ملح هذا البحر: الوعي الفلسطيني في تألقه وتحولاته

بروكسل ـ بقلم: د.طاهر علوان
رحلة ثريا بين الأرض والاحتلال

ما بينك والبحر الف حكاية وحكاية..حكاية اجيال نحتت في صخر وجودها باحثة عن خلاص..عن بديل..ففلسطين والبحر صنوان، تتجاوران وتحكيان قصة امواج من الأحزان والخراب.
لكن ان يأتي يوم ينتصب في الجدار الفاصل بين الناس والناس بين الذاكرة والأمل ولا يستطيع فلسطيني ان يقطع بضعة مئات من الأمتار كي يرى البحر وعرائس البحر، المدن البحرية كيافا وحيفا وغيرها فذلك ما كان خارج التوقع والممكن.
ولعلها تجربة اخرى، بعيدة عن الضجيج والبيانات والخطابات تقدم عليها المخرجة من اصل فلسطيني آن ماري جاسر والمقيمة في الولايات المتحدة من خلال فيلمها "ملح هذا البحر"..وهو الفيلم الذي يعرض حالياً في الصالات الأوروبية وعرض في مهرجان سينما المتوسط الذي اقيم في العاصمة البلجيكية بروكسل مؤخراً وحظي باهتمام ملحوظ.

رحلة ثريا بين الأرض والاحتلال

يبدأ الفيلم بلقطات وثائقية لعمليات جرف بيوت وتحطيم ممتلكات الفلسطينيين ابان حقب خلت من عمر الأحتلال الصهيوني لأرض فلسطين.
ثم لقطات للبحر ثم نتابع بعدها لحظات دخول "ثريا" الفلسطينية الأصل الأميركية الجنسية (الممثلة سهير حماد) التي تقرر القدوم من مكان اقامتها في بروكلين لزيارة الأماكن التي هاجرت منها وعاش فيها آباؤها واجدادها وبما فيها مدينة يافا.
ونتابع مع بداية رحلتها الطويلة مراحل التفتيش والتدقيق في هويتها والتحقيق معها وتكرار اسئلة مملة وطويلة من قبيل لماذا جاءت؟ واي جواز آخر تحملين ومن تهدفين ان تزوري وتجيب على اسئلة محققين عديدين بكل هدوء وعفوية وتجادلهم في انها من هنا وجذورها هنا.
ثم تأتي صديقتها لتقلها بسيارتها وتبقى معها مدة من الزمن لكن هدفها الكبير هو ان تكون في يافا ملاعب الصبا.
وخلال ذلك تقرر ان تذهب الى البنك حيث اودع جدها مالاً في الماضي وتسعى هي لاسترجاعه.
ولكن مدير البنك يخبرها ان ما كان قبل الاحتلال في 1948 انتهى ولم يعد لديها مال او لأسرتها مادامت قبل ذلك التاريخ.
وتزور اصدقاء لها وتشاركهم وجبة طعام يصادف ان يحضرها مدير المصرف نفسه وهي تجادل لماذا كل هؤلاء المترفين يكنزون الأموال والآخرين لا يملكون شيئاً.
وبالصدفة تشاهد عماد العامل في المطعم (الممثل صالح بكري) وهو يركب سيارة قديمة فتنظم اليه ويذهب بها ليعرفها بأسرته التي ترحب بها.
وتقرر ان تعمل في المطعم الى جانب عماد..وبالفعل تبدأ بذلك الا انها سرعان ما تختلف هي وعماد مع صاحب المطعم والذي لا يدفع اجورهما ثم يقرر طردهما بسبب الملاسنة معه.
وتتعرف على مروان صديق عماد (الممثل رياض عديس) الذي يحلم بالتصوير السينمائي واخراج الأفلام بكاميرته البسيطة..ثم تقترح عليهما اخيرا ان يقوموا بسرقة بنك من البنوك وبالسلاح ولكن دون اطلاق طلقة واحدة ويؤيدها عماد ويسطون على احد البنوك بعد ان تتنقب وترتدي الزي الإسلامي لا تبرز منه سوى عينيها، واما عماد فيرتدي الكوفية الفلسطينية التقليدية لاتبدو منها سوى عينيه ويبتزان موظفي البنك ويهددانهم وتطالب هي بنفس المبلغ الذي يفترض ان جدها قد اودعه في ذلك البنك قبيل 1948 بينما يكون مروان بانتظارهم في السيارة العتيقة.
وتنجح الخطة وعندها يقررون الذهاب إلى يافا برغم الحواجز الأسرائيلية حيث يعتمران الطاقية الأسرائيلية ويعبران الحواجز بعد ان تخدع الشرطة بهم على انهم من اليهود وبسبب الطاقيات التي يعتمرونها.
ويدخلون حيفا وتستطيع ثريا ان تصل الى منزل جدها الذي تسكنه الآن سيدة اسرائيلية من دعاة السلام ولكن اصرار ثريا على استرجاع حقها في منزلها وسخطها من احتلال تلك المرأة لمنزل العائلة يدفع المرأة الأسرائيلية الى طردها..بينما تحتفظ تلك المرأة بمروان الذي يقرر البقاء والعيش معها.
ولا يجد عماد وثريا بداً من السكنى في منزل مهجور يهيئانه لنفسيهما مضطرين اذ لا بديل امامهما سوى ذلك المكان وتكون تلك المعاناة القاسية سببا لأقترابهما من بعضهما والحلم بحياة تجمعهما معاً..ولكن مجرد ذهاب ثريا الى دكان قريب يكون كافياً لأن تأتي دورية الشرطة مطالبة بأوراق عماد حيث ليس معه اية اوراق ولهذا تكون نهايته ان يلقى القبض عليه وعلى ثريا.

