من النور إلى الظلمات: هل كان الإسلام كذلك؟

سيكون من المبالغة القول أن الاسلام السياسي، باعتباره ممارسة مباشرة على الارض هو اختراع غربي. شيء من هذا القبيل يمكنه أن يقول جزءا من الحقيقة. لا أقصد بهذا الجزء النسب والجذر اللغويين، ذلك لان هذا المصطلح كان ولا يزال مفهوما غربيا يتم من خلاله تعريف بعض الحركات والاحزاب السياسية التي اتخذت من الاسلام غطاءا لتوجهاتها، رافعة شعار "الاسلام هو الحل". بل أقصد الاشارة إلى ما يحيط بالريبة نشأة تلك الحركات والاحزاب واجنداتها الخفية والمسالك التي مشت فيها وصولا إلى تحقيق أهدافها. وهي أهداف لا يزال الكثير منها مضمرا، بالرغم من أن عددا من تلك الحركات والاحزاب قد استطاع بطريقة أو بأخرى أن يستولي على الحكم ويكون مسؤولا عن مصائر شعوب (حركة النهضة في تونس، جماعة الاخوان المسلمين في مصر، الاحزاب الشيعية في العراق التي لا تخفي ولاءها لايران).

علينا هنا أن نؤكد البديهية التي تشير إلى أن فكرة تأسيس جماعة أو حزب هي فكرة سياسية، الغرض منها احداث تغيير في نوع السلطة الحاكمة واولويات التغيير الاجتماعي وطبيعة القيم الثقافية السائدة في المجتمع. وحين كانت الجماعات التي تتبنى العودة الى اصول الدين الاسلامي (وفق وجهة نظرها التي غالبا ما كانت طائفية) تنكر أن لها توجهات سياسية فانها كانت تمارس نوعا من استغباء الآخر. ما فعله الاخوان المسلمون حين برروا عدم مشاركتهم في التظاهرات السلمية التي اطاحت بحكم حسني مبارك بانهم ينتمون إلى جماعة، يقتصر هدفها على التوعية فضحته هرولتهم للمشاركة في الانتخابات التي جرت بعد نجاح الثورة.

وإذا ما عدنا إلى علاقة الغرب بتلك الحركات فان حركة طالبان هي النموذج الابرز في هذا المجال. هناك حرب مستعرة منذ أكثر من عقد بين الغرب (ممثلا بأميركا) وطالبان، يدفع الافغان العاديون ثمنها كل لحظة، بل وأيضا المنتمون إلى حركة طالبان. فهم في النهاية بشر يستحقون الحياة الكريمة في بلد آمن ومستقل الارادة. هذه الحرب المكلفة بشريا وماديا، والقذرة بكل ما تنطوي عليه من بشاعة، حيث نتج عنها مئات الالوف من القتلى والمعاقين وخراب شامل لبلد كان ينعم يوما ما بمظاهر الحياة الحديثة لا يمكن أن تنسينا أن "طالبان" ما هي إلا فكرة مخابراتية غربية، كانت باكستان حاضنتها وكان المال العربي قد وفر لها كل سبل الدعم.

هل تمردت طالبان على سادتها ونزعت إلى المشي في اتجاه مختلف؟

سلبا أو ايجابا، فان الجواب لن يشفي غليل الباحث عن الحقيقة. هناك معلومات كثيرة لم يسربها الطرفان (الغرب وطالبان) يمكنها في حالة الكشف عنها أن تفصح عن لحظة الفراق. قد يكون الغرض من استمرار الحرب بين الطرفين يكمن في ابقاء افغانستان نقطة مشتعلة من أجل استمرار الحرب على الارهاب، الذي هو مطلب غربي بالاساس. لمَ لا؟ حكومة كرازاي لا تسيطر على إلا على جزء صغير من افغانستان، مثلها في ذلك مثل حكومة المالكي في العراق. مع التذكير بالفارق بين الرجلين، حسب ما يعتمده الاعلام الغربي من مقاييس: الاول يُقدم باعتباره ليبراليا متمكنا من أصوله العشائرية والثاني يُقدم باعتباره زعيم حزب طائفي. ومع ذلك فان الاثنين موجودان في المكان الذي يسمح للغرب تبرير وجوده، من خلال الاحتلال المباشر أو من خلال اقامة قواعد عسكرية ثابتة.

هناك انتقائية عجيبة، بل ومجنونة يمارسها الغرب في تصفية حساباته ورعاية مصالحة، لا علاقة لها بأي نوع من المبادئ الثابتة. على سبيل المثال فان حزب الله في لبنان، وهو تيار سياسي شيعي متشدد، هو من وجهة نظر الغرب كيانا ارهابيا، أما حزب الدعوة الذي لا يقل عن حزب الله تشددا من جهة طائفيته فمسموح له أن يتحكم بمصائر العراقيين بموافقة اميركية مؤكدة. وإذا ما كان الغرب يعتبر حزب الله ملحقا بايران فالأولى به النظر بطريقة أكثر تشددا إلى حزب الدعوة، الذي تأسس في أيران وبقيادة ايرانية.

كل هذه المفارقات تجعلنا نواجه السؤال الذي يتعلق بمدى مصداقية مصطلح "الاسلام السياسي" لا من جهة تمكن دعاته وحامليه من الوصول إلى الحكم بمباركة غربية نادرة من نوعها، حسب بل وأيضا من جهة اعتماد وجوده ذريعة للاستمرار في ما يسمى بـ "الحرب على الارهاب".

في الحالين فان الشعوب الاسلامية (ومنها بشكل خاص الشعوب العربية) هي الخاسرة. فلا الاسلام السياسي ينفعها حين يحكم، ولا حين يعارض جعلها في وضع أحسن. هذه شعوب لا تعرف معنى للسعادة أو الشعور بالآمان. إن استسلمت لطاغتها المحليين فإنهم يصلون بها إلى مرحلة الكفر، وإن استغاثت بدعاة الاسلمة فانهم يشهرون بها باعتبارها شعوبا غرقت في الضلالة وصار يجب اعادتها بالقوة إلى جادة الهداية. نزاع نفسي حائر يعيشه المرء وهو يشعر أنه يقف على أرض لم تعد الاحتمالات المتعددة فيها ممكنة. الغرب لا يريده، حتى لو أعلن براءته من أصله، فيما المتأسلمون يفرضون عليه أسلوب حياة، يعيده إلى حياة الكهوف. ولا ينفع في الحالة المضطربة التي يعيشها العالمان الاسلامي والعربي سؤال من نوع: ألم يكن الأسلام دعوة للخروج إلى النور فلمَ كل هذا الظلام بإسمه؟

فاروق يوسف