ممدوح مبروك يدرس 'صياغة الدستور والتحول الديمقراطي في مصر'

ثلاث تجارب دستورية ناجحة

"صياغة الدستور والتحول الديمقراطي في مصر 2011 – 2014" عنوان الدراسة التي حصل بها الباحث ممدوح مبروك على درجة الماجستير بتقدير امتياز في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، تحت إشراف د. شادية فتحي أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

وتناول فيها طبيعة العلاقة بين عملية صياغة الدساتير والتحول الديمقراطي، والتي يمكن أن توصف بأنها علاقة طردية؛ حيث إن نجاح عملية التحول الديمقراطي يتوقف على مدى قدرة الفاعلين داخل النظام السياسي على صياغة دستور ديمقراطي، فكلما كان الدستور أكثر ديمقراطية، كان ذلك دليلاً على نجاح عملية التحول الديمقراطي.

وركز الباحث على دراسة الحالة المصرية - لما تتمتع به من خصوصية لكونها تجربة حديثة العهد بالديمقراطية - مع مقارنتها بغيرها من التجارب الدولية التي قدمت نماذج ناجحة للتحول الديمقراطي لاسيما في مسألة صياغة الدستور خلال المراحل الانتقالية مثل: البرازيل، وجنوب إفريقيا، وبولندا، مما يساعد على التعرف على الشروط والأسس اللازمة لصياغة دستور ديمقراطي توافقي قادر على احتواء حالة الانقسام والصراع التي تعيشها المراحل الانتقالية.

واستهلت الدراسة الفصل الأول بإطار نظري عن الدستور بدءًا من مفهومه ونشأته، مرورًا بأنواعه وخصائصه، وانتهاءً بكيفية تعديله وطرق إنهائه، وقدم تعريفًا موجزًا عن الديمقراطية باعتبارها الهدف الأساسي من التحول نفسه، كما أفرد مساحة تناول الباحث خلالها مفهوم التحول الديمقراطي، وأسبابه، وأنماطه، ومراحله، وسماته، وكذا العلاقة بين عملية صياغة الدساتير والديمقراطية من خلال الحديث عن ماهية الدستور الديمقراطي، وسماته، وعوامل صياغته، ومعوقاته.

قارن الفصل الثاني بين ثلاث تجارب دستورية ناجحة في هذا المجال هي: البرازيل، وجنوب إفريقيا، وبولندا، حيث تناول في المبحث الأول مسار التحول الديمقراطي وعملية صياغة الدستور في التجارب الثلاث، بينما قدم المبحث الثاني قراءة في مضامين الدساتير الثلاثة مرتكزًا في ذلك على وجود علاقة وثيقة بين نمط التحول الديمقراطي وطبيعة النظام الحاكم الذي أطاحت به عملية التحول، وبين نصوص مواد الدستور والفلسفة التي قامت عليها، أما المبحث الثالث فقد تضمن مجموعة من المبادئ العامة التي تم استخلاصها من التجارب الثلاث.

جاء الفصل الثالث - مستخدمًا منهج المؤسسية الجديدة - للحديث عن مراحل وإجراءات صياغة الدستور في مصر حيث تناول في مبحثه الأول البيئة السياسية لدستوري 2012 و2014، أو بصيغة أخرى الخريطة السياسية وأنماط التفاعلات والتحالفات بين الفاعلين المختلفين داخل النظام السياسي خلال فترة صياغة الدستورين، بينما تعرض المبحث الثاني لمسألة ثار حولها الكثير من الجدل وقت صياغة الدستورين وهي إجراءات تشكيل لجنة صياغة الدستور سواءً كانت لجنة المائة التي تولت مسئولية صياغة دستور 2012 أو لجنة الخمسين التي تولت مسئولية صياغة دستور 2014.

بالإضافة إلى استعراضه لطرق صياغة الدستور في التاريخ الدستوري المصري بدءًا من دستور 1882 الذي عُرف باللائحة الأساسية مرورًا بالدساتير التي صدرت فترتي الملكية وما بعد ثورة يوليو 1952، وانتهاءً بدستور 1971 الذي عُرف بالدستور الدائم.

أما المبحث الثالث فقد تناول أبرز القضايا الخلافية التي انتابت عملية صياغة دستوري 2012 و2014 والتي تمثلت في الهوية ومدنية الدولة، ونظام الحكم وصلاحيات رئيس الجمهورية، ووضع المؤسسة العسكرية والمحاكمات العسكرية للمدنيين، ونسبة تمثيل العمال والفلاحين في البرلمان، وإلغاء مجلس الشورى.

