منْ ضحية منْ؟

بقلم: د. محمد جمال حشمت

التبست علينا الأمور و أصبح الانسان في أوطاننا حيرانا هل هو مظلوم أم ظالم؟ هل هو الضحية أم هو الجاني؟ هل هو المسئول عما يجري له أم غيره؟ كلها أسئلة تنبع من واقع لم يفرق بين الحق والباطل ولم ينصف المظلوم ولم يأخذ على يد الظالم! واقع تجاوز حدوده ولم يلتزم بحق أو عدل أو مساواة فنتجت عنه الحيرة ! التي حذرنا منها الإسلام ونبي الإسلام صلي الله عليه وسلم في آخر الزمان حتى أصبح الحليم حيرانا !
فلاشك أن أنظمة الحكم في بلادنا جنت على شعوبها وأخرجتهم من إطار الكرامة الانسانية التي تتمتع بحريتها وإطار المعيشة الكريمة التي تتمتع فيها الشعوب بثرواتها التي منحها الله إياها أي أن حكامنا بامتياز قذفوا بنا في منظومة الخوف والجوع وهما علامات ومحددات الحياة الآمنة التي ذكرها رب العزة في قوله تعالي "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" صدق الله العظيم.
إذن نحن الشعوب من ضحايا حكام الفساد الذين جعلوا البحث عن لقمة العيش مأساة ومن حماية النفس ملهاة ومن تحصيل الحقوق بيسر أزمة بل أزمات، وأحالوا حياتنا الى مسلسل من الجباية إقتصاديا ومن الغواية أخلاقيا ونفذوا ذلك في إطار من العنف والبلطجة وغياب القانون وهو ما شجع البعض من الشعوب على سلوك أخر كنا فيه نحن الشعوب من الجناة لا من الضحايا !
فالقهر الذي يمارسه البعض منا في بيته على زوجته وأبنائه مهما كانت دوافعه أو مبرراته لهو من الظلم الذي نهانا عنه الاسلام الذي أمرنا فيه بالشورى كي تبقي الأسرة هي الشراكة المؤسسة لمجتمع ووطن قوي لا يقبل الظلم أو الاستبداد ! وكذلك العنف الذي يملأ حياتنا بيننا وبين بعض في المعاملات أو في المؤسسات كالمنزل والمدرسة لهو من البلاء الذي ابتلينا به في هذا المناخ الذي جعل للقوة مكانة وصار اللجوء فيه للحق مهانة !
الكذب والمبالغة والتعسف والتغابي والصلف والكبر والنفاق والانسحاق صارت مفردات التعامل اليومي فيما بيننا بعيدا عن معاني الصدق والشهامة والتواضع والتراحم الواجبة في حق أبناء الوطن الواحد وهو ما يسعد المتحكمين في رقاب العباد في مصر بل ويشجعون على انتشاره تمكينا لهم في البقاء وكما نكون يولى علينا!
على مستوي الأوطان يقبع حكام الوطن العربي في سجل الجناة على شعوبهم وبالتبعية أصبحوا ضحايا لنظام دولي وظفهم في خدمة أهدافه ومشروعه وهم لاشك يستحقون ما هم فيه وتبقي خطوط العلاقات بين الأنظمة العميلة والقوي الدولية مشدودة تارة في اتجاه العملاء طالما كان الضحايا من الشعوب وتارة أخري في اتجاه الهيمنة الدولية إذا ما طالت الأخطار أحد المشروعات الأقليمية أو الأفراد المتواطئون مع النظام العالمي! وهنا تظهر أسلحة من نوع جديد على العالم برع فيه أهل الغرب بما يملكون من رحابة في عالم الأفكار وحرص على حقوق الانسان فيما بينهم وإصرار على الريادة الحقيقية منها السلاح الإعلامي وسلاح حقوق الانسان وسلاح العدالة الدولية وصار الجميع هنا ضحايا لتلك الأسلحة حتى من شاركهم منا في منظمات المجتمع المدني المهتمة بحقوق الانسان ورغم تبنيهم لأجندة الغرب في نظرته لحقوق الانسان والتي يتعارض بعضها مع قيم وأعراف مجتمعاتنا وللأديان فيها القول الفصل خاصة أن الدين أحد مكونات هذه الشخصية في تلك المنطقة ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهله! لذا أتعجب من هذه المنظمات التي تجزئ مهمتها حسب الصوت والتيار الأعلى! ورغم صداقتي لكثير من القائمين على هذه الجمعيات إلا أن الحق يستلزم منا العمل على فتح أبواب الاستقلالية لهذه المنظمات حتى تصبح الإرادة الحرة هي الفاعل الرئيسي عند تناول حقوق الانسان في بلادنا والكلمة الصادقة هي التي تنحاز لحرية الأفراد وحرية الأوطان.
