منافسة غنائمية بين أحزاب تونس في الاقتراع البلدي

توقعات بتصويت عقابي لا يوفر احدا

أشعلت تداعيات الأزمة الهيكلية التي تشهدها تونس فتيل حرب بين الأحزاب السياسية على انتزاع أكثر ما يمكن من المقاعد والتموقع خلال الانتخابات البلدية القادمة، فيما توقع محللون أن يطغى التصويت الاحتجاجي والعقابي على جميع القائمات.

وتراهن المعارضة والأحزاب الصغرى على الاستحقاق البلدي في مسعى إلى تحويل مؤسسات الحكم المحلي إلى قوة ضغط إيجابية على تحالف نداء تونس وحركة النهضة بما يخفف حدة التوتر السياسي، من جهة، وينأ بها عن صورتها النمطية.

وقالت دوائر مقربة من الحركة الديمقراطية التي يقودها نجيب الشابي إن الحل الوحيد أمام الأحزاب التي تم تهميشها بصفة ممنهجة هو بناء قوة انتخابية تكسب ثقة الناخبين وتخوض الانتخابات بقائمات موحدة لكسر شوكة التحالف الذي أجهز على صناعة عملية سياسية ديمقراطية.

وأضافت إن الأزمة السياسية والأزمة الهيكلية بصفة عامة أثبتت فشل التحالف في الحكم كما أثبتت ضرورة تكتل الديمقراطيين لمواجهة الديكتاتورية التي تقف وراء أزمة ناجمة عن منطق الهيمنة والإقصاء.

ومساء الأربعاء، أعلنت الحركة الديمقراطية انضمامها رسميا إلى تحالف الأحزاب العشرة اقتناعا منها بان المسار الانتقالي الديمقراطي بات يقف على مشارف انتكاسة خطيرة قد تقود بتونس إلى مزيد تدهور الأوضاع.

وقال وسيم بوثري الناطق باسم الحزب الجمهوري في تصريح لوسائل الإعلام إن اجتماعا انعقد الأربعاء ضم الأحزاب الديمقراطية المتحالفة "قرر التقدم بقائمات موحدة في 48 دائرة بلدية تشمل بالخصوص مراكز المحافظات والبلديات الكبرى".

ووصف بوثري الاجتماع والقرار بـ"النقلة النوعية بالنسبة للأحزاب الديمقراطية التي تناضل من أجل تركيز مؤسسات حكم محلي ديمقراطية يشارك فيها أهالي الجهات بكثافة بما يساعد على القضاء على الحيف السياسي ويعزز مفهوم المواطنة الحقة".

ومع انضمام الحركة الديمقراطية ارتفع عدد التحالف الحزبي إلى 11 حزبا ليشمل حركة مشروع تونس وآفاق تونس والبديل التونسي والجمهوري والمسار الديمقراطي الاجتماعي وحركة تونس أولا وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب المستقبل وحزب المبادرة وحزب اللقاء الديمقراطي اضافة الى الحركة الديمقراطية.

ويرى التحالف الحزبي في الانتخابات البلدية "استحقاقا سياسيا وتنمويا بامتياز لجهة أنه سيركز لأول مرة في تاريخ تونس مؤسسات الحكم المحلي ويفسح المجال أمام أهالي الجهات في إدارة شؤونهم وحل مشكلاتهم بأنفسهم، وثانيا لأنه سيقدم صورة حقيقية عن ديمقراطية مكوناته ونوعية برنامجها للنهوض بالتنمية في الجهات".

وتبدو الجبهة الشعبية، الأكثر شراسة في الحرب لعدة عوامل منها راديكاليتها مقابل السياسات المرتعشة واستماتتها في معارضة التحالف وأيضا اقتناعها بأنها المستهدف الأول من قبل الحكومة على خلفية اتهامها بالوقوف وراء الاحتجاجات.

والأربعاء قال الجيلاني الهمامي القيادي في الجبهة "سنخوض الانتخابات البلدية بقائمات خاصة بنا" مشددا على أن "كل قائمة يجب أن تتضمن في تركيبتها مناضلينا".

