منْ ينتصر في معركة اليوم بالعراق؟

بقلم: ماجد أحمد السامرائي

المعركة السياسية الحالية بين القوائم الرئيسية الفائزة في الانتخابات الأخيرة ليست نظيفة لكونها تفتقد أدني معايير العمل الديمقراطي. وقد يقول قائل: هل من المعقول الحديث عن معايير ديمقراطية حديثة في بلد خارج من حكم دكتاتوري استمر لنصف قرن وأثقلت شعبه ثلاث حروب خلال عقدين آخرها حرب الاحتلال الأميركي التي ما زالت مستعرة على أرض العراق؟
ومع ذلك فما حصل خلال سبع سنوات الماضية هو صراع حاد ما بين القوي الدينية المذهبية المؤسسة للنظام الطائفي السياسي والمدعومة من إيران، وبين القوي الوطنية الليبرالية الناشئة والمدعومة من شعب العراق.
كان من الطبيعي أن تستثمر القوى الطائفية سياسياً الشحنة العاطفية لعموم البسطاء من الناس في جنوبي العراق وفراته الأوسط والمتمسكة بموروثها الشعبي المذهبي وهو حالة مقبولة عندما تبتعد عن التسييس الجائر، إلا أن تلك القوى حولتها ورقة للكسب السياسي السريع للقفز إلى السلطة عام 2005 وبدعم وغطاء فوقي اميركي هائل ولوجستي إيراني ارتبط بحملة دموية عنيفة ذات منحي طائفي توج بحرب التطهير الطائفي عام 2006.
التحول الجدي الذي حصل عامي 2009 وأوائل 2010 هو انكشاف قوة المشروع الطائفي وهزالته بسبب فضائح أدواته السياسية في الفساد المالي وإنغراق أطراف تلك الأدوات بمعارك الاستحواذ على المغانم عبر مواقع سلطة الحكم، وربط مصير العراق بالخارج وتخلي الجماهير الشعبية ونفض يدها عن تلك الأدوات السياسية التي عمقت المحن والكوارث وقننتها. الاحتلال ونيل السيادة لقد تورطت قوى الاسلام "الشيعي" بتبعيتها الاقليمية والدولية، وخصوصاً إيران التي استثمرت الفرصة لبناء نظام أمن قومي لها لم تحلم به منذ عهود أباطرة فارس.
في وقت كانت الحاجة الشعبية والتاريخية إلى قوي استنهاض وطني عراقي داعية إلى التحرر من الاحتلال ونيل السيادة وبناء النظام الديمقراطي الجديد. ولم تتمكن تلك القوي وخصوصاً "حزب الدعوة" الذي تسلم الحكم على يد المالكي بعد زميله في ذلك الحزب إبراهيم الجعفري من الاستجابة لمتطلبات مرحلة تأسيس نظام ديمقراطي آمن يعوض الناس عما لحق بهم من مآسي وكوارث سببها الاحتلال العسكري وبناء تحالفات منفتحة مع القوي الليبرالية الناهضة لا أن تقع تلك القوي فريسة مناهج الاقصاء وتهميش الجميع وتنفيذ حرب إبادة جماعية ضد البعثيين بما يشكلونه من حجم كمي ونوعي لا يستهان به تحت مسميات مسلسل "قانون اجتثاث البعث أو المساءلة والعدالة". علماً بأن الشريك الثاني والمهم لحزب الدعوة وهو المجلس الأعلى بزعامة آل حكيم لم يتصرف بتلك الطريقة العدائية المبرمجة رغم العلاقة المذهبية بطهران. فزعامته تقدم خطاباً متطوراً باتجاه قبول شراكة السلطة مع المكونات السياسية والاجتماعية الأخرى. اما التيار الصدري فهو الأكثر ديناميكية وشعبية بسبب الارتباط بزعامة الراحل محمد صادق الصدر من جهة، وشبابية قياداته رغم حداثة تجربته السياسية. ولعل من مفارقات العمل السياسي المحكوم بضيق دوائره الحزبية إن وصول المالكي مجلس الوزراء قد حصل بدعم هذا التيار الذي انقلب على قياداته وكوادره وزج غالبيتهم في السجون، مما جعله فريسة المناورات السياسية لصالح غريمه المالكي (إبراهيم الجعفري) وإذا ما تخلص هذا التيار من بعض المتطرفين والعدائيين والذين لديهم أجندات خارجية، ولما لديه من توجه عروبي أصيل مؤمن بالمقاومة ضد الاحتلال، سيكون له مستقبل موعود في بناء شراكة حكم وطني عراقي، حتى وإن وصف بأنه نسخة من حزب الله اللبناني، وهو وصف يحسب لصالح خصائصه الوطنية وخياره المقاوم الذي اكسب حزب الله تلك المكانة الشعبية الواسعة في ظل حالة الانكسار والانهيار العربي. إن هذه التجمعات المذهبية العراقية قد وقعت منذ بداية احتلال العراق ولحد الآن فريسة شهوة مغانم السلطة، حيث اصبح الوصول إلى منابع كنوزها يمر عبر مواقع الزعامة السياسية. مما يفسر خلافات تلك الأطراف ومعاركها الداخلية لدرجة انفراط عقود التحالفات غير القوية مثلما حصل للتيار الصدري وحزب الفضيلة أو الانشقاقات المتوالدة داخل حزب الدعوة آخرها خروج زعيمه إبراهيم الجعفري لكي تتوفر أمامه فرصة العودة الذاتية للحكم من نافذة آخرى، أو قفز الكوادر القيادية من هذا التنظيم إلى ذاك، وهي لا تتناقض أو تختلف مع إشتراطات "البيت السياسي الشيعي".
