الإلكتروني في جهاز الأديب (وهناك أكثر من برنامج لهذا الغرض، منها على سبيل المثال برنامج إيدورا Eudora ) ثم كتابة العنوان الإلكتروني للمرسل إليه، يستطيع الأديب كتابة نصه الأدبي، أو رسالته أو تعليقه على نصوص أدبية وردت إليه من أدباء آخرين، وعلى سبيل المثال يستطيع نجيب محفوظ أن يرسل تعليقا أدبيا على رواية قصيرة وردت إليه من أديب عربي يعيش في كندا. كما يستطيع د. محمد مصطفى هدارة وهو جالس في بيته الكائن في حي جليم بالإسكندرية أن يرسل مقاله النقدي على العنوان الإلكتروني لجريدة الشرق الأوسط في لندن، وهو:
http://www.hhsaudi.co.uk/Prototype/ASHARQ-
ALAWSAT/
وفي خلال دقيقة أو دقيقتين يصل المقال إلى مقر الجريدة، وربما يرفض محي الدين اللاذقاني بعد الاطلاع عليه في بريده الإلكتروني نشره في الجريدة (الورقية) لاختلافات فكرية بينهما، فيحوله د. هدارة في هذه الحالة إلى كل المهتمين المشتركين في الشبكة لقراءته، والرد عليه.
كل هذا من الممكن أن يحدث وأديب المستقبل جالس في بيته أمام شاشة جهازه ، وبجانبه كوب من الشاي أو فنجان من القهوة. إنه بعمله المرسل للنشر الإلكتروني يحقق نوعًا من التفاعل مع نصوصه، إذا كانت الأطراف الأخرى جادة في استقبال هذا العمل الأدبي المرسل إليهم إلكترونيا. أيضا يستطيع الأديب أن يتلقى يوميا عشرات أو مئات الأعمال المرسلة إلى جهازه عبر البريد الإلكتروني، فيقوم بقراءتها على الشاشة، أو طباعتها على الورق، ويستطيع بدوره إرسال تعليقاته إلى جهاز المُرْسِل.
ومع زيادة حجم التعامل الأدبي المتوقع، وزيادة حجم الرسائل الإلكترونية المخزنة بالجهاز، يجب إيجاد حل للتعامل مع هذه الرسائل الواردة. - فما هو السبيل إلى ذلك؟ يمكن التعامل مع هذه الرسائل الواردة، تماما كما يتم التعامل مع البريد الورقي، فإما أن نقوم بإلقائها جانبا في سلة المهملات الإلكترونية، أو أن نحفظها في صندوق البريد لحين الرد عليها، أو نرد عليها فورا، أو نعيد توجيهها ونمررها إلكترونيا إلى شخص آخر أو عدة أشخاص دفعة واحدة، أو حذفها من الصندوق. وبالنسبة لحفظها في صندوق البريد، فإن ذلك يتم بعدة طرق منها: الحفظ في صناديق خاصة، أو الحفظ في ملفات، أو طباعتها على الورق، وحفظها في ملفات خاصة مع البريد الورقي التقليدي. وبطبيعة الحال فإن أسهل هذه الطرق، هي حفظ الرسائل في أحد صناديق البريد لإلكتروني، مع تصنيفها وفقا للإجناس الأدبية (شعر، قصة قصيرة، رواية، نص مسرحي، نقد أدبي، مقال صحفي، ... إلخ) أو وفقا لاسم الأديب المُرْسِل. ويقوم برنامج البريد الإلكتروني عادة بالمساعدة ي تصنيف الرسائل أو الأعمال الأدبية المرسلة على أساس المرسل وعنوانه، ولكن الأديب من الممكن أن يطلب منه توجيهها وفقا لجنس الأدبي. فإذا أرسل لي الشاعر فوزي خضر، والشاعر حسين علي محمد، والشاعر أحمد محمود مبارك، قصائد جديدة، فيمكن للبريد الإلكتروني بمجرد نقرة أو نقرتين حفظ هذه القصائد، إما في ملف الشعر، أو في ملف باسم كل شاعر منهم. أما إذا أرسل لي الكاتب الروائي محمد