من اعتصامات الأنبار إلى احتجاجات البصرة.. الطبقة الشيعية البيضاء تتهاوى

إحتجاجات المدن الشيعية اليوم جرح نرجسي لذات الاسلاميين الشيعة الحاكمين قبل أن تكون إنتفاضة على إدارتهم الفاشلة للعملية السياسية والخدمية في البلاد أو بالأحرى ليست جرحاً نرجسياً لذات الاسلاميين الشيعة الحاكمين فقط وانما لذات الطبقة الشيعية البيضاء برمتها تلك الطبقة التي تشكّلت على هامش الهابيتس الحكومي وتشاطرت مع نخبتها الشيعية الحاكمة هوس التشبّث بالسلطة حتى لو كانت على تلة من الأنقاض.

بقلم: سليم سوزه

هو رجل دين، ربما لا يملك وزناً يعتد به في الوسط الديني، لكنه تحدّث بشجاعة عما يدور في صدور بعض العراقيين. قال على موقع تواصل إجتماعي في معرض تعليقه على إحتجاجات المدن الجنوبية في العراق: "نؤيد التظاهر والمطالبة بالحقوق ولكن بشرط ألّا تؤدي الى إسقاط الحكم من الشيعة".

ليس بالضرورة أن يكون الرجل مستفيداً من نظام الحكم الحالي بالمعنى المادي للإستفادة حتى يتحدث بهذه اللغة، وأنما يخاف فقط من زوال ذلك الشعور العميق بالراحة النفسية الذي يوفره له انتماؤه للطبقة الشيعية البيضاء في البلد. أسمّيها طبقة شيعية بيضاء لأنها ذات سلوك سلطوي مشابه لسلوك البيض في مجتمعات الغرب، والسلطوي هنا ليس بالضرورة سلطة سياسية وإنما تعبير عن سطوة وهيمنة سوسيو-ثقافية تظهر في التفكير والخطاب والتحليل والممارسة وحتى في مظهر الإنسان وحركات يديه ورجليه. تلك التي يسميها بيار بورديو بالهابيتس Habitus، أي نوازع الفرد الداخلية وميولاته التي إكتسبها من بيئته الإجتماعية والتي يحاول توظيفها فيما بعد لإعادة إنتاج النظام الإجتماعي أو التأثير فيه بطريقة يفهمها هو وحده ومَن يشاركه ذات الهابيتس مهما تغيّرت الحقائق الإجتماعية على الأرض.

للهابيتس سطوة كبيرة على الفرد والجماعة لأنه يصمم المقدمات كلها بناءً على معطيات ثابتة لزمن إجتماعي معين، وبالتالي يصنع للجماعة طريقتهم الواحدة في التفكير وينتج لهم سلوكهم الموحد في التعاطي مع الحدث أو الظاهرة المراد تحليلها.

خمسة عشر عاماً على سقوط نظام البعث في العراق حاولت فيه الاحزاب الشيعية المهيمنة على السلطة ربط المصير الإجتماعي للفرد الشيعي بمصيرها السياسي. حاولت ذلك من خلال إستحضار السرديات التاريخية الكبرى وتوظيفها في الدفاع عن الدولة [أقرأ: شيعة] في مواجهة "المتمردين الحالمين بعودة المعادلة الصدامية السابقة". وإذا كان من السهل مواجهة إعتصامات الأنبار عام ٢٠١٣ — والتي بدأت سلمية ومنضبطة قبل أن يحوّلها عناد السيد المالكي وعجرفته الى عنف مسلح — بشعارات الدفاع عن الطائفة، ومن السهل أيضاً قمع احتجاجات ساحة التحرير ببغداد عام ٢٠١٥ بتأجيج العواطف الدينية تجاه "شلّة منحرفة من المدنيين والعلمانيين والملحدين"، فأنه من الصعب اليوم مواجهة احتجاجات المدن الجنوبية بذلك الخطاب التالف طالما أنها تنطلق من مدن العمق الشيعي هذه المرة.

إحتجاجات المدن الشيعية اليوم جرح نرجسي لذات الاسلاميين الشيعة الحاكمين قبل أن تكون إنتفاضة على إدارتهم الفاشلة للعملية السياسية والخدمية في البلاد. أو بالأحرى ليست جرحاً نرجسياً لذات الاسلاميين الشيعة الحاكمين فقط وانما لذات الطبقة الشيعية البيضاء برمتها، تلك الطبقة التي تشكّلت على هامش الهابيتس الحكومي وتشاطرت مع نخبتها الشيعية الحاكمة هوس التشبّث بالسلطة حتى لو كانت على تلة من الأنقاض.

