من التعجيل إلى التأجيل

على نحو استثنائي، بات صندوق بريد رئاسة المجلس الوطني الفلسطيني عامرا بـ"الصادر والوارد" بعد سنوات طويلة بدا فيها المجلس أشبه بصرح قديم يذكر بما غبر من أمجاد الثورة والنهوض الوطني الفلسطيني.

باكورة الرسائل جاءت من اللجنة التنفيذية تطلب عقد دورة غير عادية للمجلس وأشفعت طلبها باستقالات عشرة من أعضائها من بينهم رئيسها، كموجب لعقد الدورة.

وفيما كان "المطبخ الفلسطيني" يدفع باتجاه إعادة انتخاب لجنة تنفيذية جديدة، قالت رئاسة المجلس بأن هذا من اختصاص الدورة العادية ومن ضمن جدول أعمال متكامل، ودعت إلى عقد الدورة منتصف الشهر الجاري.

ومع ضيق الوقت المتاح والتهرب من تشكيل لجنة تحضيرية شاملة وانكشاف النوايا المبيتة وراء تسريع انعقاد المجلس، شهدت موضوعة المجلس وانعقاده تفاعلات فلسطينية وإقليمية نشطة كانت حصيلتها الإعلان عن تأجيل الموعد المقرر وعقد اجتماع أخر خلال ثلاثة شهور.

وبذلك يطل السؤال الشهير...ما العمل؟

نادرا، ما تنطبق أمثولة "الضارة النافعة" على الحالة الفلسطينية مع تكرار مسلسل إضاعة الفرص.

لكن يمكن القول في هذه المرة أن موضوعة المجلس الوطني الفلسطيني وانعقاده أصبحت في الواجهة، والنقطة الإيجابية الأولى أن التأجيل لم يصدر في خانة "إلى إشعار آخر".

وهذا يعني أن الحالة الفلسطينية أمام فرصة ليس من السهل تعويضها في جعل موضوعة المجلس مدخلا لتنفيذ قرارات الحوارات الوطنية السابقة ذات الصلة بمنظمة التحرير ومؤسساتها.

وبعد أن أكدت مجريات الأمور خلال الأسابيع القليلة الماضية، أن فك وتركيب الهيئات والمؤسسات الوطنية والجهوية أعقد بكثير مما اعتقده "المطبخ الفلسطيني"، يتضح أن المصلحة الوطنية العليا تستوجب القطع مع الحسابات الخاصة المحكومة بالهواجس.

وبالتالي التوجه نحو انعقاد المجلس الوطني بخطوات واضحة وجامعة. بدءاً من تشكيل لجنة تحضيرية شاملة لا تستثني أحدا. وهذه الصيغة - فقط - تصلح لأن تضع جميع مكونات الحالة الفلسطينية أمام امتحان الوحدة وإنهاء الانقسام - وبهذه الصيغة - فقط - تمتلك الشرعية الفلسطينية سلاحها الشعبي والسياسي.

وبهذه الصيغة أيضاً يكون الصدى الإقليمي العربي إيجابياً تجاه الحراك الداخلي الموحد لتصويب الوضع الفلسطيني الملبَّد بالأزمات المركبة. وربما من المؤشرات الإيجابية تجاه موضوعة المجلس الوطني أن الجهود لتصويب الدعوة لانعقاده لم تنحصر خارج حركة فتح بل كانت هيئات الحركة القيادية في موقف ضاغط باتجاه التصويب وعدم الانفلات باتجاه العبث بالمؤسسات والهيئات.

ولعبت في هذا المجال القوى والفصائل اليسارية والليبرالية دورا مؤثرا في كبح الانجرار نحو الزج بالمجلس الوطني بمعارك جانبية مدمرة على خلفية الحسابات الخاصة.