مع ما يمكن توقعه من سيناريوهات الانفراط من الأحلاف الداخلية المرتبطة برغبات خارجية ملحة وصارمة لتجاوز خلافات قسمة المغانم. إن هذا الاصطفاف السياسي حتى وإن وصلت أطرافه إلى هدنة مؤقتة لمواجهة الخصم الذي يمثله المشروع الوطني العراقي الذي تشكل "قائمة العراقية" حالياً عنوانه، قد وقع تحت طائلة استحقاقات فترة زمنية من بدء الاحتلال عام 2003 ولحد الآن بكل ما جلبته من محن ونكبات وكوارث وما زال شعب العراق ينزف تحت وطئتها، وإن التغطية على سجلها الدامي لا يقل إثماً عن أفعالها، وهو استخفاف بالضحية وضحك على أشلائها. ولعل كثر من الزعامات المذهبية الطوائفية "الشيعية" لكون "السنية" قد رسم لها هامشي إرتضته تحت وطأة الجوع للسلطة والجاه، بحاجة إلى هزة في الوعي والادراك السياسي والعودة إلى الوطن من خدر المغانم والعزلة، ولعلهم يستفيدون من التجارب الحية للعبة الديمقراطية سواء في بريطانيا التي حصلت بها إنتخابات كانت نتائجها شبيهة من حيث الشكل بما حصل في العراق مع الفارق الهائل بين سياسيي بريطانيا والعراق الحالي حيث حسمت نتائجها وشراكة السلطة برقي عال يبعث على الثقة بالديمقراطية الأصيلة. أو في تجربة لبنان حيث تزوره غالبية تلك الزعامات العراقية بصورتين سرية وعلنية ليس للاستفادة الايجابية من نتائج الحرب الطائفية الأهلية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وما خلفته أزمة المحصاصات الطائفية من نتائج يعاني منها الشعب اللبناني إلى أثبت قدرة هائلة على التمسك بقيم الوحدة الوطنية والاصرار على الحياة المدنية العصرية والتمسك بعروبة لبنان رغم إختلاف طوائفه. القوى الطائفية إن الاصطدام قد وقع في العراق اليوم بين مشروعي الطائفية السياسية والوطنية الليبرالية على سنارة نتائج الانتخابات، ومع إن القوى الطائفية كانت مستنفرة لجميع إمكانياتها وأدواتها المدنية والعسكرية للاجهاز على المشروع الوطني من خلال صناديق الاقتراع بدعم إعلامي ولوجستي هائل استهدف العناوين التي بلورتها نتائج الانتخابات "القائمة العراقية" وزعيمها أياد علاوي الذي فرضته الظروف ليشكل واجهة الطرف الوطني في هذه المعركة، حيث أربكت هذه المعطيات أطراف اللعبة الطائفية زائداً الأميركان والايرانيين. إن توصيف الصراع الحالي بأنه شخصي ما بين أياد علاوي والمالكي هو توصيف ساذج ومخادع يحاول إيقاع العراقيين بشرك الوهم والابتعاد عن جوهر الصراع السياسي الذي ابتدأ منذ الاحتلال في التاسع من نيسان 2003 رغم شراكة علاوي في سلطته، وتطور خلال سنوات المحنة الكارثية التي ابتلى بها شعب العراق. وإذا كان من أهم أسباب عدم سخونة الصراع وإنكشاف أطرافه بهذه الحدة التي نشاهدها اليوم، هو تبعثر وتفكك قوي المشروع الوطني واختلاف اجتهاداتها حول إدارة المنازلة "المركبة" بين مواجهة الاحتلال العسكري وتحمل مسؤولية السلطة التي أرادها المحتلون الأميركان وفق محاصصة طائفية يكون من يدعي تمثيل "الشيعة" أسيادها ووضع من يدعي تمثيل "السنة" في خانة "مص العظام" كما يقول المثل العراقي. حيث كانت الغلبة وللأسف لدى قطاع واسع من الأطراف والجهات العراقية لخيار مقاطعة السلطة لكونها في نظرهم "نتاج للاحتلال" مما وفر الفرصة التاريخية لزعماء المليشيات المدعومين من إيران الحالمة بالعراق، حيث لقي الشعب العراقي الصابر كوارث أمّر وأقسى مما نفذه الاحتلال البغيض. إن ما يحصل اليوم هو مرحلة متقدمة من الصراع والتي ينبغي حسمها لصالح أهل العراق. إن الاميركان الذين هندسوا وبنوا قواعد النظام الطائفي في العراق وسلموه لأدوات محملة بموروثات الكراهية والحقد والثأر من إفرازات نظام صدام السابق الذي أصبح عنواناً ملتبساً لحقد تاريخي طويل يخشى البعض من تأشيره على كل ما هو عراقي وعربي، يسعى البعض إيصاله وفق تلفيقات تاريخية لزمن النبوة المحمدية. وبخلاصة فالمشروع الكبير الذي يدار حالياً هو إلغاء العراق بكل مفردات هويته التاريخية والحضارية، وصناعة كيان مفكك بتوافق سياسي مصطنع بين الاثنيات والعرقيات محمياً من إيران، وفي جزء منه من أميركا، لا يحمل أية مقومات الدولة الوطنية العصرية، انه كيان ضعيف مخنث يقوم على الجهل والتخلف والفساد، لكنه يتبرقع بمظاهر زائفة من شعارات "الديمقراطية".
