منعطف السودان الجديد، أعياد الثورة، أعياد السلام، وملامح الانقسام

بقلم: سعيد مبشور

تزامن الإفراج عن الزعيم الإسلامي المعارض حسن عبد الله الترابي، مع احتفال الخرطوم بالعيد 16 لثورة الإنقاذ الوطني، التي كان الترابي أحد أبرز مهندسيها، ورافق هذا الإجراء عدة خطوات على المستوى الحقوقي والسياسي والاجتماعي، فقد قرر الرئيس عمر حسن البشير إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين، ورفع حالة الطوارئ المفروضة على البلاد باستثناء إقليم دارفور والمناطق الشرقية في ولايات البحر الأحمر وكسلا، والإعلان عن مجانية العلاج فيما يخص بعض الأمراض المزمنة للمواطنين عديمي القدرة على دفع التكاليف وفي الحالات المهددة للحياة. وحدد الرئيس البشير أيضا في خطابه في الساحة الخضراء بالخرطوم بمناسبة ذكرى ثورة الإنقاذ، تاريخ التاسع من يوليوز الجاري، موعدا لتوقيع الدستور الانتقالي، والإعلان عن التشكيلة الرئاسية الجديدة، مشددا على الإشادة بكل من الحركة الشعبية برئاسة جون قرنق، والتجمع الوطني برئاسة محمد عثمان الميرغني، وجهودهما من أجل الوصول إلى توافقات حول القضايا الكبرى للسودان.
الترابي، زعيم حزب المؤتمر الشعبي الذي رفع عنه الحظر وتسلم قياديوه مفاتيح داره، انتقد فور خروجه وبصورة لاذعة، صياغة الدستور الانتقالي، واعتبره مجرد "صفقة بين طرفين"، كما انتقد الأداء السياسي لقيادة الحركة الشعبية وانسياق تنظيم جون قرنق وراء السلطة، واستعرض الترابي ملامح الوضع الحقوقي والتضييق على الحريات في السودان ، مع غياب الأمن واستشراء الفساد، وطالب برفع القيود المفروضة على الصحافة وفرض الرقابة على السلطة التنفيذية. ولم يخف الترابي الذي كان محاطا بالمئات من أنصاره وبحضور حليفه في المعارضة زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي ونجليه عبد الرحمن ود. مريم، وجود اتصالات بين حزبه وبعض حركات التمرد في دارفور، مشيرا إلى ضرورة التوصل إلى حلول معها. وفي تصريح هاتفي خص به موقع قناة العربية على الإنترنت، وصف حسن الترابي القضاء السوداني بأنه غير مستقل، وأبان عن تأييده لمحاكمة المتهمين في جرائم ضد الإنسانية في دارفور من قبل محكمة العدل الدولية بلاهاي، مشددًا على أن حزبه لن يشارك في الحكومة الجديدة في بلاده المتوقع تشكيلها في الأيام القليلة القادمة، ومبرزا أن الإفراج عنه تم دون أية شروط مسبقة، وإنما جاء نتيجة لضغوطات خارجية واقعة على العالم العربي بأسره.