الشخصيات وتحولاتها

يقدم الفيلم شخصيتي ثريا القادمة من بروكلن وهي المهيأة نفسياً للواقع الذي ستراه ومن الممكن ان تراه ولكن دون ان تتوقعه، ولهذا ستكون في مواجهة بلاد لا تفرق بين فلسطيني يحمل جوازاً اوروبياً او اميركياً وفلسطيني تحوم حوله الشبهات..الكل واحد، فما دام فلسطينياً فهو مشكوك فيه وهو ما يقع لثريا في مرورها بحواجز عدد من المحققين قبل ان يؤذن لها بدخول الأرض المحتلة.
ويقدم الفيلم سلسلة من المحققين كل منهم على درجة عالية من التميز في الأداء..واما ثريا التي يجري استفزازها في كل مرحلة من مراحل التفتيش والتقصي حولها فأنها تقدم صورة رفيعة للأداء المتوازن، فهي تجمع بين سيطرتها التامة على ردود افعالها وكل حركة وسكنة منها وبين قدرتها على النفاذ وسط ذلك العالم ذو القبضة الحديدية من اجهزة الأمن التي تفرض سيطرة تامة على كل شيء وقد حولت حياة الفلسطينيين الى جحيم حقيقي.
ولكن ماذا تريد ثريا وماذا يريد عماد؟ انهما لا يطالبان بمعجزات ولا خوارق وليست لديهما طموحات ضخمة، انها مطالب اكثر من عادية وطبيعية يمكن ان يطالب بها أي انسان، ان يعيش عماد بسلام حاصلاً على قوت يومه، لكنه لا يحصل على ذلك وليس امامه فسحة من الأمل في المستقبل، فحياته معاناة طويلة وبلا جدوى، ولهذا يحلم بالهجرة الى كندا او السفر الى هناك لغرض الدراسة، لكن ذلك الحلم لن يتحقق ايضاً.
واما ثريا التي تتمتع بجمال إنساني غريب، وملامح انثوية وديعة ومسالمة فهي الأخرى تشعر ان احلامها البسيطة لا تتحقق ان تشعر ان هذه البلاد التي جاءت منها تحمل لها شيئاً من الوفاء ولا تتنكر لها، لكنها لا تجد امامها سوى الحواجز والجحيم اليومي والتنكر لانتمائها للزمان والمكان.
لكن كلا منهما (ثريا وعماد) يعبران بإنسانية وعذوبة عما يجيش في خواطرهما فهما ليسا عدوانيين ولا يبدلان الغطرسة الاسرائيلية بمثلها بل انهما يحاججان بهدوء وصبر ولكن النتيجة واحدة وتنتهي بإلقاء القبض على عماد من لدن الشرطة لأنه لا يحمل اوراقاً رسمية.

البناء السردي

فضلاً عن الأداء يمكن القول ان الفيلم قد تميز في جوانب عدة منها السيناريو والبنية السردية للفيلم، فقد اوجد الفيلم موازنة موضعية ما بين شخصياته وطموحاتها وتحولاتها وكشف من وجهات نظر وزوايا متعددة حقيقة اساسية تتمثل في الاحتلال، اذ توازنت في هذا وجهات نظر ثريا القادمة من اميركا مع عماد المكتوي في كل يوم بنيران الأحتلال.
مع انه من اللافت للنظر مناقشة ظاهرة تحول شخصان مسالمان كثريا وعماد الى شبه ارهابيين فالأولى ترتدي النقاب وتتلفع بالملابس السوداء والثاني يتلثم كما هم مقاتلو الحركات الفدائية.
اذن هذا التحول يضع علامات استفهام حقا ومنها: هل ان سلطات الاحتلال من الغباء بحيث ينفذ من قبضتها اشخاص يسطون على بنك وكل ما هنالك انهم يرتدون قلنسوة اسرائيلية وهذا وحده كاف لعبورهما؟
ويضاف الى هذا تحول قضيتهما الكبيرة في التعبير عن معاناة شعب بكامله الى مغامرة صغيرة بدخول اسرائيل والوصول الى حيفا ثم وقوعهما في قبضة السلطات.
لكن هذا وغيره طغت عليه مسحة انسانية عميقة ومؤثرة تجعل أي مشاهد لا يملك الا ان يتعاطف مع عماد وثريا.

عرض الفيلم في العديد الصالات الأوروبية، هو من الأفلام المتميزة حقاً وينقل صورة متوازنة وموضوعية عن جانب صغير من الحياة الفلسطينية آخذين بنظر الاعتبار انه لم يقل كل ما يتمنى الكثيرون ان يقال في شأن القضية الفلسطينية ولكنه ليس برنامجاً تلفزيونياً على اية حال ولا مقالة صحافية بل هو فيلم سينمائي مكلف ومن انتاج غربي.

الفيلم: ملح هذا البحر
سيناريو واخراج: آن ماري جاسر
تمثيل: سهير حماد (ثريا)، صالح بكري(عماد)، رياض عديس (مروان)
تصوير: بينوا شاميلار
مونتاج: ميشيل اوبينون