ملكة الجمال في مواجهة السلطان

يبدو ان للزعامة استحقاقاتها في تركيا الجديدة، استحقاقات صار على الاتراك الحذر الشديد حولها وخاصة اذا ما تعلق الامر بما يسمى حرية التعبير. فالمسافة بدأت تتقارب وتكاد لا تبقى من مسافة تذكر مابين حرية التعبير وبين الاتهام بالتشهير والاساءة للرئيس التركي رجب طيب اردوغان او الى نظام حكمه والامثلة كثيرة جدا من مثل القاء القبض على صحافيين وكتاب لتهم تتعلق بسوء استخدام حرية التعبير فضلا عن الحساسية الشديدة للرئيس التركي نفسه تجاه وسائل التواصل الاجتماعي تويتر وفيس بوك وغيرها فهي تشكل مصدر قلق مستمر بالنسبة له.

آخر فصول هذه الدراما ما تناقلته وسائل الاعلام التركية عن استدعاء القضاء التركي لملكة جمال تركيا في العام 2006 (عمرها 26 عاما حاليا)، المهندسة الشابة مروى بويوك سراتش على خلفية اتهامها بأهانة الرئيس التركي من خلال نشرها قصيدة شعرية وهي تهمة اذا ما ثبتت عليها فأنها تعرضها للسجن مالايقل عن 4 سنوات.

والقصة كما ترويها مروى ونشرتها وسائل الاعلام التركية بما فيها صحف "حرية" و"زمان" في نسخها الانكليزية على الانترنت ان هذه الفتاة كانت قد اعجبت بنص شعري ساخر نشرته مجلة "يوكوسوز" التركية الساخرة وهي مجلة تحضى بشعبية لكونها تنشر رسوما كاريكاتورية مع تعليقات ساخرة عن العديد من الشخصيات ومنها ما كانت قد نشرته عن اردوغان مع صورة كاريكاتورية وهو امر معتاد في الصحافة التركية تجاه السياسيين ووجوه المجتمع حتى حل اردوغان في قصره المنيف وباشر سلطاته رئيسا للجمهورية وساعتها اعلن ان ما كان قبل تسلمه منصب الرئاسة ليس كما هو بعده لجهة حرية التعبير.

قصيدة "الاسطى" هي قصيدة ساخرة معروفة وكل ماقامت به مروة انها اعادت نشرها مجددا في صفحتها على انستغرام لتفاجأ بمحامي اردوغان شخصيا يرفع عليها قضية في المحاكم ويجري استجوابها بانتظار محاكمتها في وقت لاحق.

لعل هذا الذي وقع لهذه الفتاة التركية يؤشر حقا لتركيا الجديدة، تركيا الاردوغانية التي صارت لها تعريفاتها الخاصة لحرية التعبير ورؤيتها الخاصة لوسائل التعبير.

احد القضاة الموالين لاردوغان يفسر الامر ببساطة قائلا "إنه لا يمكن التعامل مع المشاركات على مواقع التواصل في سياق حرية التعبير."

وبموجب هذا التعريف القانوني الجديد تدخل وسائل التواصل الاجتماعي في دائرة الخطر وان الكتابة فيها بما لا يرضي المزاج العام او لدى الاقتراب من اردوغان شخصيا يوجب الاتهام والعقاب.

في واقع الامر ان ما جرى من موقف سريالي بحق هذه الفتاة يفرض على المرء لا شعوريا ان يعود في تداع الى الماضي، نوع من "الفلاش باك" الى الازمنة الزاهرة لسلاطين بني عثمان الذين يعدهم اردوغان اجداده، وهو هنا يقتدي بهم اذ لم يعرف على مر تاريخ اولئك السلاطين العتاة من تقبل بأي شكل من اشكال الأنتقاد السلطان بل انه يوجب العقاب الشديد والصلب في الطرقات.

هذا هو واقع الحال في ازمنة غابرة في القرون الوسطى وليس في تركيا الاتاتوركية العلمانية التي صارت اليوم اردوغانية – اخوانية.

تجد هذه الفتاة وغيرها من المتهمين بتهم تتعلق بإهانة اردوغان ونظامه، تجد نفسها في مأزق لا تحسد عليه لا سيما بعدما اطبق اردوغان بقوة على النظام القضائي والقانوني والبوليسي وصار يضرب خصومه بقوة وبلا رحمة، والامثلة كثيرة جدا فلا يكاد يمر يوم دون ان يعلن عن اعتقال افراد مما عرف بالدولة العميقة او الكيان الموازي ممثلا في اتباع فتح الله كولن وهؤلاء تبدو حظوظهم ضعيفة لان الاتهام الذي يلاحقون به هو الخيانة العظمى. ويبدو ان تركيا تحت حكم اردوغان وخاصة بعد تعديل النظام من برلماني الى رئاسي مقبل على اوضاع وقوانين جديدة ستنزل العقاب بكل من ينتقد الرئيس اردوغان وسيكون تكميم الافواه ظاهرة عادية وسيكون الهلع والخوف من المخبرين السريين والاجهزة الامنية السرية التي تراقب وسائل التواصل الاجتماعي امرا واقعا.

الفتاة الشابة ذات الستة وعشرين ربيعا تجد نفسها اليوم في ورطة لا تحسد عليها، فهي قد اعتذرت عن مااقدمت عليه من دون قصد وحذفت مانشرته فورا وانكرت تماما ان يكون قصدها اهانة اردوغان، كل ما في الامر انها قرأت شعرا ساخرا اسمه "الاسطى" قامت بأعادة نشره لكن ما لم يكن متوقعا ان يكون اردوغان بالمرصاد ينتظرها ليجرها المحكمة.

لا ادري ان كان اردوغان سعيدا بهذا النوع من الترهيب وهل يسأل نفسه سؤالا محددا وهو هل ان الاحترام معناه ترويع الامنين والتلصص عليهم والقاء الخصوم في قعر السجون وابعاد آخرين من وظائفهم، هل هذه هي المدينة الفاضلة التى يحلم بها اردوغان؟