من المسؤول عن انكفاء الدور المصري في إفريقيا؟

القاهرة
مبارك صفى الوجود الثقافي والاقتصادي والسياسي

لم تختر مصر أن تصبح لاعباً إقليمياً وأحياناً دولياً، هكذا خُلقت. لكنها مع اللانظام الحالي تحولت إلى "مومياء سياسية"، فالكل يلعب، بتفاوت، في مضخة دمها: أخوة.. قطر، السعودية وأصدقاء.. الصين والهند ومنافسون.. تركيا، إيران. وعدو.. إسرائيل. والغرب مدعوماً بمنظومة (السفاري)، التي مولتها سعودية فهد لصالح واشنطن وفضحها (هيكل) قبل سنوات.

دائما ما حذرنا جمال حمدان "لا وجود لها بدونه، فسواء كانت هبة النيل أو (..)، فإن مصر تظل هي النيل".

في لمحات من مذكراته الخاصة الصادرة عن "عالم الكتب" إبريل الماضي في ذكرى رحيله، يشدد صائغ "إفريقيا الجديدة" و"شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان" على أن الجغرافيا السياسية لأقدم دول العالم، كما تجلت في الستينيات "ليست ناصرية.. بقدر ما هي مصرية، حتى لو انفصلنا عنه (عبدالناصر) أو رفضناه كشخص أو كإنجاز".

هي وفق تعبيره "من خلق الجغرافيا الطبيعية، نبت طبيعي بحت"، والتخلي عن ثوابتها يحولها إلى "مومياء سياسية"، محذراً من "تاريخ أسود.. فالخيار أمامنا لم يعد بين السيئ والأسوأ.. بل بين الأسوأ والأكثر سوءا"، ومن أنها ستصبح "مقبرة بحجم الدولة" إذا ما فقدت الزراعة.

استشرف حمدان النتيجة الطبيعية لتفكك الدولة الأعرق، فهو دائماً يرى معياراً رئيسياً لـ"حال الدولة"، هو مستوى منظومة الري، بقاءً وتقدماً وحماية.

لم يكن أمام الفراعنة العظام مع إيمانهم بأن نيلهم المقدس ينبع من السماء، خرائط ليقرأوا منها المحيط الحيوي لبقاء ورخاء كيانهم القومي، لكنها جينات بناء وحماية الدولة التي تشربتها أرض أم الدنيا مع جريان مياه شريان حياتها.

وحين يجمع المؤرخون على أنها وحدها التي ظلت لسبعة آلاف عام بجسد واحد (حدود) له ملامحه الثابتة، فالاستثناء الوحيد هو أن تمد حدودها جنوباً، لتحتضن أراضي أخرى من ذات الطين، لتصبح محافظة ضمن بنيتها كـ"مصوع" المنفذ البحري الأهم الذي كان لإثيوبيا، أو تضفي عليها بعضاً من اسمها "مصر العليا" التي ضمت اليمن والصومال، والثانية هي منفذ كل واردات وصادرات أديس أبابا.

قاعدة مقدسة، هي درع قطرات مياه تروي الأرض والحياة، امتدت جيناتها من الفراعنة للبطالسة للعرب للعثمانيين لمحمد علي وأبنائه، وتطورت في الستينيات لتشمل عموم إفريقيا.

تاريخياً، ظلت القوة العسكرية على تخوم الملعب، تنزله في الدقيقة الأخيرة إذا تأخر حسم المباراة، ليظل الاقتصاد هو صانع الألعاب ورأس الحربة معاً، ومعه القوة الناعمة بتنوعاتها.

هكذا بنت "طيبة" ثم "الإسكندرية" فـ"الفسطاط" وصولاً لـ"اللقاهرة" الموانئ ونشرت قبساً من مدنيتها بطول شواطئ البحر الأحمر وشرق إفريقيا. هكذا عرفنا مصر العليا (بلاد بونت) في العهد الفرعوني، "عدوليس".. "البطلسية"، زيلع/ الجبرتة (منها الجبرتي)/ الطراز.. العربية، "سواكن".."مصوع".."هرر".."زيلع".. محمد علي وأبناؤه. ومنذ الخمسينيات حتى بداية السبعينيات تصبح قوتنا الناعمة حاضنة/ قاطرة أخطبوطية، أبرز أدواتها.. 25 ذراعا لشركة (النصر للاستيراد والتصدير).

أذرع، لم تنبت من فراغ. هي تطوير لشبكة اقتصادية هيمنت على شواطئ شرق إفريقيا لآلاف السنين مع توابعها الحضارية والسياسية، أياً كان حاكم وشعار العاصمة. فإضافة إلى الحماية التاريخية لتدفق النهر المقدس أصبح لدينا قناة السويس التي يجب حماية مدخلها الجنوبي.