ليس الصراع اليوم بين سلطة فاشلة وشعب مقهور فقط، ربما هذا هو المستوى الأول من الصراع بالتأكيد ولكنه لا يفسر كل الصراع العميق الموجود في المستوى الثاني من الصورة، وهو صراع طبقة شيعية بيضاء مع طبقة الملوّنين من مجتمع الشيعة ومجتمعات المكونات الأخرى في العراق. هذا المستوى الثاني من الصراع أشد خطورة وحدية من المستوى الأول لأنه لا يضع المواجهة في سياق سلطة وشعب بل يفتح ساحتها لصراع سياسي/إجتماعي/ثقافي بين فئة إجتماعية وأخرى داخل البلد الواحد. هو شكل من أشكال الطائفية لكنه لا يقع بين طائفتين مختلفتين هذه المرة وانما بين فئتين او طبقتين إجتماعيتين كالتي سمّيتها بالطبقة الشيعية البيضاء وأخرى بالملوّنة. ليس شرطاً أن تُحسَم الولاءات داخل كل طبقة من هذه الطبقات بالمال، على أهمية هذه النقطة طبعاً، ولا بالضرورة أن يعرف أفراد هذه الطبقات بعضهم بعضاً، وأنما هو الهابيتس الذي يجمعهم "بالريموت كونترول" على طريقة تفكير واحدة وتحليل واحد وصورة نمطية شائعة لا تتغير.

لا أعني بالطبقة الشيعية البيضاء نخبة الحكم الشيعية، وإنما أعني بها مجموعة شيعية أوسع ذات هابيتس واحد لا يظهر للعلن بسهولة إلّا حينما تُستَفَز وتعطي رأيها في حدث تراه ينال من نرجسيتها أو يهدّد مكانتها الإجتماعية. هذه طبقة لا تعني بالضرورة طبقة منتفعة من السلطة، بل قد تكون متضررة منها أيضاً كالطبقات الأخرى، لكن ما يجعلها تنال من الآخرين أو حتى تتعالى عليهم (بعلمها أو عدم علمها) هو وضعها النفسي المستريح مع الرواية الحكومية السائدة، الوضع النفسي الذي يعطيها شعوراً بالإمتياز الإجتماعي كالإمتياز الإجتماعي الذي يحظى به الأبيض في بلد تحكمه بشرة بيضاء. فمثلاً، ما الذي يجعل شيعياً يقيم في أميركا أو فرنسا أو المانيا أو غيرها من دول الغرب ولا تربطه بالسلطة الحالية في العراق وظيفة أو فائدة مادية معينة أن يوجّه ذات الإتهامات والشتائم التي توجهها الحكومة "للملوّنين المهمشين" المنتفضين على سوء الخدمات في بلدهم العراق؟ ما أنفك يصفهم بالمخربين والمندسين و"المطيرچية" أو "المكبسلچية"!

الطائفية بمعناها السائد ليست تفسيراً كاملاً هنا، لأن "المخربين" من الشيعة هذه المرة، فكيف يكون طائفياً مَن يقف ضد أبناء طائفته!

مشكلة الطبقة الشيعية البيضاء في العراق أنها مازالت تعتقد ان الزمن الإجتماعي واحد أنتجته مقولات ثابتة لا تتغير. لا تعي أن المجتمعات كيانات حركية بروح سائلة تتغير همومها وأهدافها بتغيّر الظروف الموضوعية المحيطة بها. لم تعد الحسينيات والزيارات واللطم ومقولات المظلومية الشيعية أشياءً ملهمة للجيل الشيعي الجديد مثلما كانت لجيل آبائهم وأجدادهم. كما لم تستطع "الخمينية" ولا حتى "السيستانية" إحتواء تطلعاتهم أو الإجابة على أسئلتهم الأشد إلتصاقاً بحياتهم الدنيوية اليوم من حياتهم الآخروية. هذا جيل العولمة والثورة التكنو-إعلامية، جيل تختلف محركاته الإجتماعية عن محركات "الجيل الرسالي" القديم، الجيل الرسالي الذي كان يرى في المرجع الديني حقيقة تتخطى كل الحقائق الأخرى. كان يرى في رجل الدين الأمل والخلاص من سلطة تمنع عنه "مفاتيح الجنان"، فيما يرى أبناؤهم اليوم نفس رجل الدين هذا عقبة أمام طموحهم المشروع في التغيير وإختيار حق الحياة في الدنيا كما يفعل أقرانهم في دولٍ أخرى.

إنها إنتفاضة خدمية نعم، لكنها ذات موقف سياسي صارخ بوجه الطبقة الشيعية البيضاء التي بدأت تخسر رصيدها في الشارع الشيعي الملوّن. طبقة بدأت تتهاوى فكراً ورمزاً أمام من تدعي تمثليهم. لم يعد يصمد خطابها القديم أمام رغبات الجيل الجديد لأنه ببساطة شديدة خطاب أنتجه وعي ظرفي لا علاقة له بهموم هذا الزمن وتطلعات شبّانه.