مناقشة سجالية لبعض فرضيات السياسة الفلسطينية

بقلم: ماجد كيالي

يطيب للخطاب السياسي الفلسطيني السائد في السلطة والمعارضة، التركيز على السياسة اليومية، بما في ذلك سياسات إسرائيل، والخلافات الفصائلية، وإشكاليات عملية التسوية، والتأثيرات والمداخلات الدولية والإقليمية بالشأن الفلسطيني.
وبغض النظر عن أهمية هذه القضايا، فإن استهلاكها للخطاب المذكور، على حساب غيرها من القضايا الاستراتيجية، يبدو بمثابة محاولة لتغطية التحديات الفعلية، وحجب الأسئلة الحقيقية، التي تطرح نفسها على هذه الساحة، ربما للتملص من المسؤولية تجاهها، أو للتورية عن عدم القدرة على مواجهتها.
ولعل واقع الساحة الفلسطينية اليوم، بما آلت إليه من استقطابات وخلافات وانقسامات، وصلت حد الاحتراب الداخلي، يعبر عن هشاشة الحركة الوطنية الفلسطينية، واستهلاكها لأوضاعها وبناها وشعاراتها، ويعرّي عديد من الفرضيات التي قامت أو تأسست عليها هذه، ويكشف تواطؤ الطبقة السياسية السائدة فيها، على اختلاف مشاربها وتوجهاتها وخطاباتها، مع هذا الواقع.
اللافت أن الخطاب السياسي الفلسطيني السائد استمرأ التعاطي مع كثير من القضايا بوصفها فرضيات أو بديهيات، من دون تفحّص اشكالياتها ومن دون التمحيص في تحولاتها، وهو ما يمكن ملاحظته في المجالات التالية:
1 ـ وحدة الشعب الفلسطيني. فعلى رغم مركزية هذه الفرضية، وأهميتها، فإن واقع الحياة السياسية للفلسطينيين يشي بتجاوز، أو بطمس، مقصود لهذه المسألة بمعطياتها وتحولاتها واشكالياتها، وبمآلات حلها المختلفة. هكذا فثمة صعوبة في تعيين كيفية قيام الطبقة السياسية السائدة بتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، وتعميق إدراكه لهويته ووحدة نضاله ومصيره المشترك.
المشكلة أن الحركة الفلسطينية، التي تجاوزت (أو تجاهلت) لأسباب مفهومة نوعا ما واقع فلسطينيي 48، من دون أن تفتح الآفاق لنوع من مسار سياسي يعيد التلاقي بهم مستقبلا، عبر شعارات مثل "دولة ثنائية القومية"، أو "دولة لمواطنيها"، أو "دولة ديمقراطية علمانية"، أو "دولة كونفيدرالية"، فإن هذه الحركة غضت النظر، أيضا، عن كيفية إسهام فلسطينيي الأردن في العمل الفلسطيني، وهي بدورها لم تفتح المجال لخلق معادلات مستقبلية، تفضي ربما إلى نوع من المستقبل الواحد، للكيانات السائدة في المنطقة، في إطار رؤية معينة من التطور السياسي والاجتماعي فيها. والملفت أن الطبقة الفلسطينية السائدة، على اختلافاتها، باتت تتعامل مع الواقع الفلسطيني باعتباره متجسدا في الضفة والقطاع، مع كل الاحترام للحديث "الفولكلوري"، عن اللاجئين، والذي لا يجد تمثلاته في مبنى الفصائل السائدة، أو في سلم اهتماماتها، بدليل أفول وتهمش المؤسّسات والتجمعات الفلسطينية في سوريا ولبنان.
2 ـ واقع التخلف في الحركة السياسية الفلسطينية. فلطالما افتقدت الساحة الفلسطينية لحركة سياسية، بمعنى الكلمة الصحيح، أي حركة تتمتع بحياة مؤسسية، وبحراك سياسي ـ تنظيمي داخلي، حركة تشتغل على مراجعة أوضاعها وبناها وشعاراتها وأشكال عملها، وجدوى طرق كفاحها.
في الحقيقة فإن معظم الحركات الفلسطينية السائدة، ظلت تدين بالقياد لمؤسسيها، الذين أجادوا صياغاتها على مقاساتهم، وبحسب مستوياتهم وخبراتهم في عقد الستينيات، وبصورة جعلت معظم مفاتيحها في أيديهم بالذات. وهذا ما يفسّر أن هذه الحركات برغم تآكل دورها، وانحسار مكانتها، وإخفاقها في عديد من المهمات التاريخية، مازالت على حالها، في إطار القيادة الأبوية، والعلاقات الزبائنية، وتهميش المشاركة، وتغييب الديمقراطية.
