ملك كابول الجريح يودع الحياة

كابول
فقدت حياة الانسان في افغانستان قيمتها، فما بالك بحياة الحيوان

أخيرا ودع مارجان، ملك الغابة الجريح، الحياة والبؤس في أفغانستان وحيدا بحديقة حيوان كابول خلال عطلة نهاية الاسبوع.
وفي نفس الوقت يعتقد البعض أن مارجان (25 عاما) الذي أجبرته الشيخوخة على التنازل عن عرشه قد ترك الحياة بسبب معاناته أساسا من سوء التغذية المستمر والذي فرضته ظروف الفقر والقهر المستمرة في أفغانستان وبالتالي يعتبر رمزا للصمود الافغاني الطويل في وجه هذه الظروف.
وقد فقد مارجان بصره نتيجة لقنبلة يدوية ثأرية ألقيت داخل قفصه فأصابته بالعور والعجز والتشويه. كما فقد أحد فكيه ثم تساقطت أسنانه بالكامل.
وعلى الرغم من قدوم طاقم خاص من الخبراء لانقاذ حياته، إلا أن الشيخوخة ومعها متاعب بالكلى والكبد لم تمهل مارجان وفشلت جهودهم جميعا.
ومع ذلك كان يمكن اعتباره واحدا من أسعد الحيوانات في حديقة الحيوان في كابول حظا في الوقت الذي كان يمضي فيه أيامه الاخيرة في تلك الارض الخربة.
فقد نفقت معظم الحيوانات المحتجزة في الاقفاص المجاورة له خلال الهجمات الصاروخية أو ماتت جوعا أثناء الحرب الاهلية التي اندلعت في أفغانستان في مطلع التسعينيات.
ومن بين 65 حيوانا في رحاب الحديقة، لم ينج سوى 19 فقط كان من بينهم مارجان الذي جلب للحديقة في الايام الخوالي بمساعدة حديقة حيوان كولونيا في ألمانيا.
يقول عبد الله (57 عاما) وهو أحد حراس الحديقة وظل يعمل بها على مدار العقدين الماضيين، "لقد فقدنا دبا ونمرا وثعبان من فصيلة الكوبرا بالاضافة إلي الفيل الهندي الذي أطلقت قوات هازارا النار عليه. وعندما أصبح المكان آمنا ويصلح للعودة، اضطررنا لجمع أجزاء هذه الحيوانات بالقطعة. فقد أكلت الكلاب بقيتها على الارجح".
وتقع حديقة حيوان كابول - وهي الوحيدة في أفغانستان والتي أقيمت منذ قرابة خمسين عاما - بالشطر القديم من العاصمة الذي كان مسرحا لقصف عنيف أثناء قتال المليشيات المتناحرة في البلاد للسيطرة على المدينة.
وتشبه تلك المنطقة مدينة درسدن التي تقع شرقي ألمانيا في عام 1945.
وتحولت معظم أقفاص الطيور إلى كومة مهشمة من الحطام ولا يوجد بالكاد جدار واحد يخلو من الثقوب التي خلفتها الطلقات النارية.
وفي الوقت الذي حظرت فيه حركة طالبان التي كانت تتولى الحكم في أفغانستان جميع الانشطة الترفيهية منذ عام 1996 كانت حديقة الحيوان أسعد حظا ونجت من براثن الحظر.
فقد أصدر قسم الدراسات الدينية بجامعة كابول فتوى اقتنعت بها الحركة الاصولية بأن الاحتفاظ بالحيوانات الاليفة لا غبار عليه وأن تلك الحيوانات يمكن أن يكون لها قيمة تثقيفية.
وتمكنت الاجزاء الباقية من الحديقة بالتالي من استئناف العمل بل وجلب لها بعض الفصائل الجديدة.
والامر الذي يبعث على السخرية أن المصاب الذي تعرض له الاسد، والذي كان بلا حول أو قوة آنذاك، لم ينجم عن الحرب الاهلية بل عن سلوك يتسم بالغباء للتعبير عن الرجولة.
فمنذ بضع أعوام، جاء أحد المقاتلين المجاهدين في زيارة من وادي البنشير أو "الاسود الخمسة" حيث يتمتع الرجال هناك بسمعة تبعث على الرهبة باعتبارهم محاربين.
ووجه المقاتل الصنديد حديثه لرفيقة مارجان وهي أنثى أسد بالغة قائلا "أنت لبؤة أسد واحد وأنا خمسة أسود في شخص واحد". وقام في أعقاب ذلك بتسلق سور القفص لمصارعتها. ويتذكر عبد الله هذا الحادث قائلا "وقامت أنثى الاسد بتمزيق رقبته".