جبريل روايته الجديدة القصيرة (الشاطيء الآخر) فيمكن حفظها إما في ملف الرواية، أو في ملف باسمه. وإذا أرسل الكاتب الصحفي محمد بركات، أو الكاتب الصحفي مصطفى عبدالله، موضوعين صحفيين فيمكن أن يُحفظا في الملف الصحفي بالبريد الإلكتروني، أو في ملف خاص باسم كل منهما، وهكذا. الأدب الرديء والسرقات الأدبية قد يحدث أن يتلقى أحد الأدباء في يوم ما كثرة هائلة من الرسائل والموضوعات الأدبية، أو المجموعات الإخبارية، وقد يصيبه التعب من كثرة القراءة والمتابعة، فإذا حدث ذلك فيمكنه الضغط على الزر Q بلوحة المفاتيح والذي يعني (Quit أي توقف أو انسحاب) أما إذا تبين الأديب أن أحد المقالات أو الموضوعات التي يقرأها ممل وسخيف ولايثير اهتمامه، فيمكنه حذف أو إغفال الجزء المتبقي منه، وكذا المقالات أو الموضوعات المتكررة أو المتشابهة، وذلك بالضغط على الزر K والذي يعني (Kill). وبتكرار التعامل، من الممكن للأديب أن يعرف رقم الجهاز الذي يرسل أدبا رديئا، أو شيئا غير مرغوب فيه، فيعطي أمرًا لجهازه بعدم استقبال الملف المرسل من تلك الجهة أو ذلك الجهاز، فيوفر بذلك على نفسه مشقة الاطلاع على الشيء غير المرغوب فيه، وبالتالي فعلى أي أديب يمتلك جهاز حاسب آلي ومشترك في الشبكة أن يفكر كثيرا قبل إرسال عمله الأدبي، إلى أي مشترك آخر حتى لايكون الاستقبال مخيبا لآماله. ومن ناحية أخرى فإن هناك برامج تشفيرية من الممكن استخدامها في حالة إذا ما رغب الأديب في عدم اطلاع أي شخص على رسائله إلا من يعرف تلك الشفرة، ذلك أننا نتوقع ظهور قراصنة السرقات الأدبية على شاشات الكمبيوتر، فمع انتشار الشبكة وانضمام آلاف الأدباء إليها، ورواج الأدب الإلكتروني، سيسعى لصوص النصوص الأدبية الذين هم على دراية باستخدام الحاسبات الآلية، للاستفادة من الروائع الأدبية القديمة أو الحديثة، إما بنسبتها إليهم، أو بيعها للغير بعد تشفيرها، أو إطلاق فيروسات الكمبيوتر عليها لتخريبها لغرض ما.
وعموما فإنه من الممكن الاتفاق على قواعد سلوكية معينة أثناء التعامل مع النشر الإلكتروني، ولكنها بطبيعة الحال لن تكون ملزمة لجميع الأطراف. الاحتفاظ بالأعمال الأدبية المهمة وكثيرا ما تصادفنا بعض المقالات والموضوعات والأعمال الأدبية المهمة أو المثيرة التي نرغب في الاحتفاظ بها بصفة دائمة (مثل رواية لا أحد ينام في الإسكندرية لإبراهيم عبدالمجيد، بفرض أنها وصلت إليَّ عن طريق البريد الإلكتروني) ولحفظ مثل هذه الأعمال نضغط على المفتاح أو الزر S والذي يعني حفظ (Save) ثم نكتب اسم الملف الذي نريد أن نحفظ فيه هذا العمل، وهل هو ملف الموضوع (الرواية) أو ملف باسم إبراهيم عبدالمجيد، أو ملف باسم الرواية نفسها، وهكذا. ولكن إذا كان الملف كبيرا كأن يحوي مثلا عملا أدبيا كبيرا مثل ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) أو الحرافيش، أو غيرها، فإنه يفضل في هذه الحالة استخدام بروتوكول نقل الملفات (File Transfer Protocol = FTP) الذي يستعمل لتبادل الملفات مع كمبيوترات أخرى موصولة على الشبكة.