فهل يتوقع المواطن العراقي ممن قدموا هذا الحصاد المر خلال السنوات الماضية أن يتحولوا إلى منقذين أبطال لاخراج العراق مما هو فيه. ولهذا فاللعبة الحالية هي تصفية القوي العراقية الوطنية التي كشفت عن نفسها في الانتخابات العراقية بأدوات ووسائل وشعارات مستهلكة "الارهابيين والبعثيين وغيرها" وإذا ما تعطلت الماكنة الأميركية التي أنتجت هذه الشعارات عن فعلها بعد خروجهم من العراق، وقدمت العراق هدية للطائفيين ومشروعهم، فهناك شعارات جديدة جاهزة ستعطي لهذه القوى إذا ما حسمت أمر استحواذها مجدداً على السلطة، والإيرانيون بدأوا منذ أيام مثلاً بتنشيط الدعوات السابقة في ضغوط مسألة "التعويضات" وغيرها من شعارات النفوذ.
أما إذا تراجع الأميركان عن دعمهم الهائل لهذا المشروع التخريبي ولتقاسم النفوذ مع إيران ــ وهو أمر مشكوك فيه ــ فإن تلك القوى جاهزة لاستنفار إمكانياتها المضمومة ومن بينها ــ لا سمح الله ــ لإغراق العراق بحرب أهلية جديدة ــ إذا ما فشلت محاولات نزع "المشروع الوطني" من يد أياد علاوي، وتحويل كتلته إلى مجموعة عادية بعد تفكيكها إلى منابعها "الطائفية" عنوة، وهو خيار مصيري يواجهه أياد علاوي اليوم بعد أن وضعته الظروف اللوجستية للحالة العراقية في فوهة المدفع كما يقولون، وهذا يعني فشله وعزلته السياسية النهائية. وهناك فرصة جدية لإدارة المواجهة حتى وإن حملت بعض التضحيات، وقد لا يتحقق خلالها الانتصار المطلوب، إلا أنه الطريق الصحيح والموضوعي الذي أصبحت لديه مساحة ولاء شعبي واسعة ينبغي عدم خذلانها، لأن الاحباط سيؤدي إلى نتائج خطيرة، فالمعركة نوعية ما بين العراق الواحد المتجذر بأهله الاصلاء الشجعان الصابرين، وما بين الطارئين على العمل الوطني والخاضعين لمشروع تصفية العراق والقابضين لثمن خدماتهم الرخيصة.
قد يقول البعض بأن هذا التوصيف رغم منطقيته النظرية مبالغ فيه وهو أحلام بعيدة، وإن كيان "العراقية" غير مؤهل لإدارة هذا النوع من الصراع لأسباب بنيوية تنظيمية، ومن السهل اختراق بعض رموزها بالجاه والمال والسلطة. وإن ما يحصل هو لعبة حكم عابرة سرعان ما ستخبو تلك الفقاعات بعد استلام مجموعة الأحزاب المدعية تمثيل "الشيعة" الحكومة الجديدة وستتم مكافأة البعض تحت عنوان تمثيل "السنة". لكننا مؤمنين بأن العراق سيعود إلى أهله، والتضحيات الهائلة من قوافل الشهداء وتشريد الملايين وجيوش الأرامل واليتامى لن "يكون لها فم" كما قال شاعر العراق والعرب الكبير الجواهري، بل ستتحول إلى سيوف وحراب لهزيمة الظلام والشر عن هذا البلد العظيم. ماجد أحمد السامرائي