ومما يؤكد عزم الجبهة على انتزاع أكثر ما يمكن من التموقع هو مساعي انفتاحها على نشطاء لا ينتمون إليها، إذ أكد الهمامي "أن الجبهة ليس لها أي إشكال بشأن انضمام كفاءات مستقلة غير منتمية لها ضمن قائماتها".

وشدد الجيلاني الهمامي على أن "استعداد الجبهة يجري بنسق حثيث من خلال إعداد القائمات تحت اشراف ادارة العمل البلدي المنبثقة عن المجلس المركزي".

ودفعت تداعيات الأزمة من جهة، والنسق التصاعدي للجهود التي يبذلها كل من التحالف الحزبي والجبهة من جهة أخرى، بالنداء إلى استنفار قياداته بما فيها الوزراء وكوادره وقواعده مخافة أن تتعرض قائماته إلى تصويت عقابي من قبل ناخبين ساخطين عليه.

وخشية تعرض النداء للتصويت العقابي، أصدر حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي للحزب الأربعاء 17 يناير بيانا تلقى ميدل ايست اونلاين نسخة منه شدد فيه على أن "الواجب يدعو أعضاء الحكومة والمستشارين الندائيين الى المشاركة مع باقي قيادات الحزب في كل المحطات الانتخابية".

وقال "إن تولي قيادات النداء لمهام حكومية لا ينفي عنهم صفاتهم الحزبية والسياسية ولا دورهم داخل الحزب ولا يتطلب منهم التجرد من انتمائهم الحزبي" مضيفا أن "هذا لا يتعارض مع مبادئ العمل الديمقراطي ومعمول به في كل ديمقراطيات العالم".

ويرى محللون سياسيون أن التنافس المحموم الذي لم يخل من التراشق يؤشر على أن "الأحزاب السياسية لا تراهن فقط على كسب أكثر ما يمكن من التموقع في المجالس البلدية وإنما يؤشر أيضا الى أنها تمهد للانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة".

وقال التيجاني بن عاشور أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية "إن كل هذه الحرب على الاستحقاق البلدي تؤكد أن الأحزاب لا ترى فيه سوى جسر لخوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية بنجاح يضمن لها البقاء او الوصول إلى الحكم".

واستدرك بن عاشور متحدثا لمراسل ميدل ايست اونلاين "لا ينفي ذلك أن الحرب أشعلتها تداعيات الأزمة إذ بات التحالف متوجسا من التصويت العقابي فيما تسعى الأحزاب الديمقراطية إلى استثمار عائداتها على نوايا التصويت وكسب ثقة الناخبين الغاضبين".

غير أن محللين سياسيين آخرين يشددون على أن "الأزمة قادت إلى تشتت مواقف اتجاهات الرأي العام بشأن موقفها من كل الأحزاب وهو ما يعني ضمنيا أن التشتت سيلقي بتداعياته على نوايا تصويت ناخبين لا يثقون كثيرا في الأحزاب".

وقالت مفيدة النيفر المتخصصة في استطلاعات الرأي "لا أستبعد أن يفاجئ الناخبون القائمات بتصويت احتجاجي وعقابي يشمل الجميع تعبيرا منهم عن سخطهم تجاه طبقة سياسية بأشملها يرون أنها خذلتهم اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا".

وتشدد النيفر متحدثة لميدل ايست أونلاين على أنه "لئن كان كل من النداء والنهضة يبقيان مهيمنان فإن ذلك لا يمنع من أنهما الأكثر عرضة لتصويت عقابي قد يقود إلى نتائج غير متوقعة تستفيد منها المعارضة".

وفي ظل عزوف غالبية التونسيين عن السياسة، يتوقع كل من التيجاني بن عاشور ومفيدة النيفر أن تكون نسبة الإقبال على التصويت ضعيفة لتستبطن هي الأخرى موقفا عقابيا.

ودفعت تداعيات الأزمة على اتجاهات الراي العام بعدد من المراقبين توقعات بأن تفرز الانتخابات البلدية مجالس حزبية فسيفسائية على حساب أهالي الجهات الذين يراهنون على مؤسسات حكم محلي ممثلة لهم وتحظى بثقتهم.