من بيروت إلى وادي رم .. مسلم ومسيحيان يجوبون بلاد الشام

بقلم: محمد الأصفر
وادي رم في الأردن

أدب الرحلات هو أدب المغامرة والمتعة والاكتشافات الجديدة والانفتاح على الشعوب الأخرى ومعرفة طرق تفكيرها وعاداتها وتقاليدها. يقول المثل الليبي: "كل سفرة تعلمك حداقة" أي ذكاء جديد أو فكرة جديدة. المكوث في المكان يجعل حياتك رتيبة وفكرك رتيبا وطموحك متكلسا كسولا. هذا الأدب الذي أبهر العالم من خلال رحالة كبار جابوا الأصقاع ودونوا ما رأوا وعاشوا كانت له عظيم الفائدة في تعارف الشعوب على بعضها البعض في زمن كانت وسائل الاتصال الحديثة المتوفرة الآن معدومة بصورة كلية. ولا يزال التاريخ يذكر الرحالة بن بطوطة الذي مارس هذه الهواية بحب غرضه النبيل هو التعلم والمعرفة ونشر الخير والسلام.

ابن بطوطة ترسخ في ذاكرة الأجيال الجديدة من شباب العالم. وولد الكثير من هواة الرحلات الذين يستغلون كل سفر لأجل التجارة أو التعليم أو المشاركة في مؤتمر دولي لكي يقوموا برحلة ما نحو المجهول، يكتشفون الجديد بواسطتهم وعبر تجربتهم الملموسة والمحسوسة. الآن بفضل الكشوف الجغرافية وبفضل ثورة المعلومات يمكنك معرفة خارطة كل مكان وما يحتويه من آثار وما يعيشه الناس من ظروف هانئة أو قاسية. يمكنك معرف الحالة الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمكان. يمكنك معرفة ذلك عبر الصور والخرائط والشروحات والفيديوات المرئية والمسموعة، لكن هذه المعرفة ستظل ناقصة ولن تؤدي غرضها تماما في إشباع غريزة المعرفة لدى الرحالة المستكشف. فالزيارة الميدانية للمكان لها سحرها ومذاقها ومصداقيتها حيث أننا نجد الكثير من النشرات السياحية بها أمور مبالغ فيها ومخادعة أحيانا. عندما تزور المكان بنفسك تكتشفه وتتفاعل معه وتتذوقه وتتعرف عليه وتقتني من التذكارات وتلتقط له الصور من زوايا إبداعية تختارها موهبتك. من هنا هذا الأدب لم يتوقف على الرغم من ثورة المعلومات ولا زلنا نرى السيّاح يجوبون العالم ويجب أن ننبه أن هناك فرقا كبيرا بين السائح والرحالة، فالسائح همه الأول هو المتعة بينما الرحالة همه الأول هو المعرفة.

كنت على موعد مهم في القاهرة في بداية العام الماضي من أجل زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب واقتناء عدة كتب كنت قد قرأت إعلانات عن صدورها في المعرض، لكن ثورة 25 يناير المجيدة جعلت المعرض يتأجل، لكن الكتب كانت قد صدرت بالفعل في دور نشرها. من ضمن هذه الكتب كتاب مهم للرحالة الشاب علاء مصباح تحت عنوان "من بيروت إلى وادي رم". هذا الشاب الذي تعرفت عليه من قبل عبر مدونته حيث استطعت أن أقرأ فيها كتابا عن رحلة له لأميركا حيث كان يدرس هناك. كان الكتاب بعنوان "هذه هي أمريكا .. يوميات طالب مصري في بلاد العم سام". وقد كان ذلك الكتاب جيدا، حيث كتب فيه هذا الشاب عن وجهة نظره في بلاد يراها كل العالم في التلفاز والسينما والجرائد وفي كل مظهر من مظاهر الحياة الأخرى، وعلى الرغم من أن معظم الشباب المصري كان قد اتجه لكتابة الشعر والقصة والرواية إلا أن هناك قلة قليلة اتجهت إلى أدب الرحلات، هذا الأدب الذي يجمع في متنه كل الأجناس الأدبية والفنية أيضا.

