من انتم؟ نحنا أولادها .. ملامحها ملامحنا

كتب ـ محمد الأصفر
عبدالمنعم الفليليح بين محمد الدنقلي والصيد الرقيعي

فرسان الشعر المحكي في ليبيا كثيرون. الظاهرون منهم والمعروفون والذين نظموا العديد من الأمسيات, وأصدروا العديد من الدواوين، أربعة فقط هم: محمد الدنقلي من زلة، وسالم العالم من طرابلس، والصيد الرقيعي من بلدة الرقيعات، وعبدالمنعم الفليليح من بنغازي.

الشعر المحكي هو شعر شبيه بالزجل المصري، لا علاقة له بالسردية والحكاية، لكن هو وطيد بحديث الناس اليومي، يمارسه الشاعر بغض النظر عن مكان وجوده، يمكن أن يعبر به شاعر الواحة وشاعر القرية وشاعر المدينة وشاعر الجبل، كل الناس تحكي وفي لحظات مهمة أثناء حديثهم يتحول كلامهم إلى شعر، تتحول انفعالاتهم وردود أفعالهم إلى شعر، شعر أحيانا موزون، أحيانا غير موزون، عموما عندما تقرأ الكلام أو تسمعه يحدث في وجدانك الرجفة التي لا يستطيع صنعها في روح الإنسان سوى الشعر.

هناك شعراء محكية غير معروفين. هناك قصائد بليغة مجهولة القائل. قد تنفجر القصيدة في شجار بسوق الفندق البلدي، أو في جدل بين مشجعين بملعب كرة القدم، أو في حديث بين امرأتين تنتظران الدور في المستشفى، أو بين أطفال مدارس في فترة الاستراحة، تسترق السمع أو يصطدم الكلام بأذنك دون قصد منك، فتحس أن هذا الكلام شعرا وتكرره حتى لا تنساه أو تدونه سريعا في دفتر الملاحظات لتحكيه فيما بعد، أو توظفه في نص قصصي أو روائي أو مقالة لك.

قرويات ليبيات يجبن الديكتاتور بطريقتهن البليغة
مربع المحكية كما يطلق الوسط الثقافي على هؤلاء الشعراء الأربعة لم يتوقف عن الإبداع منذ أن تلاحمت أضلاعه وتم ضبطها بمنقلة ومسطرة على إحدى طاولات مقهى عين الغزالة بميدان الشجرة ببنغازي. هذا الميدان الذي اقتلعت الديكتاتورية ذات لحظة غدر شجرته ذات يوم فنفرت بدل الخضرة الدماء لتنطلق منه كل لحظة مسيرات الثورة والصمود والمقاومة.

ثلاثة شعراء من هذا المربع صامتون الآن. ربما يكتبون في صمت تجليات الثورة منتظرين تحرر مدنهم من دكتاتورية القمع. شاعر واحد ظل طليقا من بينهم عبر عنهم عن الوضع الذي تعيشه ليبيا. كتب قصيدة محكية تجد فيها روح الشعراء الأربعة. أجاب على سؤال الديكتاتور القذافي الذي قال للشعب الليبي: "من أنتم" بقصيدة محكية، تختزل كل كلام الشعب الليبي في عبارات تشرح تاريخ وأصالة شعب ليبيا، الشعب الليبي بالطبع أجاب عن سؤال القذافي في حينه عبر رجمه بالأحذية. أي نحن أحذية تدوس على الطغاة وتسحقهم كأعقاب السجائر.

يقول منعم في قصيدته إجابة على سؤال القذافي "من أنتم":

ديوان الشاعر الليبي عبدالمنعم الفليليح

"من انتم .. من انتم

نحنا أولادها .. نحنا

ملامحها ملامحنا .. وأخرى زاد تشبهنا .. في عزها وفي عنادها .. نحنا أولادها حن أولادها نحنا .. وهي تعرف غريبها وتعرفنا .. ما نقص غريب من حبها ولا زادها

نحنا أولادها وهي أمنا .. لون ترابها مصبوغ من دمنا

وكل من جاها وقبل ما خذى منها عطاها

محسوب هو من ضناها .. لا فرق بين من لفى ومن كان

لا بين بربر وعربان .. عاشوا أمازيغ وأهالي

مرابطين وسعادي .. تبو وطوارق .. واللي لفى في التالي

علي أرضها عايشين أسياد"

ولعل كلماته المحكية هذه خير تعبير عن وحدة الشعب الليبي وأن ما به من إثنيات حاول أن يستخدمها القذافي لصالحه عبر بث الفتنة بينها وبين العرب سكان ليبيا الأعظم عددا هي شعب ليبي واحد.

أثبتت الثورة أصالة معدنه عندما هبَّ هبة واحدة في وجه الطاغية فذاب الأمازيغي في العربي والتارقي في التباوي وحتى اليهود الأقلية الليبية التي أجبرت على الهجرة من ليبيا نتيجة الصراع العربي الصهيوني كان موقفها مشرفا من ثورة 17 فبراير حيث أعلن زعيمها رفض ممثلي القذافي الذين طلبوا منه يد المساعدة وأعلن تأييده للثورة الشبابية. جميع سكان ليبيا كانوا يدا واحدة. كانوا ليبيين متساويين يقاتلون جنبا إلى جنب ويتعاونون بشفافية ويقفلون كل الحفر التي يحاول أن يدخل منها القذافي بفتنته.

