من المسؤول عن زلزال الحولة السوري والعربي؟

بقلم: حمّودان عبدالواحد

وأنا بصدد توريط قلمي في موضوع حسّاس وخطير أدلي فيه برأيي وأشعر بثقل مسؤولية الكتابة حوله، أبدأ قبل كلّ شيء بتسجيل نقطتيْن من الأهمية بمكان.

أوّلاً: براءة من الله ورسوله والمؤمنين إلى قاتلي الأطفال وذابحي الأبرياء في سوريا بصفة عامة، والويل واللعنة والخزي والعار والذل على جزَّاري الحولة بصفة خاصة.

ثانياً: حين يكون الواقعُ الذي نريد معالجتَه معقّداً وذا أوْجُهٍ متعدّدة، مُتداخِلَ العناصر ومُتشابِكَ العلاقات كما هو حال الوضع الراهن السوري، فلا بدّ للباحث المفكّر فيه مِنْ أخذ كلّ هذا بعين الاعتبار وإلاّ فلن تكون نتيجةُ التحليل مساعدةً على فهم الحقيقة والوصول إليها.

إذا لم يكن القارئ مُتّفِقًا معي على هاتيْن النقطتيْن فإنّي أطلب منه بكلّ بساطة أن لا يتابع قراءة ورقتي المختصرة هذه.

بعد وقوع مجزرة الحولة الهمجية التي ذهب ضحيّتَها عددٌ كبير من السوريّين من بينهم عشرات الأطفال الأبرياء، كثُرَت ردودُ الأفعال على المستوى الفردي والجماعي، الشعبي والرسمي، الشرقي والغربي، وجاءت كلُّها مندّدة منتقدة، غاضبة وشاجبة، لكنّها كانت حائرة ومتردّدة إذ ظهر أنّها لم تكن مُتّفِقة حول الجهة المنفذة والمسؤولة عن هذه العملية الوحشية المنحرفة عن الوعي الأخلاقي والحضاري للإنسان.

وبينما لم تتردّد الأغلبيةُ في توجيه أصابع الاتهام إلى النظام السوري وأعوانه ولا سيما عناصر الشبيحة، قام آخرون بتعيين جماعات (إمّا جهادية معادية للنظام، وإمّا تابعة للجيش السوري الحرّ، وإمّا مرتزقة يعملون لجهات مشبوه بها وعدوّة لسوريا كدولة ووطن تتعايش فيه بسلام أقلياتٌ وطوائفٌ مختلفة)، كمسؤولة عن ارتكاب هذه المذبحة.

والحالة هذه، لا يَسَعُ المرء، وهو يتابع على شبكة الإنترنت كلّ ما يُقال ويدور حول حدث "زلزال الحولة" كما سمّاه الشاعرُ والمفكّر السوري أدونيس، إلاّ أنْ يُسجّل حضورَ سؤال مِلْحاح طرحَ نفسَه بقوة على كلّ من يَسكنُه هاجسُ الحقيقة وتُحَفّزُ مواقفَه معرفةُ الوقائع بطريقة محايدة وموضوعية: هل للنظام الحاكم في سوريا من فائدة في ارتكاب مجزرة الحولة وقتل الأطفال؟

بعيداً عن الأسلوب العاطفي والانفعالي الذي طبع مواقفَ كلّ من الأطراف المنحازة والمتعارضة، وتحدّياً لكابوس الفوضى العربية التي تقضّ مضاجعَنا وتُذْعِر الصغارَ والكبار منّا، وصموداً أمام كلّ إرادة غير عربية تحاول المساس بعقولنا وإصابتنا بجنون الانتماء الطائفي وجرّنا إلى التفكّك والانحلال ومن ثَمّ الهلاك، يليق بكلّ من يحاول أن يفهم ما يحدث وما يُمكن أن يترتبَ عنه من تبعات وتداعيات خطيرة تَوَخّي التأنّي وعدم الانصياع وراء اليقينيّات المسبقة والاعتقادات المطلقة في سياق مليء بالشكوك والريبة والشبهات وتتحكم فيه قوى عديدة ومختلفة تتضارب فيها مصالحُها وتسعى كل واحدة منها إلى فرض رؤيتها ووجودها على الآخرين ـ إمّا بالعنف والاستبداد والحديد والنار، وإمّا بالحيلة والخديعة، وإمّا بهاتيْن الوسيلتيْن معاً، وإمّا بوسائل أخرى ـ من أجل تحقيق غاياتها.

