ملفات المالكي والسيد النائب

ليست بعيدة عنا تلك الإجراءات التي إستبعدت مرشحين من خوض غمار الإنتخابات لوجود دعاوى قضائية ضدهم، وصفت بالمسيسة، فيما أثيرت دعاوى أخرى بحق مرشحين فازوا بالإنتخابات، غير أن القضاء برأ بعضهم وبقي بعض آخر ينتظر حكم المحكمة.

لم تفلح محاولات مجلس النواب السابق في طلب عدم إستبعاد اي مرشح ما لم يكن محكوما باتا غير قابل للطعن بجريمة مخلة للشرف تؤثر في حسن سيرته وسلوكه، حيث كانت قرارات هيئة التمييز بالإستبعاد قطعية لبعض الأسماء، فيما تراجعت عن أسماء أخرى، أغلبها من كتلة رئيس مجلس الوزراء السابق، ما أكد وجهة النظر التي تبناها المبعدون من أن قرارات الإبعاد كانت ذات طابع سياسي.

إنتهى ذلك الفصل، ولا يمكن العودة اليه، بعد تشكيل مجلس نواب جديد، وإكمال الكابينة الحكومية، لكن يبقى السياق القانوني الذي جرى إتباعه، ساري المفعول، وعليه أصبح لزاماً على كل من يرشح لتبوء منصب في الدولة العراقية أن يقدم صك البراءة من التهم التي توجه اليه، ولا ينبغي أن يستثنى أحد من ذلك.

ربما لم تتبلور بعد دعاوى قضائية بحق بعض السياسيين، وبالتالي قد لا تجد تهمة موجهة ضد شخص ما من أصحاب المناصب، على وفق الآليات القانونية المعروفة، لكن هناك ملفات بالتأكيد تحتاج الى محاكمة سياسية وشعبية قبل عرضها الى السلطة القضائية، والا دعونا نتساءل: لماذا لم يحصل السيد نوري المالكي على الولاية الثالثة لرئاسة مجلس الوزراء، برغم أنه يمتلك أعلى الأصوات، والدستور يدعم ترشحه بحسب تفسيرات المحكمة الإتحادية؟

والجواب لأن أغلب الكتل السياسية أدركت الخطر الذي بات يحيق بالبلاد من جراء السياسات التي كان يتبعها السيد المالكي، خلال ثماني سنوات من حكمه، مايعني أن إستبعاده من الولاية الثالثة، لم يكن بدافع شخصي منه، ولا تنافس غير نزيه على المنصب، وإنما محاولة إنقاذ وطن من التقسيم والتشرذم.

هذا الوصف العام، يمثل محصلة لعدد كبير من الملفات، التي تشكل أعباء جسيمة على المواطن، سواء في الجانب الأمني الذي خرج عن السيطرة، وأخذ ت تتقاسمه الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، في إرتكاب المجازر، وترويع المواطنيين، بحسب مواقع نفوذها، فيما تشن القوات الأمنية والعسكرية معارك ضارية تحت عنوان "مكافحة الإرهاب"، لكن إحداثيات صواريخها وقنابلها وبراميلها المتفجرة دائما تنحرف عن أهدافها متجهة صوب المدنيين والأحياء السكنية حصراً.

وفي هذا المحور تحديداً، كانت لسياسة البطش، أثرها السيئ في تحويل إعتصامات سلمية إستمرت أكثر من عام الى مواجهات مسلحة، نتيجة رفض تلبية مطالب المعتصمين، برغم الإعتراف بشرعيتها، إضافة الى إطلاق توصيفات غير لائقة بحق المتظاهرين، ومهاجمتهم بقسوة، كما حصل في الحويجة، والفلوجة، وصولاّ الى فض الإعتصامات بالقوة، وكانت بمثابة الشرارة لحرب المدن، التي راح ضحيتها الكثير من المدنيين.

ولا يفوتنا هنا أن نذّكر، بإنتهاكات حقوق الإنسان، والممارسات المهينة التي إضطلعت بها المؤسسة الأمنية من خلال الإعتقالات العشوائية، وتعذيب المعتقلين للإعتراف بجرائم لم يرتكبوها، وقد حاولت منظمات حقوقية دولية ومحلية تحذير الحكومة من إتباع مثل هذه الأساليب المنافية لمواثيق حقوق الإنسان التي وقع عليها العراق، لكن لم تجد إستجابة سوى النفي والطعن بصحة تقاريرها.

ملف الإنتهاكات، يمتد من الزركة الى الحويجة، مروراً بديالى وبغداد وأطرافها، وصولاً الى الأنبار وصلاح الين وكركوك ونينوى، ومحافظات العراق الأخرى، لكن هناك أيضاً إنتهاكات من نوع آخر، تتعلق بغياب العدالة في فرص العمل، وتوزيع الثروات، والتمايز الطبقي، والإخلال بالنسيج المجتمعي على وفق المستوى المعيشي.

ثماني سنوات من حكم السيد المالكي، تزخر بالملفات: صفقات سلاح فاسدة، أموال أنفقت على مشاريع وهمية، مليارات صرفت على الكهرباء الوطنية، ولا يزال الناس متعلقين بـ"أبي المولدة"، المطر أصبح يهددنا في كل موسم بالغرق، وبغداد أوسخ عاصمة في العالم، فيما العراق أخطر بلد للعيش فيه، وحصلنا على المراتب المتقدمة في الفساد من بين أكثر دول العالم فساداً، والعراقيون من أكثر الشعوب تطلعاً للهجرة واللجوء الى دول العالم، لطلب الأمن والرزق، فيما زادت البسطيات، وحلق المشردين عند تقاطعات المرور ونقاط السيطرات، برغم أن العراق العظيم يحقق منذ سنيين ميزانيات إنفجارية.

وبعد هذا الإستعراض السريع، الذي لاشك أنه فاتنا الكثير مما لم يذكر، لكن يمكن أن نختصر تلك المرحلة أنها كانت مرحلة أزمات، أو بتعبير أدق أن الحكومة السابقة كانت تصنع الأزمات لتبقى، لكن ماذا عن ضحاياها الذي قتلوا أو شردوا، أو غيبتهم السجون وهم أبرياء، وماذا عن المدن التي قصفت ودمرت، وماذا عن المساجد التي إستبيحت حرمتها، وماذا عن الحصانة التي وفرت للقيادات الأمنية برغم إخفاقاتها، والتي كان من جرائها سقوط مدن ومحافظات بيد المسلحين، وترك الجنود وحدهم في مواجهة الموت، كما حصل في سبايكر؟

من يتحمل كل هذه المسؤولية، اليس من هو على رأس السلطة، إذاً إفتحوا كل هذه الملفات، قبل أن تكافئوا المالكي عليها بمنصب نائب الرئيس.