وأخيرًا حاول الفصل الرابع قياس مدى دعم دستوري 2012 و2014 لعملية التحول الديمقراطي في مصر عبر ثلاثة شروط أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في أي دستور ديمقراطي؛ استعرض المبحث الأول الحقوق والحريات في الدستورين، بينما تطرق المبحث الثاني إلى مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات، أما المبحث الثالث فقد تناول آليات الرقابة والمساءلة في الدستورين.

وقال الباحث إنه "في ضوء المبادئ العامة التي تم استخلاصها من التجارب الثلاث (البرازيل – جنوب إفريقيا – بولندا) يمكن تقييم التجربة الدستورية المصرية من جانبين؛ أولهما "مدى ديمقراطية إجراءات تشكيل الجهة المكلفة بصياغة الدستور"، وفي هذا الصدد يمكن القول إنه على الرغم من وجود إرث دستوري مصري زخر بالعديد من المحطات الهامة في مسألة أسس تشكيل لجنة صياغة الدستور إلا أن القوى السياسية التي حملت راية الانتقال الديمقراطي في مصر لم تستفد منه حيث أدى تنامي الشعور بانعدام الثقة بين تلك القوى وعجزها عن الوصول إلى حالة من التوافق إلى صياغة دستوري 2012 و2014 في ظل بيئة سياسية اتسمت بالصراع والعنف، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تشكيل لجنة صياغة الدستور نفسها.

فعلى الرغم من صياغة دستور 2012 بأسلوب الجمعية التأسيسية المنتخبة – شأنه في ذلك شأن التجارب الثلاث – إلا أن لجنة المائة التي تولت صياغته لم تشهد تمثيلاً متوازنًا نتيجة هيمنة تيار الإسلام السياسي عليها على العكس مثلاً من لجنة الخمسين التي تولت صياغة مشروع دستور 1954؛ فعلى الرغم من كونها مُعَيَّنة إلا أنها قدمت نموذجًا للتمثيل المتوازن لكافة التيارات السياسية الفاعلة على الساحة السياسية آنذاك.

والحال نفسه بالنسبة لدستور 2014 فنجد أن لجنة الخمسين التي تولت صياغته لم يتم تشكيلها بالأساليب الديمقراطية المتعارف عليها في التجارب الثلاث حيث تم تعيينها بقرار من رئيس الجمهورية بدلاً من الانتخاب في وقت لم يكن هناك برلمان مُنتخب من قبل الشعب، وبمقارنة عدد أعضاء تلك اللجنة بعدد أعضاء لجنة الخمسين التي تولت صياغة مشروع دستور 1954، يمكن القول إن اختيار خمسين عضوًا لم يكن ممثلاً لكافة أطياف الشعب خاصةً وأن كثافة سكان مصر عام 1954 كانت أقل بكثير من نظيرتها عام 2014".

وأضاف "أما الجانب الثاني فيتمثل في "مدى ديمقراطية نصوص الدستور"، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الذي شددت فيه التجارب الثلاث على أهمية وضوح الفلسفة التي يستند إليها الدستور والتي تمثلت في "كيفية تلافي أخطاء الماضي وتجنب تكرارها وفقًا لطبيعة النظام القديم (عسكري/عنصري/ شيوعي)"، يمكن القول إن تلك الفلسفة قد غابت تمامًا عن التجربة الدستورية المصرية حيث لم تتفق القوى السياسية على الهدف الرئيسي من صياغة دستور جديد يأتي بديلاً لدستور 1971؛ فإذا كان السبب وراء اسقاط دستور 1971 هو تقليص سلطات رئيس الجمهورية - كما كان يتردد وقت حكم الرئيس مبارك عقب تعديلات عام 2007 - فقد أقر الدستوران الصلاحيات نفسها التي كان يتمتع بها رئيس الجمهورية في دستور 1971 وذلك باعتباره الشخصية المحورية داخل النظام السياسي المصري".

وأشار إلى أن التجربة الدستورية المصرية استندت إلى فلسفة مغايرة للتجارب الثلاث تمثلت في "عدم التسامح مع النظام السابق"؛ فنجد أن دستور 2012 قد نص على "منع رموز الحزب الوطني من ممارسة العمل السياسي لمدة عشر سنوات"، كذلك دستور 2014 الذي سعي إلى إقصاء الإسلاميين من الحياة السياسية حيث نص على "حظر تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني".