تحصلت على كتاب "من بيروت إلى وادى رم" من إحدى مكتبات منطقة المقطم بالقاهرة، وقد كان رفيقي في إحدى رحلاتي البرية بين القاهرة ومرسى مطروح. الكتاب يتناول ثلاثة بلدان كانت في القديم بلدا واحدا هو الشام.

من بيروت ينطلق الرحالة ـ بعد مشاركة له في مؤتمر شبابي استضاف 100 شاب من مختلف أنحاء العالم تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة ـ نحو سوريا، ومن سوريا نحو الأردن، ثم العودة إلى لبنان، بعدها إلى مدينته الدقهلية ثم القاهرة.

الطريف في هذا الكتاب أن الرحالة علاء صاحب كتاب "هذه هي أمريكا" لم يقم بالرحلة وحده إنما تعرف خلال المؤتمر على شابين من سويسرا هما كريس وهنري وصنعا فريقا ثلاثيا، مسلم مع مسيحيين، جابوا بلاد الشام.

يقول علاء عن أجواء هذه الرحلة: خلال جولاتنا في حواري دمشق بدأت أواصر الصداقة تزداد بيني وبين رفيقي الأجنبيين. ملامح العلاقة التي رسمناها بصمت في البداية أن يستفيدا هما من مرافقة عربي معهم – هو أنا، وأغوص أنا معهم في عالم السفر وأجوائه الساحرة التي يتقناها. مع الوقت تناسينا هذا التعاقد غير المعلن وبدأنا نتحول إلى أصدقاء. نتناسى اختلافاتنا. نتناسى أنني عربي وأنهما أوروبيان، أنني مسلم وأنهما مسيحيان. ها نحن قد صرنا أصدقاء يا رفاق.

ويضيف علاء في صفحة 6 من الكتاب: "أعترف أننى تعلمت كثيرًا خلال الأيام العشرين التي قضيناها مرتحلين عبر هذه البلاد، في البداية كنت أشعر بالمسئولية الثقيلة، ووجدت نفسي العربى الوحيد بين جماعة من الأجانب، لا أفهم لغتهم ولا يفهمون لغتي، وبدأت أشعر بالغربة بينهم، ونحن نتنقل من بيروت إلى شمال لبنان، ثم نعود أدراجنا لنعبر الحدود إلى دمشق، ثم نختلف مع عامل الفندق في دمشق؛ لأنه لا يريدنى أن أقيم معهما في غرفة واحدة لأن ذلك ممنوع، ووجدت نفسي مسئولاً عن – كما تحتم على هويتي كعربي – حمايتها من الغش الذي يتعرضان له باستمرار من جانب السوريين لأنهما سائحان، وأن أتولى كل مهام التعامل مع المحليين من سائقي التاكسي حتى الباعة الجائلين.

لكن مع الوقت زاد استمتاعي بمهمتي غير المألوفة، فصرت اعتبر نفسى سفيرًا عن جنسي وديني أمام اثنين من الأجانب، مطالبًا بصفة دائمة أن أقدم لهما الصورة المشرفة من حضارتنا، نزور معاً المسجد الأموي الكبير ونمضي إلى قبر سيدنا يحيى - عليه السلام – ثم قبر صلاح الدين الأيوبي، ونقف أمام مقام سيدنا الحسين، الذي يقول السوريون إن رأس الحسين بن على قد دفن فيه.

وفي صلاة الجمعة أصر هنرى أن يأتي معي ويؤدي الصلاة وسط عشرات الآلاف من المصلين فى مشهد أثار دهشته وانبهاره، وفي الصحراء الأردنية أتعامل مع البدو وأفاصل معهم في أسعارهم وأحاول أن أجد تخفيضًا لنا وهم مشتتون لا يعرفون هل يعاملوننا معاملة الأجانب أم معاملة العرب؛ لأنني هناك.

