منطق من لا منطق له: أيهما أرحم بشعوبنا، الاستعمار أم الأنظمة؟

لندن
نار الاستعمار

أيهما أرحم بشعوبنا: الاستعمار أم الأنظمة؟ هذا السؤال كان موضوع حلقة برنامج "الاتجاه المعاكس" الذي تبثه الجزيرة وطرحه فيصل القاسم على جمهور القناة كموضوع استفتاء ومفاضلة بين الاستعمار والحكام العرب.
السؤال لا يقبل إحدى إجابتين لا ثالث لهما (الاستعمار) أو (الحاكم العربي) وهو بذلك يخالف أبجديات الاستفتاء.
والمؤسف هو أن هذا السؤال يتزامن مع مذكرة رفعها البرلمان الجزائري لسن "قانون يُجرم الاستعمار الفرنسي" الذي قتل مليون ونصف مليون جزائري في سبعة سنوات فقط. من 1954 إلى 1962. والحديث هنا لا يشمل القتلى الجزائريين قبل ذلك، أي من 1830 منذ احتلال الجزائر إلى غاية عام 1954. وهي فترة تناهز قرن وربع قرن من الزمن، سالت فيها دماء الجزائريين أنهارا. أهمها أحداث 8 ماي 1945، التي قتل فيها 45 ألف جزائري في سبعة أيام فقط، في مجزرة رهيبة يندى لها الجبين.
وهناك من يقدر عدد القتلى الجزائريين طيلة فترة الاستعمار الفرنسي في الجزائر بسبعة ملايين. وأخر الأخبار التي وصلتنا هذه الأيام وطالعها العالم كله، هو استخدام جزائريين مصلبين على الأعمدة كفئران تجارب في تفجيرات نووية في صحراء الجزائر من قبل الاستعمار الفرنسي.
ومهما قيل أو لم يقال حتى الآن عن ذاك الإجرام فإنه لا يجد توأما له في التاريخ الحديث إلا ما شهده العالم من فتك وإجرام النازية. لأنه يتطابق معها في كل ملامحها من عنصرية وقسوة وإبادات جماعية.. اليوم فرنسا مدانة بقرائن وأدلة عديدة في الجزائر ومن قبل الفرنسيين الأحرار أنفسهم.
بعد كل هذا يأتي من يحاول أن يسقط تجربة الاستعمار المريرة على ظلم الأنظمة العربية اليوم، المشكل ليس في انتقاد الأنظمة العربية التي تشترك جلها في ظلم شعوبها وتتباين من جهة أخرى في درجة قسوتها وإجحافها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وهو الأمر الأكثر حساسية في الموضوع هو ربط الموضوع بطلب الاعتذار من المستعمر، وتجريمه. وهي إشارة غير بريئة لتشبيه النظام الجزائري اليوم بمستعمر الأمس، وهي مفارقة عجيبة لا تستحق حتى المناقشة، لأنها تنم عن حقد غير مبرر على النظام الجزائري بكل ما يحمله من عيوب. لكنه أحسن من عدة انظمة عربية خلد حكامها على كراسيهم. وهم يستعدون للتوريث! هل منع الحصول على مكتب لقناة الجزيرة بالجزائر هو السبب؟ الجواب يعرفه بالطبع أصحاب سبر الآراء المزيف.
أقول أنه مزيف، ليس لكونه موجه فحسب، بل لأنه طرح على الانترنت، ومن يجيب عليه هو من جيل الانترنت، هؤلاء لا يمكنهم الحكم على حقبة لم يعيشوها. ولا يعرفون إلا القليل عنها، بسبب تقصير الآباء والساسة في نقلها لهم وغرسها في عقولهم، حتى تكون جزء من كينونتهم الثقافية الوطنية.
استفتاء يفتقد للنزاهة لو دققنا في الجانب الفني واللغوي للسؤال كذلك، فإننا نجد عدة مآخذ، أولها انه لو طرح على أساس علمي، لكان من المفروض أن يكون: من هو أقسى وأظلم للشعوب العربية، الاستعمار أم الأنظمة؟ وكان الجواب يحتمل أكثر من إجابتين: (الاستعمار، الأنظمة، لا فرق بينهما..) هذا أقل شيء. فلا يمكن أن نتكلم عن الرحمة في ظل الاستعمار. أما الأنظمة العربية، فهي تختلف من نظام إلى أخر. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نشبه نظام بوتفليقة الذي يطالب بتجريم الاستعمار في الجزائر ببعض الأنظمة العربية التي خلدت في الحكم رغم الفشل الذريع في أدائها. وهي اليوم تشهد تردي خطير في الحريات والحقوق الإنسان داخل سجونها وفي مخافرها.

الشيء الذي يلفت الانتباه أيضا، ويمتعض له كل غيور على بلده وتاريخه هي تلك المحاولة البائسة من هؤلاء لتصوير الاستعمار في حلة زاهية. وكأن الشعوب العربية تحن إلى ذلك الماضي التعيس المليء بالمآسي والأحزان والاستعباد والنهب لثرواتها.
أدهشني المعارض الليبي ضيف برنامج الجزيرة، وهو يدافع بشراسة عن إنجازات الاستعمار الفرنسي في الجزائر متناسيا بأن ما نهبه الاستعمار من الجزائر طيلة قرن وثلاثين سنة من خيرات وكنوز لا يعادل ما بقي فيها قيد أنملة بعد الاستقلال. وتناسى أيضا أن ما بني كان للمعمرين (الكولون) في المناطق التي استحوذوا عليها في العاصمة والمدن الكبري. وبنوا ذلك بخيرات الجزائر وبسواعد جزائرية من الذين أستعبدتهم فرنسا. حقيقة نحن أمام إعلام سفيه يملك الوسيلة ويفتقد الرسالة.
لماذا هذا التشكيك في الوقت الذي تظهر فيه بوادر وطنية صادقة! هل مطالبة دول تملك تاريخا إجراميا في حق شعوبنا، بالاعتذار عن جرائمها وبالتعويضات، ويصدر ذلك من قبل خيرة أبناء الأمة في البرلمان الجزائري أو غيره كان يجب أن يقابل بهذا التزييف والتحريف للحقائق! ألم يكن ذلك رد فعل على ما أقدمت عليه هذه الدول من سن قوانين تمجد جرائمها في حق أجدادنا!، وهو ما حدث مع سن قانون فرنسي في فيفري 2005 يمجد الاستعمار في الجزائر وتونس والمغرب وسوريا؟
لماذا تفزع اليوم بعض الأبواق الإعلامية عندنا التي تبحث عن الاثارة، لتفرغ جم غضبها وانتقاداتها على أنظمتنا. لأنها أقدمت على شيء هو أحسن وأفضل ما أقدمت عليه في الماضي والحاضر؟
إن مسعى البرلمان الجزائري لتجريم فرنسا وما قامت به في الجزائر لا يمكن أن يساوم عليه لا من قبل فرنسا، ولا من قبل من يخدم ويدافع عنها على واجهات إعلامية، تلك الواجهات تسقط موضوعيتها في أعيننا لمنطقها المعوج، وإذا كانت حريصة على حقوق الإنسان وحريات المواطن العربي، فلتبدأ من مكان تواجدها بنقد ولاة نعمتها. لا من الجزائر التي بدأت تشهد بصيص النور؟ ولنكن أصحاب رسالة أولا نكون.