منْ يحمي المرأة الفقيرة؟

القاهرة
على هامش الحياة، وعليها ان تؤدي كل مسؤولياتها ايضا

من يحمي المرأة الفقيرة التي تبيع أكياس المناديل وثروتها التي قد لا تتجاوز بضع جنيهات؟ أو تلك التي تبيع الخضار في الشوارع الجانبية وأحياناً الرئيسية وغيرهما من البائعات الجائلات؟ أو هؤلاء اللاتي تعملن في الحقول في الأرياف حيث تؤكد الإحصائيات أن 47 % من النساء المشتغلات بالزراعة يعملن بدون أجر؟
إن الظروف الاقتصادية البالغة الصعوبة التي يمر بها المجتمع زاد من سوق عمل النساء الفقيرات اللاتي لا يكفل لهن القانون الحماية. وقد كانت هذه الحماية القضية الأساسية التي تشغل د.ثريا عبد الجواد أستاذ ورئيس قسم علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة المنوفية.
ود. ثريا عبدالجواد تخصصت في علم الاجتماع القانوني، وحصلت على رسالتها للماجستير في "الوعي الاجتماعي للمرأة المصرية"، وللدكتوراه في "التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وعلاقتها بالقانون" ولها العديد من الدراسات كلها مهمومة بقضايا المرأة ووجودها ومشكلاتها الحياتية.
حول النساء الفقيرات وما يواجهنه من مشكلات كان لنا معها هذا الحوار. د. ثريا .. ما هي القضية الأساسية التي تشغل ذهنك فيما يتعلق بالنساء الفقيرات؟ قضية التنمية بشكل عام للفئات المستضعفة والتي لا تحظى بنصيبها الكافي من الفرص الحياتية، وأخص هنا المرأة الفقيرة في الحضر والريف، لأن هذه الفئات تعاني وطأة الأوضاع الاقتصادية الصعبة ووطأة الإطار الثقافي التقليدي الذي يحكمها، ويكفي أن نشير إلى أن المرأة في ظل الأوضاع الاقتصادية الأخيرة كانت أكثر الفئات التي تأثرت سلباً بهذه الأوضاع وبالذات في سوق العمل، ويمكن رصد مجموعة من العوامل التي ساهمت في زيادة نسبة الفقيرات: أولاً، سياسة تحرير الزراعة بما تضمنته من آليات زادت من حدة الفقر في الريف المصري على نحو عجزت معه الأسرة الريفية الفقيرة بصفة خاصة التي تعولها نساء عن مواصلة تعليم بناتها وهو ما حول هؤلاء البنات إلى العمل كأجيرات لدي الغير، وثانياً، تقلص دور الحكومة والقطاع العام في التشغيل وهما المستوعب الأول التقليدي لعمالة النساء، وأيضاً الدراسات تشير إلى أن نصيب القطاع الخاص في تشغيل النساء يعد ضئيلاً جداً، وهذا أدى إلى وجود شرائح كثيرة من النساء تلجأ لسوق العمل غير الرسمي، هذه السوق التي تشمل العمالة العارضة والموسمية والمؤقتة مثل البائعات الجائلات وخادمات المنازل والعاملات بالزراعة وصاحبات المشروعات الصغيرة.
وتضيف د. ثريا: والمشكلة الرئيسية التي تشغلني وتواجه الغالبية العظمى من نساء مصر الفقيرات اللاتي يعملن في سوق العمل غير الرسمي أنه لا توجد حماية تشريعية لهن أو نصوص قانونية تكفل لهن الحماية من حيث الدخل أو الضمان أو التأمين الاجتماعي والعجز والشيخوخة وعضوية النقابات، وقانون العمل الوحيد المعمول به في نطاق سوق العمل هو القانون 137 لسنة 1981 ويحكم وينظم علاقة العمل التابع ولا يحكم علاقة العمل المستقل الذي يعمل فيه الشخص لحساب نفسه دون تبعية لصاحب العمل أو إشراف منه، لهذا فإن القانون يستثني فئات اجتماعية يضمها سوق العمل لا تحظى بالرقابة أو الحماية أو الضمان أو التأمين الاجتماعي وهي تضم هذه النسبة المرتفعة جداً من النساء. وما الصعوبة في الوصول إلي إطار قانوني يحمي هذه الفئات؟ الصعوبة تعود في المقام الأول إلى صعوبة تحديد صفاتهم القانونية بمعني أنها لا تنتمي إلى أي عمل مؤسسي يخضع للوائح والقوانين، ونتيجة للتغيير السريع في طبيعة المهنة التي يمتهنها في السوق فتارة بائعة خضار في أحد الأسواق أو الشوارع وتارة خادمة في منزل وتارة أجيرة في حقل وهكذا. وقانون العمل ماذا يقدم إذن للبائعات وعاملات الزراعية؟ أحب أن أوضع أن قانون العمل الذي يطبق في نطاق القطاع الخاص يحدد مواداً أساسية فيما تتعلق بحماية الأجر من حيث تحديد الحد الأدنى له والالتزام ووجوب دفعه كاملاً، وكذلك عدم تعرض العامل للانقطاع المفاجئ للأجر، وأخيراً عدم التمييز في الأجر بين الرجل والمرأة، ولكن ما يحدث في سوق العمل غير الرسمي وأغلبه من النساء الفقيرات يخالف كل هذه القواعد وخاصة في الأجر، فمن أن أجر العامل الزراعي يفوق أجر العاملة، وبالنسبة للبائعات الجائلات مثلاً فكثيراً ما تتعرضن للانقطاع المفاجئ لأجرهن نتيجة مداهمات الشرطة والبلدية لمزاولتهن نشاطهن في الأماكن غير المسموح بها. أشرت إلى النساء صاحبات المشروعات الصغيرة .. ما هي مشكلتهن؟ على الرغم من صعوبة حصول هؤلاء النساء على قروض نتيجة مطالبة البنوك والهيئات الاجتماعية لضمانات مشددة، ثم بعد ذلك صعوبة تسديد هذه القروض في مواعيدها، نتيجة عدم وجود تسويق وضعف القدرات التنافسية لهؤلاء النساء وحدوث خسارة غالباً ما تكون فادحة، الأمر الذي يترتب عليه عدم سداد القرض ومن ثم اتخاذ الإجراءات القانونية قد تدفع ببعضهن إلى السجن .. لذا فإن هؤلاء النساء في وضع شديد الصعوبة على الرغم من أن القرض اللاتي يقمن باقتراضه قد لا يذكر.
وربما كل ما أشرت إليه مسبقاً وراء دراستي المطولة عن "الحماية التشريعية للمرأة في القطاع غير الرسمي – دراسة تحليلية لقانون العمل" والتي تمت مناقشتها في المؤتمر الأخير للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وأنا أرى أن هذا الموضوع يحظى الآن باهتمام من قبل الدولة لكن هذا الاهتمام لابد أن يترجم إلى واقع عملي يخدم مصالح هذه الفئات الفقيرة من النساء. د.ثريا.. من وجهة نظرك و بشكل عام ما المأزق الأكثر خطورة الذي تمر به المرأة المصرية الآن؟ المأزق لا تتعرض له المرأة وحدها وإنما يتعرض له الكيان الاجتماعي بأكمله، وهو مأزق ذو طبيعة مزدوجة، بمعني أن الكيان الاجتماعي تتهدده أزمات منها ما يرتبط بالسياسة والاقتصاد إقليمياً وعالمياً، وأيضاً غياب مشروع حضاري للنهوض والنمو.. أزمة اقتصادية طاحنة تؤدي إلى تدهور في القيم والأخلاق وفساد اجتماعي وانهيار الكثير من الفئات الاجتماعية بما يستحيل معه مواجهة الحياة اليومية، وربما يقع العبء الأكبر على الفئات المهمشة في المجتمع كالنساء والأطفال. كيف ترين الوعي الاجتماعي للمرأة المصرية الآن قياساً بالوعي الذي رصدته في أوائل الثمانينيات في رسالتك للماجستير؟ رسالتي للماجستير كانت حول "الى أي حد تدرك المرأة أو تعي أوضاعها وقضاياها الاجتماعية المختلفة"، وكانت دراسة مقارنة بين نساء من مستويات اجتماعية وثقافية وتعليمية مختلفة، وقد خرجت بوجود تباينات بين النساء موضوع البحث فيما يتعلق بقضاياهن الخاصة. أما فيما يتعلق بالقضايا العامة فلا توجد فروق تذكر بين وعيهن وذلك نتيجة وجود ما يسمى بالوعي العام الجماعي الذي تلعب فيه الطبقة المسيطرة دوراً كبيراً من خلال وسائل الإعلام، حيث تشكل وسائل الإعلام الوعي العام لأبناء المجتمع، وهذا الوعي غالباً ما يرتبط بتوجهات ومصالح هذه الطبقة المسيطرة. أما الآن فهناك قدر من التباين بين الفئات الاجتماعية المختلفة فيما يتعلق بالوعي العام وذلك نتيجة ثورة الاتصالات، هذه على الرغم من أن وسائل الإعلام القومية لا تزال تقوم بنفس الدور من تشويش الحقائق المرتبطة بمصالح الفئات الاجتماعية المختلفة وخاصة الفئات الفقيرة غير القادرة على الاطلاع ورؤية وسائل إعلام متعددة. محمد الحمامصي - القاهرة