لهذا لا حرج من الاستماع إلى من يدافعون عن النظام ويُبْعِدون عنه مسؤوليةَ المجزرة، وقراءةِ دلائلهم والوقوفِ على تفسيراتهم، ثم الانصاتِ إلى دلائل وتفسيرات من يحمّلون النظامَ مسؤوليةَ ما يُمكن نعتُه بجريمة في حق الإنسانية.

يقدّم أصحابُ الموقف القائل بأن النظام لا يمكنه أن يكون وراء مجزرة الحولة لأنه لا وجود لمصلحة له في ارتكابها، مجموعةً من العناصر لتبرير ما يذهبون إليه. هاكم بعضاً منها أو أهمّ ما تسمح به مساحةُ هذه الورقة:

ـ كيف يمكن للنظام أن يجرّ على نفسه الويلات بارتكاب هذا النوع من المجازر وهو يعرف أنّه مراقب من طرف الأسرة الدولية التي تتابع كلّ ما يفعله في تعامله مع الأزمة الداخلية؟ كيف يقبل على جريمة بهذا الحجم الكبير من الوحشية وفِرَق المراقبين الأمميّين منتشرة هنا وهناك لتقصي الحقائق، وجمع الشهادات والعناصر لتوثيق ما يحدث؟

إنّه يعرف أنّ الإقبال على مثل هذه المذابح يعني إعطاء ذرائع وعلل لن يستطيع نفيَها أو التهرّب منها لتفادي انتقاداتِ وهجماتِ ودعوات مَن يريدون التدخل العسكري في الشأن السوري.

ارتكاب مجزرة الحولة هو بمثابة رهان على تدويل عسكري للإشكالية السورية، لهذا من الواضح أنّ المستفيد الوحيد منها هو الذي كان وراءها وقام بتنفيذها، واستفادته منها تكمن في إرادة إسنادها للنظام الحاكم قصد إثارة ردود فعل محلية وإقليمية ودولية ربما تؤدّي إلى التدخل الأجنبي.

- إنّ التطورات التي شهدتها المشكلةُ السورية مباشرة بعد حدوث المذبحة تصبّ في مصلحة

من كان وراءها إذ أدانت أغلبيةُ دول العالم النظامَ السوري وحمّلته مسؤوليةَ المجزرة، وطُرِدَ سفراءُ سوريا من عدّة عواصم غربية، وأُعْلِن عن عقوبات جديدة على سوريا، وفَرَضَ موضوعُ التدخّل العسكري والمناطقِ العازلة نفسَه أكثر ممّا مضى، أليست هذه هي مطالب المعارضة؟

- إنّ الصور التي تعرض أطفال الحولة المقتولين تبيّن أن جثثهم لم تتعرّض للتمزّق وهي في هيئة تامة وكاملة، ولو كان قتلُهم حدث نتيجةَ قصفٍ بالدبابات والأسلحة الثقيلة التي تملكها الحكومة السورية لكانت هذه الجثثُ أشلاء وقطعاً...هل يمكن للقصف المدفعي أن يكون أنيقًا إلى هذه الدرجة؟

هذا يعني أنّ المجزرة نفذتها جماعاتٌ أو عصابات إرهابية قامت بعملية القتل بطريقة مباشرة وبوسائل وأسلحة مختلفة. وهذه الجماعات ليست ضدّ السلطة الحاكمة فقط بل هي تُكِنُّ العداءَ والضغينة لسوريا والسوريّين ككل، وقد تكون مختلفة عن فِرَق المعارضة المعروفة ولا تربطها بها علاقة، وقد لا تكون سورية، قد تكون إسرائيلية أو عربية وقد تكون من قوم آخرين، لكنّها تستبيح في ممارستها لِلْعنف كلّ شكلٍ من أشكال القتل، وتسمح لنفسها باستهداف الأطفال والشيوخ والنساء وكلّ مواطن غير مشارك في عملية القتال والمواجهة المسلحة.