من خلال ما سبق يتضح لنا أن البريد الإلكتروني يعد من أكثر الوسائل ملاءمة لتلقي الرسائل، وتصنيفها، وتوزيعها، وحفظها، أو إلقائها في سلة المهلات الإلكترونية، أو تأجيل قراءتها لحين التفرغ لها، كما أنه من أكثر الوسائل ملاءمة للتعليق على أي مقالة أو رسالة، ترد إلى الأديب صاحب الجهاز، وبدون أخطاء مطبعية (ذلك أن معظم برامج البريد الإلكتروني، تتمتع بمزايا التدقيق الإملائي).
ويكفي للأديب أن يرسل إلى صاحب المقال، أو المرسل، أو الكاتب الذي على الطرف الآخر، خطابا إلكترونيا للتعليق على مقاله أو رسالته أو عمله الأدبي، أو للاستفسار عن بعض الأمور التي أُشكلت عليه. أو أن يكتب بنفسه مقالا جديدا ويدرجه ضمن الشبكة ليقرأه سائر المشتركين. وفي مثالنا السابق فإنه من الممكن للدكتور مصطفى هدارة الذي رفض محيى الدين اللاذقاني نشر مقاله بالشرق الأوسط، أن يرسل إلى سائر المشتركين في الشبكة المقال المرفوض نشره وإبلاغهم بأن جريدة الشرق الأوسط رفضت نشر هذا المقال.
إن من أهم محاسن شبكة الإنترنت عدم وجود رئيس تحرير مسئول لها، أو محرر أدبي أو ثقافي معين، وإنما كل الأدباء رؤساء تحرير، وكل الأدباء محررون، ومن هنا لا أغالي إذا قلت إن أدباء الإنترنت هم أدباء المستقبل. حلقات النقاش وعلاقتها بالأدب تتشابه حلقات النقاش، في الإنترنت، في بعض نواحيها مع البريد الإلكتروني، ولكن الفارق بينهما أن هناك جهة معينة في الشبكة هي التي تقوم بتقديم حلقات النقاش إلى جميع المواقع المتصلة بالإنترنت، في حين أن البريد الإلكتروني عبارة عن علاقة ثنائية متبادلة بينك وبين الجهة المرسلة، أو الشخص المرسل. وبمعنى آخر فإن الذي يميز حلقات النقاش عن البريد الإلكتروني، هو إن الرسالة التي يبعثها الفرد إلى حلقة نقاش ما تكون في متناول العديد من الأشخاص الذين لايعرفهم، ومن أبسط قواعد اللياقة مخاطبتهم بتهذيب واحترام.
ويمكن تعريف حلقات النقاش بأنها نظام يتألف من الآلاف من لوحات النشرات الموزعة التي تتناول موضوعا معينا، حيث تقوم الشبكة بتوزيع موضوع حلقات النقاش على جميع المواقع.
وفي رأي جورج قندلفت (جريدة الحياة 21/11/1996) فإن حلقات النقاش هي الأساس الذي يدور عليه الجدل حول الرقابة على شبكة الإنترنت، إذ أن هذه الحلقات تحتوي فيما تحتويه على موضوعات حساسة سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا، ومنها الحلقات حول الجنس التي تريد العديد من الحكومات في العالم منعها أو على الأقل التحكم بها. ولخطورة الأمر فقد اقترحت فرنسا ميثاقا دوليا يحدد ما يمكن نشره في الإنترنت، أما ألمانيا (وفيها أكبر عدد من المرتبطين بالإنترنت، بعد الولايات المتحدة الأمريكية) فقد قالت إنها تعتزم التخفيف ما أمكن من القيود القانونية الخاصة باستخدام شبكة الإنترنت، إلا أنها لن تسمح لموفري خدمات الاتصال بالشبكة الدولية بتوزيع المواد الإعلانية التي تنشرها جماعات النازية الجديدة أو المواد الممنوعة بحكم القانون أو تلك المخلة بالآداب خصوصا مايتعلق منها بالأطفال القُصَّر. غير أنه تبقى أفضل رقابة هي الرقابة الذاتية، وخاصة رقابة الأهل لاستخدام الإنترنت من قبل أولادهم.
