مليون تونسية يصوّتن لـ'بورقيبة الديمقراطي'

بالمرصاد للمشروع الظلامي

تونس ـ أظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت الأحد أن أكثر من مليون تونسية صوتن للرئيس المنتخب ورجل بورقيبة القوي الباجي قائدالسبسي الذي فاز على مرشح الإسلاميين والجماعات السلفية منصف المرزوقي، وهو مؤشر يحمل أكثر من دلالة سياسية واجتماعية لعل أهمها أن المرأة التونسية هبت يوم الانتخابات للدفاع عن مكاسبها التي تحققت في ظل دولة الاستقلال لتقطع الطريق أمام الإسلاميين الذين باتوا يهددون حريتها وحقها في المشاركة في الحياة العامة.

وقالت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات إن توزيع عدد أصوات الناخبين حسب النوع الاجتماعي أظهر أن عدد النساء اللواتي منحن أصواتهن لمرشح القوى الوطنية والحداثية والديمقراطية قائدالسبسي، بلغ مليون صوت من بين إجمالي الأصوات التي بلغت 1731529 صوتا وهو ما يعني أن نسبة تصويت المرأة لفائدة قائدالسبسي ناهزت 55 بالمائة فيما بلغت نسبة تصويت الرجال حوالي 45 بالمائة.

وفاز قائدالسبسي (88 عاما) مؤسس ورئيس حزب "نداء تونس" المعارض للإسلاميين، بالدورة الثانية للانتخابات على منافسه المرزوقي (69 عاما).

وحصل قائدالسبسي على 55.68 بالمائة من الأصوات، فيما حصل المرزوقي على 44.32 بالمائة، وفق النتائج الرسمية "الأولية" التي أعلنتها الاثنين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

وأعرب الرئيس المنتخب عن "تثمينه واعتزازه" بدور المرأة التي ساهمت بشكل كبير في فوزه في الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ملاحظا أم مليون صوت التي حصل عليها من قبل نساء تونس يمثل انتصار التونسيات لمكاسبهن وحقوقهن التي تحققت في ظل دولة الاستقلال بزعامة محرر المرأة الحبيب بورقيبة.

وتؤكد كثافة تصويت المرأة لمرشح القوى الحداثية أن القاعدة الانتخابية النسوية حسمت إلى حد كبير معركة وطنية شرسة بفوز رجل بورقيبة على مرشح الإسلاميين والجماعات السلفية الذين يسعون إلى تجريد المرأة من حقوقها السياسية والمدنية وفرض نمط مجتمعي سلفي ذكوري.

وتعد حرية المرأة في تونس "خطا أحمر" لكونها أحد أبرز عناوين التجربة الحداثية التي انخرطت فيها البلاد مند استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام 1956، وهي تجربة راهنت بنجاح على المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات وفسحت المجال أمام التونسيات ليشاركن بفاعلية في الشأن العام باعتبارهن مواطنات.

ويحسب للزعيم الحبيب بورقيبة الذي يصفه المؤرخون والسياسيون بـ"محرر المرأة" أنه استمات في الدفاع عن حقوق المرأة ضد القوى التقليدية التي كانت تستنقص من دورها ومن مكانتها، وأصدر عام 1956 قانون الأحوال الشخصية الذي يعد الأول من نوعه في البلدان العربية.

ويعد قانون الأحوال الشخصية الذي أنبنى على رؤية لبرالية علمانية فاصلة في تاريخ المجتمع التونسي حيث كفل للمرأة حقوقها السياسية والمدنية ونص على مبدأ المساواة بينها وبين الرجل وفتح أمامها أبواب المشاركة في الحياة العامة.

وجاء هذا القانون تتويجا لنضالات المصلحين الاجتماعيين وفي مقدمتهم الطاهر الحداد الذي أصدر مند الثلاثينات من القرن العشرين كتابا يحمل عنوان "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، طالب فيه بتمكين المرأة التونسية من حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

وخلال الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن العشرين، قاد الزعيم بورقيبة مشروعا وطنيا حداثيا. وجعل من حرية المرأة عنوانه الأبرز، متحديا القوى التقليدية وخاصة رجال الدين المتزمتين.

وقادت حركة تحرر المرأة إلى عملية تحديث اجتماعي وسياسي ناجحة، حيث اكتسحت نساء تونس مختلف المجالات بما فيها مراكز القرار التي كانت حكرا على الرجل.

وتظهر المؤشرات أن المرأة التونسية تمثل اليوم نسبة 30 بالمائة من القوى النشيطة و12 بالمائة في المجلس الأعلى للقضاء و60 بالمائة من مجموع الإعلاميين و45 بالمائة من نشطاء المجتمع المدني و23 بالمائة من الكوادر الإدارية العليا و45 بالمائة من المحامين و40 بالمائة من أساتذة الجامعات.

غير أن هذه المكاسب بدت مهددة منذ سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في يناير/انون الثاني 2010، وصعود الإسلاميين إلى الحكم إثر انتخابات أكتوبر/تشرن الأول 2011 وما رافقه من تنامي لعدد الجماعات السلفية.

وتساور التونسيات مخاوف جدية من "انتكاسة" لحقوقهن في ظل تعالي أصوات الإسلاميين، مطالبين بـ"مراجعة قانون الأحوال الشخصية" وبـ"السماح بتعدد الزوجات" الذي يمنعه القانون وبـ"استبعادها من تولي مراكز القرار في مؤسسات الدولة".

وتعمقت المخاوف مع انتشار ظاهرة النقاب الذي فرضته الجماعات السلفية خاصة في الأحياء الشعبية والجهات المحرومة مستغلة انتشار الفقر والتهميش الاجتماعي ونسب الأمية العالية.

وإزاء المد السلفي الذي بات يهدد لا فقط حقوق المرأة وإنما أساسا نمط المجتمع التونسي المتحرر والليبرالي، قادت نساء تونس خلال السنوات الأربع الماضية نضالات شرسة تصدت خلالها لمشروع الإسلاميين الذي يهدف إلى نسف مكاسبها بما في ذلك الحق في الشغل حيث لم يتردد السلفيون في الزعم بأن الحل الوحيد للبطالة في صفوف الشباب يتمثل في "ركون المرأة في بيتها".

ومع تأسيس قائدالسبسي لحزب حركة نداء تونس عام 2012 التفت نساء تونس وراء الحزب الذي اعتبر أن حقوق المرأة التي كفلها قانون الأحوال الشخصية "خط أحمر" لا يمكن الاقتراب منه مهما كانت التعلات.

ووجدت المرأة التونسية في الباجي قائدالسبسي صورة الزعيم الحبيب بورقيبة محرر نساء تونس، بما يعنيه ذلك من انتصار لحقوقها والحفاظ على مكاسبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

وعزا الأخصائيون الاجتماعيون والنشطاء كثافة تصويت التونسيات لقائدالسبسي إلى "اقتناع المرأة بأن فوز رجل بورقيبة الديمقراطي هو الضمانة الوحيدة لحماية مكاسبها وإجهاض مشروع الإسلاميين".

ويضيف هؤلاء أن "المرأة التونسية هبت يوم الانتخابات للتصويت بكثافة لحماية مسيرة من التحرر ناضلت من أجلها أجيال من المصلحين والمفكرين ترى في حقوق المرأة تكريسا لمبدأ المواطنة الذي لا يفاضل بين حقوق المرأة وحقوق الرجل.