وهي بنهجها هذه الطريقة في إراقة الدماء تسعى بالأساس إلى زرع الرعب والخوف في النفوس، وإحداث البلبلة والفوضى وسط المجتمع، وخلق جوّ من انعدام الثقة بين الأفراد والطوائف..كلّ هذا في سبيل الغاية الكبرى أي تحقيق أجندة ومشاريع من يخطّطون لحرق سوريا والعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة العربية.

ولا يُستبعَد أن تكون هذه الجماعات تعمل في إطار ما يُسَمّى بالمشوّشين الحريصين على إغراق الأطراف المتنازعة في أدغال الأزمة المظلمة والحيلولة دون إمكانية بزوغ حلّ في الأفق السياسي المسدود.

والخوف أن يتوصّل هؤلاء إلى وضع السوريّين في مأزق "الستاتيكو" الذي تطغى عليه رائحةُ الموت والدم بشكل مستمرّ ودائم حيث يصعب إيجاد الحلول يوما بعد يوم...هذا بالإضافة إلى تعميق هوّة الأزمة مع الجيران الأتراك.

- ترتكز النقطة السابقة على ما جاء في خطاب الرئيس السوري بشار الأسد فى مجلس

الشعب، يوم الاحد 3/6/2012، ولا سيما في سياق تعريفه وتشريحه للمشكلة التي تتخبّط فيها سوريا وتحديد القوى المؤثرة فيها "لا نواجه مشكلة سياسية (...) ما نواجهه هو عبارة عن مشروع فتنة وتدمير للوطن، وأداة هذه الفتنة هي الإرهاب، فكيف يمكن أن نربط بين العمل السياسي والإرهاب؟ (...) نحن الآن لم نعد في الإطار الداخلي السياسي نحن الآن نواجه حربا حقيقية من الخارج، والتعامل مع الحرب يختلف عن التعامل مع خلاف داخلي بين أطراف سورية ".من هنا فالفصل "بين الإرهاب والعملية السياسية هو أساسي لكي نفهم ونعرف كيف نتحرّك باتجاه حلّ أو تحسين الظروف التي نعيش بها ".

أما أصحاب الموقف القائل بعكس ما سبق أي أن النظام هو الذي وراء مجزرة الحولة لأنّ له مصلحة في ارتكابها، فيقدمون عدداً من العناصر لتبرير رأيهم، نذكر منها ما يلي:

- ادعاء النظام أنه يحارب عصابات إرهابية وجماعات جهادية تستعمل العنف والتفجيرات، هو ورقة يستعملها لنزع الشرعيّة عن المطالب الثورية للمعارضة، والتشكيك في أهدافها التي يدّعي أنّها زرعُ الانقسامات وإشعالُ نار المواجهة الطائفية والحرب الأهلية..كلّ هذا ـ حسب أقواله ـ خدمة للعدوّ الخارجي، القريب والبعيد معاً.

- النظام السوري كأغلب الأنظمة السياسية العربية مصاب بعمى السلطة وحصر دائرتها في نقطة المركز الذي يتفرّد بإصدار القرارات وتسيير شؤون ما يُسمّى "الرعيّة" بلغة الهراوة والضرب والسجن والتعذيب والقتل، ولا يعير كبير اهتمام لذبح الأبرياء وسقوط المئات والآلاف من ضحايا الشعب.

- لا يخشى النظامُ لجوء مجلس الأمن إلى المادة 7 وتفعيلها من أجل قرار يسمح بالتدخل العسكري لأن روسيا والصين اللتيْن تتمتعان بحق الفيتو في مجلس الأمن هما ضدّ هذا الحلّ الدولي.

أما العقوبات الاقتصادية والمالية الغربية المفروضة عليه فيقلّل النظامُ من شأنها لأنه يستطيع اختراقَها عن طريق إيران ولبنان وروسيا والعراق ودول أخرى.