وما يعني أدباءنا في هذه الحلقات هو قائمة النشرات المعروفة باسم Talk التي يندرج تحتها عرض الأفكار والموضوعات وتبادلها وخاصة الأدبي منها، والموضوعات المدرجة تحت هذا العنوان لاتهم عادة سوى المشتركين فيها ـ أي المتحاورين ـ وهي تعرف أحيانا باسم محطات التحدث (التي هي منظومة يستطيع مشتركو الإنترنت من خلالها التحدث إلى بعضهم البعض معًا في وقت واحد) وفي كل يوم، بل في كل ساعة يضاف جديد إلى هذه المجموعات، فهي تتكاثر كالأميبا. وأول مايجب على الأديب القيام به عند الاشتراك في حلقة نقاش أدبية، هو قراءة ملف الأسئلة والأجوبة، حيث تحتوي كل حلقة نقاش على هذا الملف الذي يفسر ماهي الحلقة، وكيف يتم التعامل معها.
وهناك مجموعة من قواعد اللياقة التي يفضل اتباعها أثناء مشاركة الأديب في حلقات النقاش، منها:
1 ـ عدم المشاركة في عدد كبير من حلقات النقاش، لأن ذلك يسبب إزعاجا للمشتركين، خاصة إذا كانت المداخلات لا تتعلق بموضوع الحلقة مباشرة، فإذا كانت الحلقة على سبيل عن مستقبل النقد الأدبي في ظل الإنترنت، فإنه من غير اللائق أن تكون المداخلة عن دور العقاد أو عبد الرحمن شكري أو المازني في مدرسة الديوان.
2 ـ عندما يتأخر نشر مداخلة الأديب أو الناقد بسبب كثرة المداخلات أو طولها، فإنه من غير اللائق أن يقوم بالصراخ (الذي يتمثل في كتابة الحروف العادية بأبناط كبيرة، أو بجعلها حروفا ثخينة).
3ـ على الأديب العربي أن يكتب دائما بلغة عربية صحيحة وسليمة لفظًا ومعنىً، وعليه اتباع القواعد الصحيحة لعلامات الإعراب، وعلامات الترقيم، كما أن عليه أن يتفادى دائما الأخطاء الطباعية والإملائية، وأن لايعوِّل كثيرا على برامج التدقيق الإملائي أو اللغوي التي تصاحب عادة برامج حلقات النقاش، فهو باعتباره أديبا يجب أن يمتلك ناصية اللغة العربية، قبل أن يمتلك ناصية الإنترنت.
4 ـ أيضا من قواعد اللياقة، تجنب انتقاد الغير على أخطائه، إلا إذا كانت أخطاء جوهرية، وفي صميم العملية الإبداعية، وفي هذه الحالة، يجب تقديم النصح والإرشاد بطريقة لطيفة ومهذبة.