هاهو إسماعيل يمد الحدود حتى البحيرات العظمى، والخديوي يضم للقبه حاكم مصوع وسواكن وهرر وزيلع.. كلها موانئ. وتصبح إثيوبيا، منبع 85 بالمئة من مياه النيل وسط "حدوة حصان" تتبع القاهرة رسمياً.. مع علاقات ودية مع حكام أديس أبابا، غالباً وبوسائل عدة في قلبها الكنيسة القبطية.

مع التمرد (الثورة) المهدية تآكلت حدودنا الرسمية لتقتصر على مصر والسودان. دفعنا ما بعدها ثمناً لبريطانيا.. شرطاً للقضاء على تمرد (ثورة) المهدي.

بحثت جينات رجل الدولة عن حلول فكان شريان الاقتصاد عباس حلمي يوجه البنك الأهلي عام 1905 بإنشاء بنك الحبشة ليكون نواة بنكها المركزي، يصك العملة وينظم تداول السندات والمعادن في أديس أبابا. وحتى بعد تسليمه لحكومتها عام 1931 ظلت الجمعية العمومية للبنك الإثيوبي تُعقد في مقر البنك المصري حتى الستينيات. وطلعت باشا حرب رجل الدولة يؤسس فروعاً لبنك مصر في السودان ثم كينيا مع شركات تابعة له.

هي الجغرافيا السياسية تُجدد حلولها ذروتها منظومة سياسة خارجية غطت القارة السمراء بداية من منتصف الخمسينيات، لتشع بدعوات التحرر الوطني والاقتصادي والثقافي.

أسس عبدالناصر مكتباً للشئون الإفريقية يتبع رئاسة الجمهورية يقوده الوزير محمد فائق، وشركة النصر للاستيراد والتصدير يقودها "جوكر" المخابرات محمد غانم لتتغلغل بسلاسة داخل القارة، وتفتتح فروعاً لها في معظم عواصمها. أنشأنا صندوق الإعانات للدول الإفريقية بوزارة الخارجية وإدارة ضخمة لأعالي النيل وغيرها.

من أعالي النيل سيمر أحدث مشروع لسكك حديد إفريقيا، بتمويل من المؤتمر الإسلامي ودعم روسي صيني. الخط الذي يبدأ تنفيذه خلال ستة أشهر، يمتد بعرض القارة من بورسودان وجيبوتي عبر إثيوبيا وأوغندا حتى دكار على شاطئ الأطلسي، ليربط اقتصادياً بين 14 دولة، ليس من بينها القاهرة، ليذكرنا بشبكة اقتصادية مصرية كانت تغطي إفريقيا طولاً وعرضاً.

فالنصر للاستيراد والتصدير، التي بدأت بـ 50 ألف دولار و120 خبيراً كانت تمتلك عقارات ومعارض ومخازن ضخمة في مدن إفريقيا الرئيسية، وفق خريطة مدروسة بعناية لتُمسك بمفاصلها.

فُتحت أسواق إفريقيا أمام إنتاجنا، مخترقة الاحتكار الأوروبي. نواة النصر الأولى كانت شركتان في غانا 1957 ثم أوغندا وكينيا، وبحلول سنة 1967 أصبح لها 35 فرعاً خارجياً، 25 منهاً فى إفريقيا. عدد موظفيها وخبرائها أكثر من 3600، تستخدم 13 سفينة شحن أكثر من نصفها تزيد حمولتها على 6 آلاف طن.

عرفت أسواق إفريقيا منتجاتنا (ثلاجات وأقمشة وإطارات وبطاريات سيارات وأدوية وأغذية معلبة ودراجات وأثاثات معدنية وأجهزة تكييف وجرارات زراعية وغيرها) بعضها خرج من خطوط إنتاج خاصة تلائم الأذواق الإفريقية.

وكلما تحسن مستوى سلعنا سعراً وجودة ازداد إقبال الأفارقة عليها ومعها عقود لتطهير موانئ ولإنشاء طرق وفنادق ومطارات لا تزال قائمة. ومع كل عشرة ملايين دولار تعود إلينا، وفق أستاذنا الراحل "محمود عوض"، نخلق ثلاثة آلاف فرصة عمل جديدة، وفرص موازية لآلاف المدرسين والمهندسين والأطباء ومبعوثي الأزهر الذين تطلبهم دول إفريقيا بعقود مجزية.

