ملكة بريطانيا: نصف قرن وعشرة رؤساء حكومات

لندن - من روهان مينوج وكاترين فاي دو ليستراك

كان وينستون تشرشل يشعر نحوها بالرهبة ويقدر توني بلير نصائحها، إنها الملكة اليزابيث الثانية التي قدمت المشورة لعشرة رؤساء وزارة خلال عهدها المستمر منذ 50 عاما وكانوا جميعهم يقدرون فكرها واجتهادها.
ويمكن إرجاع مشاعر تشرشل نحو الملكة التي كانت شابة عندما ارتقت العرش في السادس من شباط/فبراير عام 1952 إلى رقة مشاعر السياسي المحافظ المسن والمعتل الصحة والذي كان في نهاية مشواره السياسي، ولكن حتى رؤساء الوزراء من ذوي العقليات العملية من أعضاء حزب العمال كانوا يكنون لها الاحترام بسبب منطقها الحكيم وخبرتها الواسعة.
وتعتبر المقابلة الرسمية الاسبوعية بين الملكة ورئيس الوزراء جزءا لا يتغير من التقاليد السياسية البريطانية. ورغم أنه لا يتم تدوين ملاحظات خلال تلك المقابلات ولا يكرر أحد ما ورد فيها مطلقا، فإنها تحظى بأهمية كبيرة.
وصرح لورد أرمسترونج، الذي شغل مناصب رفيعة في حكومتي هارولد ويلسون وإدوارد هيث، مؤخرا لكاتب يعد سيرة لحياة الملكة بقوله "أعلم من خلال التجربة الشخصية أن هناك اثنين من رؤساء الوزراء على الاقل كانا يخرجان من المقابلات الرسمية منبهرين بما قالته الملكة ويأخذان كلامها على محمل الجد".
وأشار أحد مساعدي رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر إلى أن المرأة الحديدية كانت تنحني أمام الملكة انحناءة احترام "حتى تكاد تصل إلى أستراليا". ويقال أن الملكة كانت تكن لتاتشر تقديرا كبيرا لكنها قالت يوما مازحة "إنها (تاتشر) لم تصغ قط لاي كلمة مما تقوله".
ويعتبر بلير، الذي لم يكن قد ولد حين ارتقت الملكة اليزابيث عرش البلاد، نفسه من المجددين لكنه فتن أيضا باهتمامها النابع من يقظة ضميرها بكل التفاصيل. وكثيرا ما تمتد المقابلات الرسمية التي تجمعهما مساء كل ثلاثاء لفترة تزيد عن المدة المحددة وهي 60 دقيقة.
ويشهد كل يوم عمل وصول عشرة صناديق حمراء تذخر بالوثائق إلى القصر. ويختار أفراد السكرتارية الوثائق التي تستدعي اهتمام الملكة والتي تعكف على دراستها.
وتعتبر رابطة الكومنولث واحدا من اهتمامات الملكة الرئيسية. وارتدت الملكة أثناء مراسم تتويجها في عام 1953 ثوبا يحمل رموز الدول الاعضاء في الكومنولث وقد تم تطريزها في الساتان الابيض. ومنذ ذلك الحين، أصبح ذلك النادي محور اهتمامها.
ولم يبد رؤساء الوزراء المتعاقبون اهتماما يذكر بالكومنولث فيما كانت بريطانيا تركز بصورة متزايدة على عضويتها داخل أوروبا وتحالفها مع الولايات المتحدة. ولكن الملكة، باعتبارها الرئيس الشرفي للرابطة، أولت اهتماما خاصا للابقاء على تلك المؤسسة.
ويرى المؤرخون أن اليزابيث ساعدت الكومنولث في اجتياز العديد من الازمات واكتسبت نتيجة لذلك تقدير زعمائه ومن بينهم سوني رامفال، سكرتير عام الرابطة من عام 1975 والذي كان متشككا في بادئ الامر بخصوص مسألة ترؤس ملكة لرابطة الكومنولث.
وقال رامفال بعد تقاعده "إن الملكة تخطت عوائق الجنس واللون والمكانة الاجتماعية بسهولة بالغة. وطوال الخمسة عشر عاما التي أمضيتها في منصبي، لم ألتق قط برئيس وزراء أو رئيس دولة لم يقيم بإعزاز العشرين دقيقة التي تمضيها مع كل منهم خلال اجتماعات رؤساء حكومات" الدول الاعضاء في الكومنولث.
وصرح وزير الخارجية الاسبق ديفيد أوين بأن الكثير من "الموظفين الحكوميين في بريطانيا" يشعرون في الواقع بأنهم يخدمون الملكة مباشرة وليس الحكومة.
وقال أوين أن كبار العاملين في السلك الدبلوماسي أو القوات المسلحة لن يترددوا في استخدام رخصة الاجتماع مباشرة مع الملكة إذا ما شعروا بوجود خطأ جسيم بخصوص أمر ما، وهو أمر يعلمه رؤساء الوزراء.
والآن، في فبراير 2002، تكتمل خمسون سنة على اعتلاء اليزابيث الثانية عرش بريطانيا. خمسون سنة وهي تجسد الاستمرارية في بلاد تشهد تقلبات مهمة ومصيرية مع تفكك امبراطوريتها وانضمام بلادها بتحفظ الى المجموعة الاوروبية والتحرر الذي بدل الحياة الاجتماعية.