وبالإضافة إلى قائمة Talk هناك مجموعات أخرى تهم أدباءنا وتناقش الموضوعات التالية: كل ما يتعلق بالمكتبات الإلكترونية، وكل ما يتعلق بصناعة النشر، وكل ما يتعلق بالنصوص الشعرية، والأعمال الأدبية النثرية القصيرة والتعليق عليها، وكل مايتعلق بالمسرح والعمل المسرحي، وبالأفلام وصناعة السينما. فضلا عن أن الباحثين والأدباء يستطيعون من خلال هذه المجموعات نشر أبحاثهم وتبادل الأفكار والحوارات الأدبية الجادة. كيف يتمكن أدباؤنا من إجراء الحوارات الأدبية وعقد الأمسيات الشعرية من خلال شبكة الإنترنت؟ تقول الإجابة إنه لكي يتمكن الأديب من التحدث مع شخص آخر عبر الشبكة في أي مكان في العالم ـ شريطة أن يكون الآخر مشتركا فيها بطبيعة الحال ـ فما عليه سوى أن ينقر نقرًا مزدوجا على أيقونة (أو رمز) التحدث في قائمة البرامج، ثم يكتب اسم الشخص الذي يرغب في التحدث إليه، حيث تُخلى شاشة الكمبيوتر تماما من أي بيانات أو معلومات عليها، ثم تنقسم إلى قسمين يفصل بينهما خط متقطع في المنتصف، يخصص النصف العلوي من الشاشة لما يقوم الأديب بكتابته من أفكار أو خواطر، أو نص شعري أو قصصي قصير، في حين يخصص النصف السفلي من الشاشة لما سيكتبه الطرف الآخر، ومن ثم لن تختلط الرسائل المتبادلة بين الأديب ومَنْ يتحدث إليه، حتى إذا كان كل منهما يكتب للآخر في اللحظة نفسها. هذا إذا كان الأمر يتم مع شخص واحد، ولكن يحدث أحيانا أن يرغب الإنسان في الحديث أو الحوار مع أكثر من شخص، كأن يعقد ندوة أدبية مصغرة، أو أمسية شعرية من خلال الإنترنت، وفي هذه الحالة فإن برنامج الدردشة Chat سيكون خير معين على ذلك، حيث يتمكن الأديب من خلاله التحدث إلى عشرات الأشخاص في وقت واحد.
أيضا يتمكن الأديب من خلال اليوزْنت (Usenet) وهي شبكة مؤلفة من شبكات أخرى داخل الإنترنت، من خوض المناقشات وتبادل الآراء مع بعض الأدباء الذين يربط بينهم هم أدبي أو سياسي أو اجتماعي مشترك. وفي هذا يقول منصور العبيد في كتابه (الإنترنت استثمار المستقبل) إن بعض تلك المناقشات لاتتضمن أكثر من عشرة مشاركين، والبعض الآخر قد يصل عدد المشاركين فيه إلى أكثر من 15 ألف مشارك. زيارة إلى المكتبات العالمية قد يكون لدى أدبائنا الرغبة في زيارة المكتبات العالمية الشهيرة والاطلاع على فهارسها وقائمة محتوياتها، وماوصل إليها من أحدث الكتب والإصدارات في عالم الفكر والثقافة والأدب، مع أخذ نبذة سريعة عن بعض هذه الكتب ليقرر استعارتها أو شراءها أو استدعائها من خلال الشبكة إلى شاشة جهازه. وتعد هذه الخدمة من أهم الخدمات التي تقدمها شبكة الإنترنت لمستخدميها من الأدباء والمثقفين في جميع أنحاء العالم. ولدخول هذه المكتبات الكبرى مثل مكتبة الكونجرس الأمريكية، أو مكتبة الأسكوريال الأسبانية، أو مكتبة الإسكندرية (مستقبلا) أو غيرها من المكتبات المدرجة على الشبكة، يجب على الأديب كتابة العنوان الإلكتروني للمكتبة التي يريد التجول فيها، ومن ثم تظهر أمامه جميع فهارسها، فيختار منها مايشاء. وبالمناسبة فإن العنوان الإلكتروني لمكتبة الكونجرس هو:
Telnet locis.loc.gov
بعد هذه الجولة الممتعة داخل المكتبات الكبرى في العالم، وتصفح فهارسها، قد يحدث أن أتذكر اسم كتاب أو مجلد أو موضوع معين، لم أتبين حقيقة وجوده في هذه المكتبات، أو قد أبحث عن معلومات معينة عن الأدباء الذين عاصروا صلاح الدين الأيوبي على سبيل المثال، وكتبوا ملاحم شعرية وقصائد ومشاهدات أدبية في انتصاره على الصليبيين واسترداد بيت المقدس، لأنني أرغب في كتابة مسرحية شعرية عن البطل صلاح الدين الأيوبي، هنا يقدم الإنترنت أكثر من برنامج لهذا الغرض، منها البرنامج وايز (Wais) الذي يقوم بالتنقيب عن المعلومات والبيانات داخل الإنترنت، ويكفي إدخال سلسلة من الكلمات التي تصف المعلومات أو أسماء الكتب أو أسماء المؤلفين أو أسماء الموضوعات، التي نبحث عنها ليقوم هذا البرنامج (المصمم من أجل استرجاع المعلومات من الشبكات) بالتجوال والتنقيب داخل الشبكات والمكتبات بحثا عن الوثائق أو المعلومات التي تماثل ما أطلبه، بل إنه يقوم بفحص محتويات الوثائق والملفات، ولا يكتفي بعرض العناوين فحسب.