ورغم ذلك فإن التجربة الدستورية المصرية - من الناحية النصية - قد شهدت العديد من الجوانب الإيجابية؛ فعلى الرغم من الانتقادات التي وُجهت إلى بعض نصوص دستور 2012 والناتجة جميعها عن محاولات هيمنة الإسلاميين على عملية الصياغة كإقراره للمادة (219) المفسرة لمبادئ الشريعة الإسلامية، ونزع الدور الرقابي للمحكمة الدستورية العليا إلا أنه يمكن القول إن دستور 2012 قد احتوى على العديد من الإيجابيات حيث تناول حقوق وحريَّات جديدة بشكل تفصيلي، كما تلافى المشكلة الأساسية التي عانى منها دستور 1971 والمتمثلة في كثرة الإحالة إلى القانون في الكثير من مواده.

والحال نفسه بالنسبة لدستور 2014 فقد استفادت نصوصه بشكل كبير من التاريخ الدستوري المصري حيث تمثل الهدف من صياغته في تعديل دستور 2012 ومعالجة جوانب القصور التي عاني منها، كما استعان بالعديد من النصوص الإيجابية الواردة في دستور 1971 خاصةً في الجزء المتعلق بحقوق المرأة والطفل التي أغفلها دستور 2012.

وقد توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج أهمها ما يلي:

أولا: إن عملية صياغة الدستور التوافقي تتطلب بالأساس الاتفاق على الفلسفة الأساسية التي يستند إليها الدستور أو بصيغة أخرى التوافق حول الهدف من صياغة الدستور نفسه - كما هو الحال في التجارب السابق ذكرها - إلا أن تلك الفلسفة قد غابت عن التجربة المصرية؛ فالقوى السياسية التي حملت راية التغيير بعد ثورة يناير لم تتمكن من الإجابة على سؤال: ما هو الهدف من صياغة دستور جديد يأتي بديلاً لدستور 1971؟ الأمر الذي ترتب عليه زيادة حدة الانقسام والصراع بين تلك القوى وقد برز هذا الأمر بوضوح في دستور 2012 حيث لم يقدم نظرة متكاملة عن نظام الحكم إنما قدم أفكارًا مختلفة من منابع فكرية متنوعة؛ تعطي للشريعة الإسلامية أولوية في تنظيم أمور المجتمع تارةً، وتنادي بالنظام المختلط والتوسع في صلاحيات رئيس الجمهورية تارةً أخرى، فضلاً عن تضمنه بعض النصوص التي تجعل مجلس الوزراء مسئولاً أمام البرلمان.

ثانيا: تُعد آلية التصويت إحدى أهم الآليات الديمقراطية القادرة على حسم الصراع حول القضايا الخلافية التي تنتاب عملية صياغة الدستور.

ثالثا: إن طريقة إدارة المرحلة الانتقالية هي المسئولة عن حالة الارتباك التي شهدتها التجربة الدستورية المصرية في أعقاب ثورة يناير وحتى صدور دستور 2012، وقد تمثل هذا الارتباك في إيقاف العمل بدستور 1971، ثم استفتاء الشعب على تعديلات لمواد في دستور أُوقف العمل به، ثم إصدار إعلان دستوري في 30 مارس 2011 لم يتم استفتاء الشعب عليه فضلاً عن غموض المادة (60) منه التي كانت السبب الرئيسي وراء أزمة تشكيل الجمعية التأسيسية المكلفة بصياغة دستور 2012.

رابعا: قدم دستور 2014 نموذجًا دستوريًّا يُحتذى به من الناحية النصية حيث استحدث نصوصًا تم إدخالها لأول مرة، كما أبقى على النصوص الإيجابية التي وردت في دستوري 1971 و2012، فضلاً عن تلافيه الانتقادات التي وُجهت إليهما.

أما من الناحية الإجرائية فقد تم تشكيل الجهة المكلفة بصياغته بشكل يتنافى مع القواعد الدستورية المعاصرة التي شددت عليها التجارب الثلاث، والتي تقوم على الانتخاب بدلاً من التعيين، فضلاً عن صياغته في ظل بيئة سياسية اتسمت إلى حد كبير بالعنف.

خامسا: اتفقت عملية صياغة دستور 2012 من الناحية الإجرائية مع المبادئ الدستورية المعاصرة حيث تم تشكيل لجنة صياغة الدستور بموجب المادة (60) التي استفتي الشعب عليها ضمن تعديلات مواد دستور 1971 والتي نصت على اختيار أعضائها من بين أعضاء البرلمان المنتخبين، وبالمقارنة بدستور 2014 فقد تمت صياغة دستور 2012 في ظل بيئة شهدت فقط صراعًا سياسيًّا بين مجموعة القوى الفاعلة التي حملت راية الانتقال الديمقراطي عقب ثورة يناير.

