مليونية فرنسا، الحضور والمواقف

اعتبروها المليونية العالمية ضد الإرهاب. وقالوا أنها مقدمة حرب عالمية ثالثة في غياب نازية هتلر، وحضور داعشية البغدادي. ضربت الآلة العمياء للتطرف العاصمة باريس قاتلة اثني عشر صحفيا، فخرجت ملايين من البشر باختلاف انتماءاتهم، مساء الأحد الماضي ضد كل من يتوسل القتل وسفك الدماء طريقة لإيصال رسائله.

كانت مليونية رسالة من هؤلاء أنهم ضد الإرهاب والتطرف ومتضامنين مع حرية الصحافة.

كان في المقدمة القادة الأوربيون ميركل وهولاند وكامرون متضامنين ضد الإرهاب إلى جانب عرب مسلمين ضد تشويه صورة الإسلام الحقيقي. أوروبا معنية أيضا بمحاربة الإرهاب.

داعش استقطبت ما طاب لها من شباب فرنسا واسبانيا وبريطانيا. سَنَّت العجوز الأوروبية القوانين لمنع أولائءك الذئاب المنتشرة من العبث بأمنها ونظامها العام. لكن يأبى قادة الإرهاب إلا أن يُخرجوا من جعبتهم خناجر مميتة، تحز الرؤوس وتفتك بمن كان في طريقهم وتستبيح الأراضي.

حج الكل لباريس للتضامن مع فرنسا والبصم بأنهم ضد كل ما من شأنه تدمير مبادئ السلم والأمن. يمكننا تفهم حضور عباس أبو مازن والملك عبدالله بن الحسين. الأردن، في قلب المناطق المهددة بإرهاب لا ديانة له ولا ملة تحكمه، وفلسطين تكتوي به يوميا.

السؤال ماذا يفعل بنيامين نتنياهو في المقدمة، وما علاقته بموضوع المسيرة؟

حضور إسرائيل في مقدمة المناهضين للإرهاب بكل أشكاله مستهجن وغريب كليا. فهي التي حاصرت الفلسطينيين وقطعت أرزاقهم وأعدمت أطفالهم بالقنابل الفسفورية، وقطعت عنهم الدواء والماء. حاصرت النساء والشيوخ، وشردت الشباب والكهول وهدمت الدور على رؤوس ساكينيها.

حضور رئيس وزراء إسرائيل لا يمكن هضمه، أو فهمه مع موضوع محاربة الإرهاب.

لا يمكن تجاهل أن الكيان الإسرائيلي اغتصب الأرض وشتت العائلات وارهب شعبا اعزل. إلا إذا كان حضور نتنياهو لباريس لأجل التظاهر ضد سياسة بلاده اتجاه الفلسطينيين. أو أنه حضر تضامنا مع ناجي العلي الأب الشرعي لـ"حنظلة".

حضر نتنياهو لباريس والتقطت صوره ملوحا بيديه. يدان تلطختا بدماء أطفال كان اقل طموحهم اللعب في فناء دارهم. فأفناهم برصاصه، وغيب آباءهم وراء أسوار سجونه. كان بنيامين نتنياهو في مقدمة المسيرة، بعدما فشل مجلس الأمن الدولي في تمرير مشروع القرار الذي يدعو لإنهاء الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية والقدس الشرقية بنهاية 2017.

حضر نتنياهو وغابت جبهة جون ماري لوبان العنصرية. لكن موقفهما يتماهى كليا. يمكن تحسسه في قول مؤسس الحزب اليميني، أن ما وقع مؤخرا من أحداث إرهابية بفرنسا سببه موجة الهجرة المكثفة التي شهدتها فرنسا داعيًا إلى طرد كل من ليست له أصول فرنسية، ودعوة نتنياهو يهود أوروبا للهجرة إلى الكيان الإسرائيلي بحجة حمايتهم.

موقفان وَجَدا في ارتكابات "شارلي إبدو" ما يعزز تعصبهما وتطرفهما.

دائرة الاستهداف ستطال حتى الحسن باثيلي الشاب المسلم من مالي الذي أنقذ زبائن المتجر اليهودي الذي احتجزت وسطه رهائن، في يوم الترهيب بالعاصمة باريس.

الحسن باثيلي قام بإخفاء هؤلاء في غرفة تبريد، واعتبر موقفه نابع من عاطفته الإنسانية وإحساس بمسؤوليته في الحفاظ على أرواح من جاءوا للتسوق في مكان عمله. فهل هذا سيجنب المسلمين من فكر وسلوك متعصب يقول بأن المنتخب الفرنسي الذي يلعب فيه زين الدين زيدان وتيري هنري وهيلمان ماكاليلي، لا يمثل فرنسا؟

الإرهاب يعتاش بشكل دائم على أبجديات الإقصاء والجوع والاستبداد. انتشر بعدما غابت مناهج تعليم جيدة تنير الطريق أمام أجيال أنهكها الجهل الممنهج وانعدام سياسات تنموية حقيقية تحاصر فقر الجيب والفكر معا.

المسؤولية ليست ملقاة على طرف دون الآخر. لكن إرهاب الدولة كان مقدمة موضوعية لإلهاب إرهاب الأفراد. فانتشرت ذئاب تنهش من على قارعة الطريق من دمشق إلى باريس والقائمة تطول.

لا يفرق الإرهاب بين هذا وذاك. الكل في سلة المرهبين سواسية. منهجهم ترهيب الكل لنشر ما يرونه دينا وحياة طاهرة على حد فهمهم للدين والحياة. وكم كان فهمم قاصرا. لم تستقم وحدة الصف في الدول الحاضنة لتلك الذئاب فأصبحت له مصدرة وموردة.

لا يختلف اثنان أن القتل باسم الدين، أَيَّ دين، مرفوض. الدين هو علاقة خاصة بين العابد والمعبود في اسمى تجلياته. وعلاقة بين العابد والعابد في متن توافقات شريعته للعيش المشترك وفق قواعد معينة.

الآن كل الجالية المسلمة بفرنسا وأوروبا مستهدفة في أمنها المادي والروحي.

كان موقف المغرب في مسيرة باريس متوازنا وغاية في الذكاء السياسي والأخلاقي. المغرب بكل حساسياته ومشاربه دافع عن قيم الحرية المسؤولة ووقف مع باريس ضد الإرهاب للتعبير فحضر للتعزية في ضحايا العملية الإجرامية ضد صحفيي شارل ايبدو، وغاب عن صفوفها، عندما "رفع فيها متظاهرون رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام"، حسب بلاغ رسمي للدبلوماسية المغربية.

موقف المغرب يفسر أن التضامن مع الضحايا لا يلغي الحذر من شرعنة الخطابات الاستئصالية ضد الإسلام ورموزه، والاعتراف بما يمكن إلهاب الإرهاب أكثر وعلى طول الخرائط والحدود.