كما يتيح برنامج (Finger) الموجود في معظم الشبكات المرتبطة مباشرة بالإنترنت فرصة الاستعلام عن كل الأدباء المشتركين في الإنترنت، وأحدث إصداراتهم، حيث يمدنا هذا البرنامج باسم الأديب الذي نرغب في التعرف عليه، وعنوانه الإلكتروني، ورقم هاتفه، وأوقات ووجوده على الشبكة. فبعض الأدباء يحددون أوقاتا معينة لوجودهم على الشبكة، وفي غير تلك الأوقات لن نجد لهم وجودا أدبيا عليها.
أيضا تساعد في ذلك الشبكة العنكبوتية العالمية (w w w) التي تربط مواد أو أجزاء المعلومات من جميع أنحاء العالم، المدرجة في مختلف أجهزة الكمبيوتر في قواعد البيانات المختلفة كما لو كان لا يوجد بينها أي فاصل، وبغضِّ النظر عن المكان الذي نبدأ منه البحث. منظومة النص المحوري المرجعي إن أسلوب النص المحوري المرجعي (hyper text) الذي يقوم بتنظيم البيانات، في الشبكة العنكبوتية العالمية (والذي هو عبارة عن منظومة لكتابة النصوص وعرضها، يمكن بوساطتها ربط النص بوسائل متعددة، وعرضه في عدة مستويات من التفصيل بحيث ينطوي على روابط تتعلق بالوثائق المتصلة به) يساعد على استعادة المعلومات، فهو يضع أحد أصابعه داخل أحد صناديق الفهارس، ويضع إصبعا آخر في صندوق آخر، وهكذا، ومن ثم يتمكن من وضع مئات الأصابع في العديد من صناديق المعلومات في شتى أرجاء المعمورة، بهدف مساعدة الباحث أو الأديب أو الذي يطلب المعلومة في العثور عليها، أو مواصلة طريق البحث في اتجاه ما.
وإذا قارنا هذه الأسلوب بأسلوب البحث عن المعلومة في أية مكتبة تقليدية (التي توجد فيها المعلومات في شكل كتب أو في شكل أجهزة كمبيوتر مسجل بها المعلومات) فإنه طبقا لرأي بهاء شاهين، فإنه في النوع الأخير يتم تنظيم المعلومات في شكل هرمي تعسفي إلى حد ما، حيث يتم ترتيبها موضوعيا (أي حسب الموضوع) أو أبجديا. وهذا الترتيب أو ذاك لا يعكس شيئا عن طبيعة العلاقة بين قطع المعلومات المختلفة. أما في منظومة النص المحوري فيتم تنظيم المعلومات بالنسبة لسائر المعلومات الأخرى. والواقع أن العلاقة بين مواد المعلومات المختلفة تكون غالبا أكثر أهمية وأفيد من مواد المعلومات ذاتها. زيارة إلى البرامج الإسلامية على الإنترنت لا يستطيع الأديب المسلم أن يستغني عن الرجوع الدائم إلى كتاب الله العزيز الحكيم، ولاعن مراجعة الأحاديث النبوية الشريفة، إما بغرض الاستلهام، أو الاستشهاد، أو التأمل والتفكُّر والتدبُّر، أو لأي غرض عقيدي وروحي أو فني أو أدبي آخر. بل إن القرآن والسنة النبوية الشريفة وعاء للغة العربية الأصيلة، ومن هنا عملت شركة العالمية (صخر) على تقديم خدمة جليلة لمستخدمي شبكة الإنترنت من المسلمين في كل مكان، وبطبيعة الحال فإن أدباءنا العرب يجب أن يكونوا من أول المستفيدين من هذه الخدمة المعلوماتية الإسلامية الجديدة.