ولعل مثال فتح التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري في لبنان هي أوضح الأمثلة على ما أذكر حيث بعد كل هذه الأعوام من التحقيق والقرارات الدولية وكل هذه الضغوطات لم يقدم واحد للمحاكمة بينما تغيرت الخريطة السياسية وتوازن القوي في المنطقة تحت ابتزاز العدالة الدولية!
المثال الآخر هو تقرير المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس السودان عمر البشير وقد كتب فيه عمالقة القانون وفقهاء العدل بما فيه الكفاية توضيحا للسوابق التي أهدرت استقلال القضاء في أميركا وبلجيكا وفرنسا وإسرائيل وهو ما يدعيه البعض سببا لعدم تقديم مجرمي الحرب منهم الذين ثبت تورطهم في جرائم ضد الانسانية والتطهير العرقي و الاغتصاب الجماعي كما حدث في العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان والصومال ويمكن مراجعة مقالتي الدكتور سليم العوا في "المصري اليوم"، خاصة وأن المدعي العام نفسه ليس فوق مستوى الشبهات فقد اتهم في قضية تحرش واغتصاب كما أورد الأستاذ جمال سلطان في مقاله منذ أيام على "المصريون".
لاشك إننا نقف في الغالب مع الضحايا من شعوبنا وفي النادر مع حكامنا خاصة عندما يكون في كل مرة الحاكم ممن قال لا للهيمنة والإجرام الدولي ضد عوالمنا العربية والاسلامية المستضعفة! لن يقبل أحد أن يكون القضاء الدولي أو العدالة الدولية هي الحلقة الأولي في عودة الاحتلال لبلادنا ! ولم ولن يكون الهدف من الموقف الرافض لتسليم البشير حمايته الشخصية أو حماية أي حاكم عربي أهدر حقوق شعبه وابتعد عن التصالح مع أبناء وطنه في الوقت الذي يحتضن فيه أعداء الوطن والدين و يطبع معهم العلاقات معهم في الوقت الذي يعادي أبناء جلدته ويطاردهم ويغلق أمامهم منافذ الحرية والعيشة الكريمة! لابد أن نعي أن الهدف هو السودان الحلقة الأهم في أمن مصر القومي وليس البشير ومن يتجاهل ذلك فهو مع الجناة وليس في صفوف الضحايا!
لقد اختلط الحابل بالنابل حقا ودور العقلاء والنخب المحترمة المحبة لقيم العدل والحرية والمساواة التي رفع الاسلام من شأنها أن توضح الفوارق وتبين الحدود الفاصلة بين الجناة والضحايا وهي شهادة حق لا يجوز لأحد منهم أن يتأخر عن الشهادة بها ولكي ندرك أن جزءا كبيرا مما أصابنا من بلاء وابتلاء نحن شركاء في صنعه بالصمت أو بالمشاركة وصدق الله العظيم "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" صدق الله العظيم. د. محمد جمال حشمت g.hishmat@gmail.com