مع الاقتصاد، تحركت القوى الناعمة مولّفة القلوب، آلة الإنتاج السينمائي تدور في كينيا وأوغندا والسودان. اتحاد كرة القدم الإفريقي تحتضنه القاهرة، وثلاث دول من مؤسسيه الأربع على مجرى النيل.

جامعات مصر تستقبل آلاف الأفارقة، بعضهم تعلم بمدارس مصرية بالسودان وأوغندا والحبشة، ومؤسسات ثقافية وملاعب ومنشآت في كل القارة، مازال بعضها يحمل اسم ناصر.. كجامعة غينيا الرئيسية. مدينة البعوث الإسلامية تستقبل الآلاف، والأزهر يُرسل بعثات ودُعاة إلي دولها. وكنيستنا تمد ذراعها الرعوي من الإسكندرية لإثيوبيا وإريتريا برعاية القاهرة وتناغم أبوخالد وأبونا كيرلس رحمهما الله وتقدست روحهما. فمن "بابا مصر" كان إمبراطور أديس أبابا ينال البركة.. ليحكم.

منظومة متكاملة، تخدمها منظومة إعلامية موازية، صحافة وتليفزيون كانا يسيطران على المنطقة كلها، و17 إذاعة موجهة لشعوب إفريقيا بـ13 لغة محلية، فضلاً عن الإنجليزية والفرنسية والعربية، ومعهد للإعلام الإفريقي يربي وزراء وقادة رأي.

خلال أيام سيبدأ بث أول فضائية إفريقية بالعربية باسم (القارة)، يُديرها إعلامي تونسي من جزيرة موريشيوس.. بتمويل فرنسي، بعد تجاهل "لانظام القاهرة" تنفيذ مشروع مماثل وضعه مصريون قبل سنوات بتفويض من وزراء الإعلام الأفارقة.

حين تحدث السادات عن أكتوبر كآخر الحروب، سأله صحفي غربي: ألن يحارب الجيش المصري ثانية. رد بعفوية: سأحارب إذا مُست حقوقنا في النيل. وقتها كانت إفريقيا معنا ضد إسرائيل ولم نكن نفكر ولا نحتاج إلى توجيه مدافعنا جنوباً. ففي ذات التوقيت تقريباً عام 1974 كان أديبنا الكبير بهاء طاهر يقف أمام دكان بدائي في أحراش كينيا، سأل البائع عمن يعلق صورته، أجابه باستنكار: "ألا تعرفه.. ذا فاذر أوف إفريقيا". بالطبع يعرف (بهاء) عبدالناصر. كنا الأب وحاضنة أحلام قارة فتمر مياهها إلينا بسماحة وتقدير.

لكن سياسات انكماش مصر في واديها الضيق، وغياب فكر رجل الدولة عن اللانظام الحاكم، أوصلها تدريجياً إلى زاوية الحلبة وظهرها للحائط، رغم تحذيرات لم تتوقف آخرها تقرير التنمية البشرية عام 1999 من حروب المياه، وقبله بعامين أولى جولات الاتفاق الإطاري الذي وُقع الشهر الماضي.

كان أمامنا 13 عاماً ولم نفعل شيئاً. فمع السادات أغلقنا مكتب الشؤون الإفريقية، ومع مبارك استغنينا عن مؤسساتنا الثقافية آخرها فرع جامعة القاهرة بالخرطوم، وصفينا معظم فروع شركة النصر واختفى مفتشو الري المصريون من دول الحوض وقيدنا تأشيرات دخول الأفارقة لمصر.

المحزن أن نسمع أول يونيه 2005 مستشار وزير التجارة الخارجية يقول "لدينا ممتلكات بمئات ملايين الدولارات في إفريقيا غير مستثمرة يمكننا غزو أسواقها بالحاصلات الزراعية والدواء ومواد البناء". بالطبع، مازال لأجهزتنا وجود "مؤسسي" موروث عن الستينيات، لكنها مُكبلة.

في "عار" صفر المونديال، اجتمع غياب المراحيض عن بنيتنا الداخلية مع تغيبنا عن القارة السوداء. هي أواني مُستطرقة من التفكك أفرزها لانظام لا يعي، أصلاً، معنى الدولة.

هكذا تآكل دورنا في إفريقيا، واختفت عوائد اقتصادية ومعنوية تكلفتها بالتأكيد أرخص من تكلفة الفوز باستضافة المونديال أو بمقعد دائم عن إفريقيا في مجلس الأمن. تكلفتها أرخص مما سننفقه لاستعادة هيبة أُهدرت ومن أي حرب قادمة.. ومن قطرة دم مصرية تُراق فيها.

شُلت أذرعنا.. ستتعافى، فالعنقاء تسترد عافيتها مع تجدد جينات دولتها.

m.taima.4@gmail.com