طبعا لا يمكن إحالة هذا الخلل في البناء الفلسطيني لقيادة بعينها، فهذه القيادة هي من نسيج هذا الشعب، الذي يدين بدوره للعلاقات الأبوية والعشائرية، والمناطقية، التي تشكل أطره المنظمة والسائدة. وبديهي أن هذا الخلل هو أيضا، نتاج ضعف الخبرات السياسية للمجتمع الفلسطيني، وتدني مستوى الاشتغال في حقل الفكر السياسي لديه، في مقابل انشغاله بحقل الشعارات والسياسة اليومية. لكن مسؤولية القيادة تتحدد في أنها بنت إقطاعيات سياسية، في إطار العمل العام، وأنها لم تفتح الأفق لإحداث تغييرات، أو تطورات، لا في إطاراتها السياسية /الفصائلية، ولا في إطار المجتمع. والمؤسف أن المتحكمين في العمل الفلسطيني لم ينطلقوا، على الأغلب، من إدراك حقيقة مفادها أن المقاومة، في حال الفلسطينيين، لا تقتصر على الصراع ضد العدو، وأنها تشتمل على متطلبات بناء المجتمع والكيان، بتعزيز وحدته وبناء مؤسساته وتطوير إمكاناته وترشيد توجهاته. فالمقاومة هنا ليست فعلاً للهدم أو للثأر أو للقتال فحسب (في حساب الخسائر لدى العدو)، وإنما في انعكاس هذه المقاومة على المجتمع الفلسطيني وعلى مستوى وعيه وتطوره السياسي والثقافي أيضا.
3 ـ ثمة تواطؤ من الطبقة السياسية الفلسطينية (في السلطة والمعارضة) على تعويم وضع منظمة التحرير، والتغني بها وبأمجادها، في واقع يجري فيه طمس هذه المنظمة وتغييب دورها. في هذا الإطار فقد اقترن قيام حكومة "وحدة وطنية"، مثلا، بشرط تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، لكن هذا الأمر حقيقة يطرح عديد من الأسئلة، من ضمنها: هل ثمة إرادة سياسية عربية ودولية لتفعيل هذه المنظمة، بعد أن تآكلت، وبعد أن غابت، أو غيّبت، لصالح الكيان المتمثل بالسلطة الوطنية في الضفة والقطاع؟ ثم هل تبدو قيادة فتح قادرة، أو راغبة، بالمضي في هذا الاستحقاق لنهايته، وقد خسرت موقعها المهيمن في إدارة السلطة، ما يعني أنها ربما تفرّط بقيادتها للمنظمة، وتتخلى في ذلك عن دورها القيادي في الساحة الفلسطينية؟ ثم هل مازال لمنظمة التحرير الفلسطينية من دور تستطيع أن تلعبه، وهي التي تنتمي إلى زمن عربي وفلسطيني مختلف، أي الزمن القومي والفصائلي؟ وهل مازال لمجتمعات الفلسطينيين في الشتات من دور يلعبونه في السياسة الفلسطينية، بمعطياتها الحالية، مع وجود السلطة الفلسطينية؟ وهل يمكن الاستمرار بتأسيس النظام الفلسطيني على قاعدة "الشرعية الثورية"، والمحاصصة الفصائلية "الكوتا"، بعد قيام السلطة الفلسطينية على قاعدة الانتخابات، والاحتكام لصناديق الاقتراع، وبعد كل التطورات الحاصلة في طبيعة القوى المكونة للساحة الفلسطينية (نهوض فصائل وأفول أخرى)؟ ثم كيف سيجري تفعيل المنظمة في وقت يجري فيه حرمان الفلسطينيين في مناطق اللجوء من المشاركة في العملية الوطنية، أو في القرار السياسي، لأسباب ذاتية وموضوعية، في آن معا، ما يشكل شرخا موضوعيا في الجسم الفلسطيني، بما لذلك من عواقب سياسية واجتماعية، وتداعيات تتعلق بالوحدة والهوية والتطور السياسي للفلسطينيين.
4 ـ المكانة المركزية للقضية الفلسطينية. لقد أدى تدهور وضع الحركة الوطنية وتخلف إدارتها واستحكام الخلافات فيها، إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية، في الأجندة العربية والدولية. هكذا لم تعد قضية فلسطين على الصعيد العربي الرسمي والشعبي، بمثابة القضية المركزية للأمة العربية، بسبب من الانشغال بقضايا أخرى على غاية في الخطورة والأهمية، مثل العراق ولبنان والسودان، والتدخلات الأمريكية في الشؤون العربية، وتزايد الدور الإقليمي لإيران.
المشكلة أن الخلافات الداخلية، وغياب الإجماع الفلسطيني، عن هدف موحد وواضح، أدى إلى تعزز هذا المسار عربيا، فلا يمكن مطالبة العرب بالحشد من أجل التحرير مثلا، في هذه الظروف والمعطيات! كما لا يمكن مطالبتهم بدعم حالة فلسطينية غير متوافقة أو منسجمة مع الوضع العربي. وعلى الصعيد الدولي، تبدو الحال أكثر تعقيدا إذ كادت القضية الفلسطينية تتحول من قضية حركة تحرر وطني إلى قضية استقلال، ومن قضية سياسية إلى قضية إنسانية. والمشكلة أن التشويش الناجم عن غياب توافقات سياسية فلسطينية، وعن عدم تفهّم حدود الدعم الدولي لقضية فلسطين، يكاد أن يفقد القضية الفلسطينية صدقيتها، وأن يصم كفاحها المسلح بوصمة الإرهاب، وأن ينزع عنه صفة الضحية.
على ذلك فثمة تحديات كثيرة وأساسية ينبغي أن يلتفت إليها الفلسطينيون، بدل الاستهلاك بالسياسة اليومية وتشعباتها، لتجديد حركتهم الوطنية، والارتقاء بدورها، على قاعدة المزاوجة بين النضال الوطني وعملية بناء الكيان السياسي، في هذه الظروف الدولية والإقليمية الصعبة. ماجد كيالي