أما من الناحية النصية فعلى الرغم من استحداث دستور 2012 بعض النصوص الإيجابية التي لم يعرفها التاريخ الدستوري المصري - بدليل أن دستور 2014 لم تتم صياغته من جديد إنما جاء معدلاً له - إلا أنه تضمن نصوصًا أخلَّت ببعض الضمانات الأساسية اللازمة لصياغة دستور ديمقراطي مثل: مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات، وآليات الرقابة والمحاسبة، وهذا ما عالجه دستور 2014 لاحقًا.

سابعا: إن دساتير الدول لا يمكن أن تُصاغ بمعزل عن إرثها الدستوري، الأمر الذي جعل دستور 2014 هو الأشمل والأوسع بين الدساتير المصرية من الناحية النصية حيث استعان ببعض المواد الواردة في دستوري 1971 و2012 والدساتير السابقة عليهما، كما لم يستبعد الإضافات الإيجابية التي أدخلها سابقه.

وأخيرًا: توصلت الدراسة إلى نتيجة أعم وأشمل وهي أن غياب القيادة السياسية لتجربة التحول الديمقراطي في مصر لم يفدها بقدر ما أضرها؛ ففي التجارب الثلاث نجحت نخب القوى السياسية التي قادت عملية التغيير في الوصول إلى السلطة بالانتخاب مستندة في ذلك إلى شرعية معارضتها للنظام القديم مثل: تانكريدو نيفيس ممثل حزب الحركة الديمقراطية في البرازيل، ونيلسون مانديلا رئيس حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا، وليخ فاوينسا رئيس نقابة تضامن في بولندا.

أما في مصر فعلى الرغم من وجود حركات احتجاجية مثَّلت جبهة معارضة لنظام مبارك مثل: حركة كفاية، والجمعية الوطنية للتغيير، إلا أن تلك القوى أو النخب لم تتمكن من التواجد في الشارع المصري بالشكل الذي يؤهلها لكسب التأييد الشعبي ومن ثمَّالوصول إلى السلطة، فضلاً عن افتقارها إلى استراتيجيات ورؤى بديلة لإدارة الدولة بعد سقوط نظام مبارك.

على الرغم من إقرار دستور 2014 وتمتعه بالتصديق والشعبية تبقى معضلة التنفيذ حيث أدت الحالة الأمنية التي تعيشها مصر بعد أحداث 30 يونيو، وما ترتب عليها من تضييق المجال العام بدعوى إرساء الاستقرار الأمني والسياسي إلى إبقاء فجوة بين النص وما يحدث على أرض الواقع؛ لذا ينبغي على النظام الحالي الذي جاء على أساس مشروعية الدستور البدء في تبني عدة سياسات من شأنها ترسيخ فكرة احترام الدستور وسموه أولاً ثم تطبيق مواده وإشاعة روحه في المجتمع ومؤسسات الدولة، وتتمثل هذه السياسات (التوصيات) فيما يلي:

1. إعادة النظر في القوانين المعيقة للحريَّات مثل: قانون التظاهر، وقانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون تنظيم الأحزاب.

2. فتح المجال السياسي، سواءً من خلال استكمال مؤسسات الدولة السياسية كالبرلمان أو من خلال تشجيع قطاعات المجتمع التي عادت إلى حالة العزوف والسلبية السياسية للقيام بدورها في مناقشة الحياة السياسية ومجرياتها والرقابة على عمل مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة المحليات بحيث تستوعب الطاقات الشابة لتكون رقيبًا مؤسسيًّا وفاعلاً خدميَّا في جميع أنحاء الدولة.

3. ممارسة البرلمان دوره في الحياة السياسية بفاعلية بحيث يضمن التوازن بينه وبين مؤسسة الرئاسة والسلطة التنفيذية، ويضمن كذلك قيامه بمسئوليته الكاملة في إقرار القوانين والرقابة على الحكومة وتمثيل الشعب.

4. ضرورة العمل على تحقيق التوازن بين مطلب إقرار الأمن ومطلب إقرار الحرية السياسية، بحيث لا يطغى الأول مما يتسبب في إغلاق المجال السياسي ومن ثمَّمصادرة الحياة السياسية.

5. تحسين كفاءة الأجهزة المخولة بتنفيذ القانون، وعلى رأسها جهازي الشرطة والقضاء.