حدث الإفراج عن الترابي الذي رحبت به مختلف الحركات الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي تزامن أيضا مع سياقات محلية ودولية متعددة، لعل أهمها الضغط الدولي والأممي المتصاعد على السودان، والتهديد بحسم صراعه الداخلي عن طريق التدخل القانوني الدولي، خصوصا أمام فشل الحكومة السودانية في تحقيق أي تقدم على مستوى مسار السلام، ومحاسبة المسؤولين عن أحداث دارفور أو الإحاطة بها كما تم في الجنوب على شاكلة اتفاق نيفاشا، وفشل الاتحاد الأفريقي والوسطاء العرب حتى الآن في إقناع مختلف الأطراف بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ، و يضاف إلى ذلك التخوف من كابوس التدخل الأجنبي ولو بداعي الحماية الإنسانية لضحايا كوارث وحروب ومجاعات في بلد غني بمقدراته الطبيعية وموقعه الجيوسياسي كمنفذ للعبور إلى مجاهل إفريقيا، إضافة إلى أنه هدف رئيس في خارطة مهندسي مشروع الشرق الأوسط الكبير، مع ما عرفته العلاقة بين الخرطوم وواشنطن من شد وجذب، تراوح بين الصدام العسكري وفرض العقوبات والحصار الاقتصادي، إلى التعاون في المجال الاستخباراتي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وانتهاء بالرغبة التي أضحت تبديها الولايات المتحدة في تقسيم السودان وفق رؤية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى فرض النظام الفيدرالي وتداول السلطة على الأساس العرقي والنزعة الطائفية، ناهيك عن التنوع الذي غدا الآن كبيرا في مستويات الصراع داخل هذا القطر الجريح، حيث تظهر باستمرار حركات التمرد في مختلف مناطق البلاد.
هذا الوضع أكسى صعوبة بالغة على مسألة اقتسام وتداول السلطة، ونتج عنه بالتأكيد ارتباك واضح فيما يخص مشرع الدولة السودانية، وقد أتى الرد الصارم للرئيس عمر حسن البشير على مقترح محاكمة دولية للمسؤولين عن أحداث دارفور كمجرمي حرب، محاولة منه لسد الطريق أمام سعي أطراف عديدة وفي مقدمتها الولايات المتحدة لتقويض الدعائم البنى الاجتماعية والسياسية للسودان، وتأزيم وضعية النظام الحاكم على المستوى المحلي والدولي، والدفع به إلى التخلي عن مشروع ثورة الإنقاذ لصالح مشاريع التفتيت والغرق في دوامة التناحر الإثني والطائفي.
إن محو آثار الارتباط السوداني بالإرهاب العالمي لدى المنظومة الدولية، وتراكم الأزمات على بلاد النيل الأزرق، هو ما حدا بحكومة الإنقاذ إلى التنازل ولو جزئيا لقوى المعارضة على اختلاف أطيافها، وعقد اتفاقات سلام مع أطراف كانت إلى وقت قريب بعيدة كل البعد عن حسابات صناع القرار، في خطوة لاحتواء تدخل أمريكي مفترض، قد يؤدي إلى إنهاء مشروع ما فتئ يصارع من أجل تحقيق الاستقرار، ولعل الغطاء المادي واللوجيستي الذي وفره الطرف الأمريكي لحركات التمرد، والحوار الجاري بين واشنطن والحركات الإسلامية السودانية، قد يخلق كثيرا من الخلخلة، في نظام يرفع ابتداء شعار الإسلام كمنهج حكم ونظام حياة، وقد يفضي في حالة تقدمه إلى نزع الرداء الديني من جسد السودان، وتفسيخ هويته، وإحلال واقع جديد لن يكون سوى نسخة أخرى تريدها الولايات المتحدة لدولة ديمقراطية الإسم والرسم، تغرق في وحل انفلات أمني وسياسي واجتماعي قد لا ينتهي، وتصب أنابيب ثرواتها في براميل الشركات الأمريكية وأرصدتها.
ويبقى السؤال، هل بإمكان إجراء مثل الإفراج عن الترابي وحزبه، أن يخفف وطأة الأزمات على حكومة الإنقاذ؟ وهل يتجاوز النظام في السودان صورة الحكم الشمولي التي طبعته طوال فترة توليه مقاليد الولاية؟ وهل يستطيع السودان الاستفادة من اتفاقات السلام من أجل تطوير الاتجاه نحو التماسك والوحدة الوطنية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ربحا للوقت، قد لا يفعل غير تأجيل الانفجار في عبوة السودان الجديد. سعيد مبشور -كاتب مغربي
الدار البيضاء mabchour@myway.com