وجاء شقيق القتيل في وقت لاحق ودماء الثأر تغلي في عروقه وألقى بكل جسارة قنبلة يدوية داخل القفص مما أسفر عن فقد الاسد مرجان لاحد عينيه خلال الانفجار!
ولم يكن مارجان يشعر في أيامه الاخيرة وكأنه كان يتوقه نهايته المحتومة فقد أصبح حيوان أهتم هزيل أعرج.
ويبدو أن العلاج الذي تلقاه مارجان بمساندة الامم المتحدة قد أعاد إليه قدرا من بصيص الضوء لبصره فشرع يتناول غذاء كافيا بعدما تعهدت دار رعاية الحيوان في بريطانيا بالمساعدة في تكاليف غذاءه.
وقام بإجراء الاتصالات مع دار رعاية الحيوان في بريطانيا أحد الاطباء البيطريين الافغان ويعمل كسائق لعربة أجرة في لندن.
وقال والده المهندس المعماري عبد الحكيم الذي عمل في الحديقة لمدة ثماني أعوام "لقد اتصل بي وشجعني على الشروع في إعادة بناء الحديقة مرة أخرى".
وقرر حكيم عدم الانتظار لحين وصول التمويل وانفق من ماله الخاص نحو 500 دولار من أجل شراء احتياجات البناء. ويعتبر هذا المبلغ قدرا كبيرا من المال بالنظر إلى المقاييس المحلية، ولكنه له وجهة نظر فلسفية فيما يتعلق بالمبلغ الذي أنفقه.
وقال حكيم "إذا ما سدد لي البريطانيون ما دفعته من المال، فهذا جيد. وإذا لم يفعلون فأن أفغانستان هي وطني وبالتالي فلا بأس".
وتوجد لدى حكيم ومدير الحديقة شيراغا عمر خططا كبيرة إذا ما توفر قدرا أكبر من النقود تتضمن إنشاء عيادة بيطرية ومبنى به مضخة لضخ المياه وإعداد بعض المناظر الطبيعية داخل الحديقة.
وتتمثل الاولية الان في تركيب نظام تدفئة من أجل الصقور وطيور الباز القليلة الباقية التي قد تموت خلال فصل الشتاء بدون هذا النظام.
وفي الوقت ذاته، لم يتلق أي من أفراد طاقم العاملين في الحديقة البالغ عددهم 12 فرد راتبه منذ خمسة أشهر.
وتحقق الحديقة ربحا من مبيعات التذاكر لزوار الحديقة الذين يبلغ عددهم نحو حوالي مائة شخص يوميا عشرة دولارات تافهة ومن ثم فأن إدارة هذا المكان تجري بصورة أو بأخرى اعتمادا على النوايا الحسنة.
وقال عمر، الذي لا توجد في مكتبه طاقة كهربائية ولا يمكن تمييزه عن زنزانة السجن "أن أفغانستان الان تقف في نقطة الصفر. ولا توجد نقود في أي مكان ولكن ربما نحصل على بعض المال في غضون الاشهر القليلة القادمة. ومن واجبنا أن نعيد بناء الحديقة".
وتفوق العقبات التي تعترض المشروع حجم الدمار المادي والخزائن الخاوية. فبعد مرور قرابة 25 عاما من الحرب، فقدت حياة الانسان في هذه الدولة المحطمة قيمتها. فما بالك بحياة الحيوان.
وقام ثلاثة من الشباب الافغان الذين يشعرون بالملل صباح أحد الايام مؤخرا بالاعتداء على قردة البابون وضربهم بالعصي عبر القضبان وركلهم بشدة في أقدامهم. ومثل هذه الحوادث تتكرر بصفة يومية تقريبا وفي حين تتعرض الحيوانات الاخرى فيما يحتمل للرجم بالحجارة.
ويهز عمر رأسه ويضيف في حسرة "أنظر حولك. فلا يوجد أي شئ يصلح للاطفال في هذا البلد. فهم لم يتلقوا تعليما ولا يعلمون كيفية اتباع سلوك أفضل. وهذا هو الامر الذي يجب علينا تغييره" ولسان حالة يقول "فما بالك بالحيوانات"!.
وقد قرر مؤتمر طوكيو للدول المانحة مؤخرا تقديم خمسة مليارات دولار لاعادة تعمير أفغانستان فهل تحظى أرملة مارجان أو ملكة الغابة الوحيدة بحديقة حيوان كابول ببعض هذا الدعم وهل يتم جلب عريس آخر لها قريبا يكتب له البقاء!.