انطلاقاً من هاتيْن النقطتيْن، يعتبر النظامُ نفسَه في مأمن من كل عقوبة أو تدخل من شأنه الإطاحة به. فما الذي يمنعه إذن من مباشرة أفعال إجرامية بالغة الخطورة في حق مواطنين أبرياء كما هو حال أطفال ونساء وشيوخ الحولة، بل كلّ الأبرياء الآخرين؟

- ليست مجزرة الحولة هي الأولى من نوعها أو الأسوء، فقد تعوّدت السلطة الحاكمة في سوريا منذ أربعة عقود على ارتكاب مذابح أخرى كانت أبشعها مجزرة حماة في سنة 1982.

بالإضافة إلى ما سبق، يعتمد أصحابُ هذا الموقف في إلصاق جريمة الحولة إلى النظام على إشاعة نشرتها في البداية مصادر إسرائيلية، ثمّ تناقلتها الصحافةُ العربية والغربية، تقول بأنّ "آصف شوكة، صهر بشار الأسد، المنحدر من قرية قريبة من الحولة كان قد تعرّض - في 5 مايو 2012 مع خمسة من كبار شخصيات النظام - إلى محاولة اغتيال عن طريق تسميم طعامهم قامت بها كتيبة الصحابة التابعة للجيش السوري الحر. ولا يُستبعَد أن تكون مذبحةُ الحولة انتقاماً نفّذته مليشيات النظام ممّا يُذَكِّر بمذبحة سجن تدمر في بداية سنة 1980 لمّا تعرّض حافظ الاسد والد بشار إلى محاولة اغتيال ".(جريدة لوفيكارو 29-5-2012)

أمام هذه الآراء والشروحات المتعارضة والاتهامات المتبادلة، هناك من يَتَبَنّى موقفاً لا يُرَجِّحُ فيه كفّة طرف في النزاع في تحمّل مسؤولية المجزرة، بل يلقيها على عاتق النظام والمعارضة معاً، ويتطلّع إلى معرفة الحقيقة بغض النظر عن موقفه السياسي والفكري من النظام أو المعارضة.

فالأهم بالنسبة له هنا هو تشكيل لجنة مختلطة، سورية ودولية، مستقلة أو رسمية، لكن نزيهة لتقصّي الحقيقة وكشف المجرمين ومحاسبتهم أكانوا من النظام الحاكم أو المعارضين.

وهؤلاء يعتقدون أنّ من قام بهذه المجزرة هو بحقّ مسؤول عنها إنسانياً وأخلاقياً، لكنه أيضاً مسؤول عنها على المستوى السياسي والجنائي، غير أنهم يؤكّدون أن الخطوة العاجلة اليوم تقتضي حماية فعلية وتامّة لجميع المدنيين السوريين من أطفال ونساء وعجزة.

وهذه الحماية ممكنة إذا ما توفّرت الإرادةُ السياسية الدولية وتوقّفت القوى العالمية الكبرى من استعراض عضلاتها فيما بينها والتفكير في مصالحها على حساب سوريا والسوريّين...وإذا لم تستطع هيئةُ الأمم المتحدة أن ترسل اليوم على الأقل 3 آلاف مراقب مثلاً - كما تقترح ذلك بعضُ المنظمات الدولية "أفاز" المستقلة الناشطة في مجال حقوق الإنسان وحماية الحريات ـ وتفرض على الجهات المتنازعة ترجمةً فورية لخطة عنان للسلام على أرض الواقع حتّى يُمكن عن طريق الحوار الانتقال في العملية السياسية، فمعنى هذا أن المؤسسة الأممية قد أصيبت بالشرخ والشلل والضعف والهرم من جرّاء عراقيل داخلية تأتيها من أعضائها، ولم تعد قادرة على القيام بمسؤولياتها وواجباتها الدولية.

وهذا يُحَتّم على الجميع الدعوةَ والتفكير في إعادة هيكلتها وطريقة عملها انطلاقاً من معطيات العالم الجديد، عالم اليوم لا عالم الحلفاء والخريطة الجيوسياسية التي ورثتها الإنسانية إبّان خروجها من الحرب العالمية الثانية، حتى تستطيع حماية المدنيين والمواطنين في كلّ دولة من دول العالم، وتمكينهم من العيش في أمن وسلام دون شروط سياسية مسبقة أو رؤية قائمة على النفعية والبراغماتية.

حمّودان عبدالواحد

كاتب عربي مقيم في فرنسا