علاء مصباح

لكن أجمل ما في هذه الرحلة هو محاولتنا الدائمة لأن نستوعب الاختلاف بين الدول الثلاث التي زرناها، ساعتان فحسب نقلتنا من بيروت إلى دمشق، كانت كأننا انتقلنا بين عالمين مختلفين تمام الاختلاف، ساعتان أخريان نقلتنا من دمشق إلى عمان، فدخلنا عالماً ثالثًا. أبسط مثال على ذلك العلم اللبناني الذي كنا نراه في كل مكان في لبنان، صورة حافظ الأسد (يقصد بشار الأسد) المعلقة في كل مرمى وعلى كل مبنى وفي مقدمة كل متجرٍ في سوريا، الشوارع والمساجد والنوادي التي تحمل أغلبها أسماء العائلة الملكية في الأردن.

انتهت رحلتنا الطويلة في القاهرة، اصطحبت صديقىَّ السويسريين إلى رحلة لن ينسياها إلى مسقط رأسى في الدقهلية، ثم عدنا إلى القاهرة نجوب شوارع الحسين وخان الخليلي وقضينا آخر ليالينا في "ساقية الصاوي" على ضفاف النيل، قبل أن أودعهما وهما في غاية الحزن والأسف، لأن جولتهما فى الشرق الأوسط قد انتهت".

هذا الرحالة الشاب نال عن كتابه السابق عن رحلته الأميركية عدة جوائز مصرية تشجيعية. وأدب الرحلات عموما يعتبر من الآداب التي تحتاج إلى دعم مادي ومعنوي ولا يمارس كتابة هذا الأدب الكثير من الكتاب الشباب الذين كما قلنا سابقا يفضلون كتابة الشعر والسرد القصصي والروائي، على الرغم من أهمية أدب الرحلات في توثيق الصلاة بين الشعوب وفي زرع أزهار السلام والحب في كل القلوب.

ولعل هذه الرحلة التي بدأها مسلم ومسيحيان نلاحظ كيف انتهت حيث استضاف المسلم أخويه المسيحيين في بيته بمسقط رأسه وأكرمهما بدعوة لهما في جولة في العاصمة القاهرة. وأثناء رحلتهما في بلاد الشام صار لهما مرشدا سياحيا لأنه اعتبر أن بلاد الشام هي مصر وأنها بلد عربي وهذان المسيحيان هما ضيفان عزيزان لا بد أن نحرص على راحتهما وسلامتهما. ومن هنا أدب الرحلات وخاصة في هذه الرحلة التي تجولت في بلاد الشام مارة بكل معالمها الدينية والسياحية الأخرى قد جسد رسالة الحب بين الإنسانية جمعاء بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الطائفة.

الكتاب ممتع حقا. ترصد فيه الكثير من التداعيات والمغامرات وصراعات الحياة بين أناس تبحث عن لقمة عيشها وقد تجبرها ظروف الحياة على التحايل على السياح وبين شاب عربي جوال اسمه علاء شعر أن رفيقيه كريس وهنري هما اخوته فلا ينبغي أن يتآمر عليهما مع العرب التجار من أبناء جلدته. فكان يفاصل في الأسعار ويترجم لهما ويقدم لهما الحماية الاقتصادية اللازمة، وكانا هما يبتسمان ويشعران بالرضا معه وبالأمان حتى أنهما وافقا على مرافقته إلى بيته في الدقهلية والعيش فيه وكأنهم من أسرة واحدة.

الرحلات دائما تجعل الحياة أكثر متعة. وأنت عندما ترحل تغادر المكان الذي تعيش فيه، لكن قيمك وأخلاقك ومروءتك وشجاعتك وصبرك وتوقك للمعرفة لا يرحلان عنك ويتركانك. رحلة عربي مسلم وأوربيين مسيحيين جسدت من خلال كل المواقف التي تعرضوا لها في سوريا وفي الأردن التي جابوها حتى صحراء وادى رم هذا الوادي الذي شهد تصوير أحداث فيلم عالمي شهير هو "لورانس العرب". أواصر الصداقة والحب وعلاقات متينة جدا قد تعجز السياسة عن تحقيقها عبر مؤتمراتها وندواتها الدولية المكلفة جدا.

اتركوا الشعوب تنظم رحلات مختلطة في وطنها الإنساني الكبير وسترون النتيجة. سيعم الخير والسلام وستنتهي الحروب والآثام. الرحلات هي عيش وملح دولي لا يخون بعضه البعض أبدا.