تضم خدمة (صخر) برامج القرآن الكريم، والحديث الشريف، والدليل الإسلامي، والمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (يقع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي في إحدى طبعاته الورقية في 782 صفحة من القطع الكبير).
وتتميز هذه البرامج بواجهة استخدام جذابة يغلب عليها الطابع الإسلامي في شكل الرسوم والزخارف، ويمكن التنقل بسهولة بين أي برنامج وآخر عن طريق (أيقونات) موضحة لكل قسم على حدة، كما تتميز هذه البرامج بأنها مقدمة بأكثر من لغة تخدم كل المستخدمين.
1ـ برنامج القرآن الكريم: يحوي العديد من الخدمات المعلوماتية، والمقدمة في قالب ديني سهل محبب إلى نفس المستخدم مثل:
أ ـ عرض النص القرآني بالخط العثماني.
ب ـ تلاوة أي آية من القرآن الكريم.
ج ـ عرض لأحكام تلاوة القرآن الكريم بألوان تُظهر قواعد التلاوة كل حرف.
د ـ عرض تراجم لمعاني ألفاظ القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية والماليزية.
هـ ـ تفسير الجلالين وابن كثير والقرطبي وعمل مقارنات للتفاسير المذكورة.
و ـ شرح لغريب ألفاظ القرآن.
ز ـ فهرس القرآن الكريم للسور المكية أو المدنية، أو الاثنين معا.
ح ـ يمكن الدخول من خلال البرنامج إلى الدليل الإسلامي، ومعجم الألفاظ، وذلك للبحث عن موضوع أو كلمة من القرآن.
2ـ برنامج الحديث الشريف: ويستعرض أكثر من 1700 حديث شريف للنبي صلَّى الله عليه وسلم من الأحاديث المتفق عليها بين الأمامين البخاري ومسلم. والبرنامج لمستخدمي الإنترنت من ناطقي العربية أو الإنجليزية أو الماليزية. ومن مزايا هذا البرنامج:
أ ـ عرض الأحاديث حسب تبويب البخاري ومسلم.
ب ـ تقديم تخريج للأحاديث على الكتب التسعة، وشرح لغريب الألفاظ.
3ـ الدليل الإسلامي: يتيح هذا البرنامج إمكان البحث الموضوعي المتكامل بين القرآن وكتب السنة التسعة باللغات: العربية والإنجليزية والماليزية، وذلك من خلال شجرة الموضوعات الإسلامية التي تتكون من 14 موضوعا رئيسيا مقسمة إلى حوالي 2090 موضوعا نهائيا، ويمكن للمستخدم البحث عن الآيات والأحاديث التي تحوي أيًّا من الموضوعات النهائية أو الفرعية أو الرئيسية.
كما يمكن عن طريق هذا البرنامج عرض الآيات المتضمنة لموضوع البحث مع الاستماع إلى تلاوتها، كما يمكن عرض الأحاديث مع ترجمتها. أما عن واجهات الاستخدام فهي تُعرض بالعربية والإنجليزية والماليزية طبقا لرغبة المستخدم.
4 ـ معجم ألفاظ القرآن الكريم: يتيح هذا البرنامج:
أ ـ حصر الكلمات، وجذورها الموجودة في القرآن الكريم، مع التعرف على الآيات التي تحتويها.
ب ـ استعراض كلمات القرآن الكريم من خلال قائمة الحروف الأبجدية للغة العربية.