وتميز زواجها عام 1947 بالبذخ في وقت كان الشعب البريطاني لا يزال يعاني الحرمان والتقشف، ساعيا بذلك الى ادخال بعض البهجة الى نفوس البريطانيين الخارجين منهكين من الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وذاك الزواج كان "لونا متألقا وسط طريق شاق" بحسب عبارة ونستون تشرشل.
فصناديق الدولة كانت فارغة والبريطانيون يكتفون بكيلو واحد من البطاطا وثلاثة اوقيات من شرائح لحم الخنزير في الاسبوع يحصلون عليها بواسطة بطاقات التموين. وحدهم التلاميذ نعموا بيوم عطلة بمناسبة زفاف ملكتهم اذ كانت الحاجة الى الاذرع هائلة لاعادة بناء البلاد.
وبعد انتهاء الحرب، وجدت وريثة عائلة ويندسور نفسها تحكم بلادا دخلت مرحلة انحدار. فالامبراطورية تترنح والمستعمرات تحصل على استقلالها الواحدة تلو الاخرى انتهاء بزيمبابوي (روديسيا سابقا، 1980) وبروناي (1984).
الا ان المملكة تجنبت انهاء الاستعمار بشكل عنيف لتفادي صدمة كبيرة وتمكنت من الاحتفاظ بعلاقات اقتصادية مميزة مع مستعمراتها السابقة في اطار الكومونولث بعد ان تم تجديده.
باختصار بريطانيا لم تعد القوة العظمى كما كان الحال في القرن الماضي. وكان فشل حملة السويس التي شنتها اثر تأميم الرئيس المصري عبد الناصر القناة بمثابة مؤشر لتراجع سلطتها على الصعيد الدولي.
وبعد ان اضحت بريطانيا قوة متوسطة البأس، تلقت صفعة جديدة مع رفض الجنرال ديغول مرتين انضمامها الى المجموعة الاقتصادية الاوروبية. والسبب ان بريطانيا كانت، ولا زالت الى حد ما، ذات ميول اميركية اكثر منها اوروبية، ولم ترغب اصلا في الانضمام الى المجموعة الاقتصادية الاوروبية لدى انشائها عام 1957.
وعندما قرر رئيس الوزراء المحافظ هارولد ماكميلان اخيرا عام 1961 تقديم طلب للانضمام الى هذه المجموعة، اصطدم بالفيتو الفرنسي. وتكررت الخيبة ذاتها مع خلفه العمالي عام 1967.
ولم تتمكن بريطانيا من دخول المجموعة الاوروبية الا عام 1972، مع ايرلندا والدنمارك.
وفي حين حكمت جدتها الملكة فيكتوريا في زمن مجد وسلطة الامبراطورية البريطانية، لم يسع اليزابيث الا ان تراقب الانحطاط البطيء للصناعة البريطانية حتى اقفال مناجم الفحم عام 1982، في حين اتجه البلد الى تحقيق ازدهاره في القطاع المالي.
وعلى صعيد الاجتماعي غالبا ما وجدت اليزابيث الثانية نفسها على تباين مع تحرر السلوك والعادات ومطالب الشبان، وهي المتمسكة بالقيم الاخلاقية التقليدية في بلاد شهدت موجة الستينات وبروز فرقة البيتلز وانتشار موضة الازياء القصيرة (الميني جوب) للنساء التي اطلقتها ماري كوانت.
عام 1977 اثار فرقة "سيكس بيستولز" الموسيقية فضيحة باصدارها اقتباسا هزليا للنشيد الوطني البريطاني "غود سايف ذي كوين" (ليحفظ الله الملكة) بمناسبة مرور 25 عاما على حكم الملكة.
ولم تكن العائلة المالكة بمنأى عن هذا التطور الذي طرأ على المجتمع عموما والمجتمع البريطاني خصوصا. فبعد ان كان الطلاق مسألة محرمة في منتصف القرن، انتشر وبات امرا عاديا. واضطر ادوارد الثالث عم اليزابيث الثانية الى التنازل عن العرش ليتمكن من الاقتران بامرأة مطلقة. وبعد ستين عاما، فان شقيقة الملكة وثلاثة من اولادها الاربعة مطلقون.
وان كانت مغامرات العائلة المالكة من خيانات وطلاق واسرار عاطفية تتردد اصداؤها في صحف الاثارة مجرد انعكاس للتطور الذي حل بالمجتمع، الا انها خلعت عن الملكية بعضا من هيبتها. وبعد نصف قرن من ملك اليزابيث الثانية، لم تعد المؤسسة الملكية موضوعا محرما.
وقد بدأ المؤرخون في وضع إنجازات الملكة اليزابيث الثانية في مصاف إنجازات الملكة اليزابيث الاولى (1558-1603) والمكلة فكتوريا (1837-1901) رغم أن اليزابيث الثانية تولت حكم بريطانيا في فترة تراجع للنفوذ البريطاني مقارنة بالملكات السابقات.
ومع استمرار تمتع اليزابيث بصحة ممتازة وهي في الخامسة والسبعين من عمرها، فربما تعيش أطول مما عاشت فكتوريا وتصبح هي الملكة التي أمضت أطول فترة على عرش بريطانيا.