ليبية أمازيغية ترفع إصبعي النصر إجابة عن من أنتم

"من انتم". نحن أولادها. هي أمنا. لون ترابها مصبوغ من دمنا. ملامحها ملامحنا. وأخرى زاد تشبهنا. في عزها وعنادها. كلمات بسيطة، حديث يومي، يمكن قراءته من بدايته أو من وسطه أو نهايته. يعبر عن الخصوصية الليبية وتجلياتها النفسية في الفخر والعناد وروح التحدي التي أطلقتها في وجه القذافي عندما حاول أن يقمعها بشتى أنواع الأسلحة الجوية والبرية والبحرية، عبر كلمة بسيطة كتبها شباب ليبيا بخط ردئ على عدة جدران وحيطان في كل المدن والقرى تقول:

يا معمر بيش ما تبيها .. يا أنت يا نحن فيها.

وبالطبع نحن هي روح الجماعة والآن الثوار في المشهد، يجيبون على أسئلة طغاة العالم بالدم والثورة. زين العابدين بن علي يقول: "الآن فهمتكم". القذافي يقول: "من أنتم؟" سؤال ينم عن احتقار وازدراء لهذا الشعب الذي ظن القذافي أنه قطيع آدمي في مزرعته يقدمه لمقاصل الحرب والجوع والظلم كل لحظة طيلة 42 سنة. الشعب أجاب عن السؤال. الشعر المحكي قال كلمته وأجاب هو أيضا. في جانب آخر من قصيدته "من أنتم؟" التي تحولت إلى أغنية يغنيها شباب الثورة في ساحات الحرية:

من انتم .. من انتم

نحنا هل الوطن والوطن يعرف هلا

يقسى علينا بحن .. ونتعاتب بالغلا

من انتم .. نفس السؤال نسألكم

من انتم .. ومن جابكم لوطنا ومكنكم

تقتلوا أولادنا وتقذفوا أعراضنا .. وتملكوا بلادنا

وتقول من انتم .. من انتم .. انشد التاريخ ايخبركم

من قبل ميلاد المسيح لاعند توا

خليك من ما قال هيرودت بو التاريخ

وكيف اللي غزوها وايش لقوا

وكيف هلها واجهوا العدوان لا انذلوا ولا نحنوا

وكيف ما قالها المختار.. أجواد راكبين الخيل على وطنا ما نمايلوا

في الكلمات السابقة أجاب الشاعر عن السؤال بهدوء شديد. قال إن الوطن يعرف أهله وسيجيبك عن السؤال. الوطن الذي يقسو علينا فنعاتبه بالحب والتمسك به وبوحدته. وفي الوقت نفسه يتهكم الشاعر على سؤال الطاغية، فيعكس له السؤال ليقول له نحن الشعب نسألك أنت وزمرتك الفاشية الإرهابية القاتلة "من أنتم" ومن الذي أحضركم لبلادنا ومكنكم من قتل أولادنا وقذف أعراضنا ونهب مقدرات بلادنا. يقول الشاعر مجيبا عن السؤال: نحن لن نجيبك وسيجيبك تاريخ الإنسانية العريق من قبل ميلاد المسيح عليه السلام حيث أن ليبيا بلد أصيل أسطوري معروف ومؤثر في أحداث الحياة. سيجيبك أبو التاريخ هيرودوت الذي ذكر ليبيا في كتابه الشهير. ستجيبك الجيوش الغازية التي حاولت احتلال ليبيا وتم دحرها وإبادتها، ستجيبك هذه الجيوش عن شجاعة الليبي الذي لا يهاب الموت والذي يربط رجليه في ميدان المعركة كي لا ينقلب على عقبيه. الليبي الذي يرى النار أو حد السيف أو حبل المشنقة جنة قابلة نحوه فيقاتل إلى آخر رمق.

سيجيبك في النهاية شيخ الشهداء الجليل عمر المختار الذي قال نحن شعب لا يستسلم ينتصر أو يموت والذي قال أيضا عبر شعره العامي أو المحكي أو الغنائي أو الشعبي بيته الشهير:

أجواد راكبين الخيل على وطنا ما نمايلوا. أي لا نسمسروا أو نتحايلوا أو نتجنب الموت أو ننهزموا .. إلخ.

شعر المحكية الليبي له دوره في الثورة على الرغم من تكبيل ثلاثة أضلاع من مربعه الذهبي. شعر يتم اقتناصه من حديث الناس اليومي ومن انفعالاتهم في وقت الحب أو الرعب أو الخوف أو الشجاعة والتحدي. شعر عفوي لم يتم التخطيط له أو دراسة طريقة كتابته كحفظ علم العروض وإتقان اللغة العربية وغيرها. شعر ينتج عن كلام الناس العادي فقط. شاعر المحكية دائما عندما يكتب قصيدته لا يرهق نفسه. يستمع إلى صوته الداخلي وأصوات الناس وصخبهم فتأتي القصيدة طواعية لتنكتب على اللسان ثم الورقة. شعر المحكية شعر ينتجه اللسان. لكن وراء اللسان دائما قلب ارتجف بصدق وخفق بصدق وتألم بصدق. وخلف القلب لو تمعنا جيدا في كل كلمة من القصيدة ستتجلى أمامنا تلك الروح الجريحة النازفة دائما في كل الحالات والتي لا نجدها إلا لدى الشعراء والمجانين.