وإذا كان تشكيل اللجنة التحضيرية الشاملة مدخلا واجباً لانجاح أعمال المجلس، فإن اللجنة التنفيذية للمنظمة معنية - كاملة - بالاعداد - تحت إشراف التحضيرية - لعقد الدورة القادمة للمجلس بما يكفل نجاحه بدءاً من إعداد التقارير السياسية والاقتصادية والأمنية التي تضع المجلس في صورة المسار الذي انشغل عليه الفترة الماضية في مؤسسات منظمة التحرير والسلطة استتباعا.

وتظهير قرارات المجلس المركزي وخاصة في دورته الأخيرة ووضع "الوطني" أمام إجابات واضحة عن عدم تنفيذ قرارات "المركزي".

ومع توقف المجلس الوطني خلال السنوات الطويلة الماضية عن الحياة السياسية والبرلمانية تآكلت لجانه المتخصصة وبعضها اندثر تقريبا، ما يوجب إعادة انتخابها وتعزيز صلاحياتها.

ومن هذا المدخل يمكن تفعيل عضوية المجلس التي عاشت حالة أقرب من التقاعد (غير المبكر) لذلك فإن التوافق الوطني الجامع حول عضوية المجلس والآليات الضرورية لتجديدها مسألة هامة ربطا بالهدف الوطني من انعقاد دورته القادمة المفترضة.

هذا يعني أن الجهود التي بذلت ونجحت في تصويب الطريق نحو المجلس الوطني والأهداف المتوخاة من انعقاده، هي المعنية بالدرجة الأولى كي تدفع بقوة لتشكيل ورشة عمل وطنية بإسناد شعبي كي نتقدم على طريق حل إشكالات أهم المؤسسات الوطنية الفلسطينية وإعادة الاعتبار لدوره السياسي والتشريعي والرقابي.

وما يضع الأمر في خانة الانجاز في حال توافرت الإرادة السياسية تلك القرارات التي صدرت عن محطات عدة من الحوار الوطني الفلسطيني، لذلك، لا تبدأ الحالة الفلسطينية من نقطة الصفر في تصويب أوضاعها الداخلية مع انقضاء نحو عشر سنوات من الحوارات الشاملة.

في المقابل، لا نعقتد أن السكة مفتوحة تماما نحو تحقيق الهدف من اجتماع المجلس الوطني وتوفير عناصر النجاح لأعماله، حيث الخيارات السياسية واتجاهاتها هي ما يحدد التوجه نحو المؤسسات الوطنية والنظر إلى دورها ومدى فاعليتها في المشهد السياسي الفلسطيني.

لأن تفعيل هذه المؤسسات وانفتاح الأفاق أمام دورها الوطني لا بد أن يرتبط بانتهاج سياسات تعيد الاعتبار إلى البرنامج الوطني التحرري، وبدون ذلك، ستعود المؤسسات الوطنية إلى الانزواء والانطواء وتكرر تجربة السبات التي تتناقض مع الحد الأدنى من متطلبات مواجهة الاحتلال والتقدم على طريق تجسيد الحقوق الوطنية في العودة والاستقلال الناجز.

وبدون إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني التحرري ستدخل المؤسسات الوطنية في حالة من البطالة تتيح للمطابخ الصغيرة أن تنتعش على انقاض مبادئ الشراكة الوطنية والقواعد والأسس التي قامت بموجبها منظمة التحرير الائتلافية ومؤسساتها.وبدون ذلك، ستتصدر السلطة الفلسطينية وحدها المشهد السياسي مع كل القيود التي تكبل الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وتزيد من معاناته اليومية تحت الاحتلال.

مهام كثيرة ملحة على أجندة العمل الوطني لا يمكن انجازها على نحو جدي من غير إعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية وفي المقدمة المجلس الوطني وهيئاته المختلفة.

التأجيل خطوة متقدمة نحو الأمام، على أن تكون مدخلا واضحا لانعقاد المجلس الوطني قريبا بما يكفل بدء مسيرة الإصلاح في النظام السياسي الفلسطيني الذي تعقدت أزماته وبات يصدر "الجديد" منها مع استمرار الوضع على ما هو عليه.