من المسؤول عن عملية القدس وغيرها؟

بقلم: هشام القروي

في تعليقها على عملية القدس الاخيرة التي أسقطت 8 قتلى وجرحت 62 شخصا، حددت جريدة "هارتز" الاسرائيلية بالاسم ياسر عرفات واحمد قريع، بوصفهما المسؤولين عنها، من حيث أن العملية قام بها أحد المنتمين الى كتائب الأقصى، وهي من فروع "فتح". والقصد من الربط واضح: إنه تقديم غطاء "أخلاقي" لشارون كي يستمر في نفس السياسة التي لم تأت الى حد الآن الا بمزيد من العنف، ولم تحل أية مشكلة. هذا ما لم تتطرق له افتتاحية "هارتز"، في الوقت الذي أشارت فيه بنبرة من السخرية لا تكاد تخفى الى تكرار الزعامة الفلسطينية "لطقوس الادانة بعد الحدث"، مما يوحي بوجود تواطؤ بين القيادة والقاعدة على تنفيذ هذه العمليات، وأن المسألة كلها إذن مجرد إخراج مسرحي وتقاسم للأدوار.
ولكن بالنسبة للمراقب الموضوعي، تبدو المسألة مختلفة بعض الشيء. فبقطع النظر عمن يقوم بتنفيذ هذه العمليات (التي غالبا ما يكون هو أول ضحاياها، لذلك يطلق عليه اسم الفدائي أو الشهيد)، تمثل دور السلطة الفلسطينية منذ أن ظهر عجزها التام بعد أن أسقط عنها شارون – بدعم من الرئيس بوش – ورقة التوت، في إدانة كل العمليات التي يقوم بها أناس يطلبون الشهادة. وهكذا، لا يكفي أن يكون عرفات مسجونا في مقاطعته، ومقصوص الجناحين تماما، ولا يكفي أن تدمر اسرائيل كل ذرة باقية من المصداقية في سلطة الحكم الذاتي، بممارسة سياسة الحصار والقمع والقتل الانتقائي والتدمير المنهجي والاستمرار الاستيطاني،الخ...وإنما يتوجب أيضا أن لا يعترض على شيء، ولا يحتج على شيء، ويكتفي بإدانة العمليات الفدائية، بوصفها "ضد المصلحة الوطنية"...ومع ذلك، فاسرائيل غير مسرورة. والمعلقون الاسرائيليون يرون في هذا الانبطاح لأعلى مركز في السلطة الفلسطينية مجرد كوميديا تخلو من الذوق. وهم في النهاية لا يصدقون عرفات ولا رئيس وزرائه. ونتساءل: ماذا يكون الحال لو أن السلطة الفلسطينية، عوض الادانة، قالت بأعلى صوت ما يفكره ملايين الفلسطينيين في الداخل والخارج، وهو أن هذه العمليات الفدائية هي آخر الوسائل لدى المقموعين والمظلومين، وأنها سلاح الضعفاء لا سلاح الأقوياء، وأن من ينفذونها أبطال لتضحيتهم بحياتهم، وانهم يستحقون أن يرفعوا الى عنان السماء في أعين شعبهم.
ومن الواضح للملاحظ الموضوعي أن "هارتز" وغيرها من وسائل الاعلام الاسرائيلية التي تؤمن بوجود تواطؤ بين القيادة الفلسطينية وقاعدتها لتنفيذ هذه العمليات ثم إدانتها، تسير في اتجاه خاطئ. لأنه لو كان هناك تواطؤ بين الطرفين، لكان هناك تنسيق. ولو كان هناك تنسيق، لكانت القيادة الفلسطينية الحالية أكثر القيادات ديمقراطية في العالم. وهذا ما من شأنه أن يجعل العمليات الفدائية مطلبا فلسطينيا شعبيا. وهي نتيجة منطقية لا أعتقد أن "هارتز" أو أية صحيفة اسرائيلية تقصدها من خلال التأكيد على مسؤولية القيادة الفلسطينية.
وبأية حال، لماذا يحتاج ياسر عرفات لقتل 8 اسرائيليين في القدس وجرح 62 آخرين، من حين لآخر؟ وما الذي يجعل أحمد قريع – وهو من فتح أيضا- الذي يعرفه الاسرائيليون جيدا بما أنه تفاوض معهم، وله علاقات واسعة ببعض زعمائهم، مصرا على قتل بعضهم بين فينة وأخرى؟ أي: ما هي مصلحتهما السياسية في الأمر؟ إذا كانت المسألة هي البحث عن التفاوض، واستئناف المحادثات، فإنه ينبغي أن يكون المرء مجنونا ليعتقد أن طريق التفاوض تبدأ بقتل الناس في الشوارع. ومن الملاحظ كذلك أن الذي ينهي حياته عندما ينفذ العملية لا يهمه التفاوض لا من قريب ولا من بعيد.
بيد أن الساسة الفلسطينيين لم يغلقوا باب التفاوض أبدا، وبالتالي فهم لا يمكن أن يسعوا الى استئنافه عن طريق "الصدم والترويع". فهذه سياسة الأقوياء عادة، لا سياسة الطرف الأضعف. (تنشر بالاتفاق مع جريدة "العرب" بلندن.) هشام القروي