ج ـ اختيار لفظ من المعجم واستعراض الآيات التي ورد بها مع تلاوتها. التخلص من فيض المعلومات قد يحدث بعد اكتمال عملية البحث والتنقيب والحصول على كل ما يتعلق بموضوع البحث (وهو صلاح الدين الأيوبي وعصره الأدبي في مثالنا السابق) أن تتكدس الوثائق والمعلومات والبيانات لدينا، ومن ثم فإننا نرغب في التخلص منها، فكيف السبيل إلى ذلك؟
هناك أكثر من طريقة للتخلص من فيض المعلومات والبيانات والوثائق التي جلبها لنا الإنترنت، ومن هذه الطرق، المبادلة مع الآخرين، أو غربلة المعلومات أو تصنيفها، واختيار المعلومة المطلوبة وشديدة الصلة والأهمية لموضوع (صلاح الدين) وذلك من خلال أدوات خاصة تعرف باسم ملفات التمشيط. خاتمة إن العالم من حولنا يتغير، ولم تصبح الحدود الجغرافية هي التي تتحكم في مواقع الدول، وإنما بدأت تنمو مجتمعات معرفية جديدة لا تعترف بتلك الحدود الجغرافية، وبدأ العالم يتحول إلى مجتمعات فكرية، وقريبا سوف تكون هناك بلاد مستقلة للأدب والثقافة تتصارع فيها الأفكار والمباديء والمذاهب والتيارات الأدبية والفكرية المختلفة، وسوف يدعم هذا الاتجاه نحو إنشاء تلك البلاد (أو الدول)، ليس أجهزة الاستخبارات، وإنما انخفاض تكاليف وسائل الاتصال الإلكترونية نتيجة انتشار الأقمار الصناعية وتكنولوجيا الألياف الصناعية، ومايستحدث من تكنولوجيا جديدة، فأين مواقع أدبائنا ومثقفينا العرب من هذه الدولة العالمية الجديدة؟ هل استعدُّوا لدخول الجنة الرقمية، والالتحاق بهذه الدولة المعلوماتية، وهل تدربوا على السباحة في بحور هذا العصر الجديد، عصر المعلوماتية الذي بدأ بالفعل منذ سنوات؟ وماذا عن دور وزارات الإعلام والثقافة التي تقوم بتنظيم التدفق الإعلامي، وتعمل على تقديم الخدمات الثقافية؟ هل سينتهي عصرها ودورها بشروق شمس الإنترنت على عالمنا العربي؟ وهل ستلغي شمس الإنترنت دور الرقيب الأدبي والصحفي، والفني؟ ويترك الأمر بكامله إلى (الضمير) الإنساني العالمي، وإلى الرقابة الذاتية؟ وهل شبكة الإنترنت هي التطبيق العملي للنظام العالمي الجديد؟
هذه بعض الأسئلة التي نطرحها في نهاية المقال، ونترك الإجابة عنها إلى الشهور أو السنوات القليلة القادمة. وإذا كان الناقد كرومبي قال: إن دولة الأدب تحتلها ملكات ثلاث: الأولى ملكة الإنتاج أو الإنشاء، والثانية ملكة التذوّق، والثالثة ملكة النقد، فإنني على ضوء ما ورد في هذا المقال أستطيع أن أضيف ملكة رابعة هي ملكة التعامل مع الحاسب الآلي، ودخول عالم الإنترنت. أهم المراجع والمصادر 1 ـ بهاء شاهين، شبكة الإنترنت، القاهرة: كمبيو ساينس العربية لعلوم الحاسب، ط2، 1996م = 1416هـ.
2 ـ خالد يوسف (دكتور)، في النقد الأدبي وتاريخه عند العرب، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1987م = 1407هـ.
3 ـ كريستيان كرومليش، ألفباء الإنترنت، ترجمة مركز التعريب والبرمجة. بيروت: الدار العربية للعلوم، ط1، 1996م = 1417هـ.
4 ـ منصور بن فهد صالح العبيد، الإنترنت استثمار المستقبل، الرياض: د.ن، ط1،1996م = 1416هـ.
5 ـ أعداد مختلفة من مجلات: أخبار الحاسب الآلي، بايت الشرق الأوسط، المجلة، عربيوتر، عصر الحاسب.
6 ـ أعداد مختلفة من جرائد: الأهرام، الاقتصادية، الجزيرة، الحياة، رسالة الجامعة.