ملتقى الرواية يناقش النوع الروائي والامتساخ والتحوّل في رواية الفانتازيا

فخري صالح: التكنولوجيا المتطورة تقلِّص الخيال لأنها قادرة على تحويل الخيال إلى حقيقة قريبة من رؤوس الأصابع.


نوران فؤاد تتحدث عن أعمال أدبية تناولت الحرفة بشكل مباشر وغير مباشر؛ مثل أعمال يوسف السباعي ومحمد ديب وخيري شلبي ونجيب محفوظ ويوسف القعيد


وهاد سمير تتناول تأثير وسائط الاتصال الحديثة وعلاقتها بدور تصميم مكملات الملابس في رواية الخيال العلمي والفانتازيا

شارك في الجلسة التي ترأسها د. محمد حمدي إبراهيم في ملتقى القاهرة السابع للإبداع الروائي "الرواية في عصر المعلومات" عدد من النقاد العرب من بينهم: فخري صالح وناهد راحيل ونوران فؤاد ووهاد سمير.
وقال الناقد الأردني فخري صالح في ورقته "النوع الروائي وعصر المعلومات": يعتقد بعض المهتمين بتأثير ثورة المعلومات والاتصالات على الأنواع الإبداعية أن تطور التكنولوجيا الهائل خلال العقود الثلاثة الماضية قد أدى، من ضمن ما أدى إليه، إلى تغير جذري في أشكال الإبداع الفني والثقافي، وعلى رأسها الرواية، فمنظورات عصر تكنولوجيا المعلومات تحل محل المنظورات التقليدية للعالم، لكن ذلك الأمر متوقع على خلفية التطورات الحاصلة في كل عصر، فالشعر كان النوع المهيمن في عصور سابقة، ثم حلت محله الرواية في العصر الحديث، ولربما تظل الرواية قادرة على العيش بسبب إمكانية تحويلها إلى شريط سينمائي ومسلسل تلفزيوني، إلى آخره، لأن إنسان العصر لا يشبع من الصور في عصر أطلق عليه الباحثون عصر الصورة.
وأضاف: قد ينظر البعض إلى التكنولوجيا في الحالة السابقة بصفتها شرًّا يلحق الضرر بالإبداع الإنساني، وذلك بسبب إحلالها أنواعًا أدبية وفنونًا شعبية الطابع، يزجي بها الناس وقتهم، محل أنواع أدبية عظيمة تختزل التجارب الإنسانية وتكثفها (الشعر، والرواية، والمسرح)، ومع ذلك فإن التكنولوجيا المتطورة تقلِّص الخيال لأنها قادرة على تحويل الخيال إلى حقيقة قريبة من رؤوس الأصابع. إنها تصل مستخدمها بأقصى نقطة يحلم بالوصول إليها. تقربه من المكتبات البعيدة، والأفلام المنتجة حديثًا، ودور عرض اللوحات والمنحوتات في أقصى أطراف الأرض، ومن الصحف والمجلات الصادرة للتو في عواصم بعيدة. كل ذلك ينتقل إلى المرء في ثوانٍ معدودات بنقرة من أصابعه على لوحة مفاتيح الحاسوب أمامه.  

Cairo forum for creative fiction
تحولات الواقع القوية وتحولات النفس الإنسانية وتقلباتها

وأكد صالح أن ما توفره ثورة تكنولوجيا المعلومات، من خلال الإنترنت، تلك الشبكة العنكبوتية الهائلة من المعارف الإنسانية المتنوعة بخيرها وشرها، يقلب تمامًا مفهومي الحقيقة والخيال، وما يسمى الفضاء التخيلي أو الافتراضي Virtual Reality يصبح واقعًا فعليًّا منظورًا على الشاشة، حيث يتحول الخيال إلى حقيقة، وهو أمر يقود إلى خلخلة مفهومي المكان والزمان التقليديين، ويجعل الإنسان المعاصر يعيد تقييمه لهذين المفهومين اللذين يحكمان وجوده وصلته بالأشياء من حوله. 
ويرى فخري صالح أن الإبداع، في هذه الحالة، يجتاز منعطفًا مهمًّا، ويمر بعملية تحول معقدة تحكم علاقته بالفضاء المكاني والزماني الذي يغلف البشر والكائنات والموجودات الأخرى، ولا شكَّ أن تمدُّد ما يسمَّى الفضاء المعلوماتي Cyber Space، واتساع هذا الفضاء إلى مَدَياتٍ يصعب ضبطها والسيطرة عليها، قد خلق عالمًا جديدًا يظهر أمام ناظري مستخدم الحاسوب عندما ينقر لوحة المفاتيح ليتصل بهذا العالم المصنوع من الكلام والصور والأصوات السابحة بين الشاشات في طول العالم وعرضه، ولا بدَّ أن هذا التحول الهائل في عالم المعرفة، وأشكال بثِّها ونشرها، سيجعل كتاب الرواية، والسرد بعامة، يواجهون تحديات كثيرة على صعيد الأساليب ووسائط الوصول إلى القراء، وعلاقة اللغة المكتوبة بما تصوره، في ضوء اكتساح الصور وشرائط الفيديو للعالم الذي يصوره الروائيون وكتاب القصة. 
وعن "الامتساخ والتحول في رواية الفانتازيا .. دراسة مقارنة في روايتي "لآدم سبع أرجل" و"ليليلا النمرة" قالت الباحثة ناهد راحيل: تتحدد الفانتازيا لدى تزفيتان تودوروف، عند تردد كائن لا يعرف سوى القوانين الطبيعية أمام حادث له صبغة فوق طبيعية، فالفانتازيا تتغذَّى من صراعات العالم الحقيقي والممكن وتبحث عن مفاجآت محتملة للعالم العادي والمألوف. كما يؤكد لوي فاكس أن الرعب يعد من أساسيات هذا الحكي، والمقصود رعب المعنى والقدرة على خلق حالة من الإدهاش والغرابة؛ حيث تأكيد الالتقاء بين الخوف والمنطق، فالمنطق يحققه الوجود الواقعي الطبيعي، والخوف يحققه وجود العناصر فوق الطبيعية. 
وفي الروايتين محل الدراسة، "لآدم سبع أرجل" (2016) لدعاء إبراهيم، و"ليليلا النمرة" (2004) لألونا قمحي، ترى راحيل أن الكاتبتين قد اعتمدتا المفارقة لعرض تناقضات الواقع الطبيعي ومواجهته بما هو فوق طبيعي، وقد تحدد الحكي الفاتنازي في النصين عبر التقاء الطبيعي/الواقع بقوانينه المألوفة، بما فوق الطبيعي/الامتساخ والتحول.
وتوضح أن الامتساخ أو التحول من التيمات التي تسود غالبية الأدب الفانتازي؛ فهي تتماس بشكل كبير مع تحولات الواقع القوية وتحولات النفس الإنسانية وتقلباتها، وهذا الجانب الواقعي في تمظهراته النصية داخل الروايتين كان هو الجانب المستهدف من الحكي نفسه بقصد تعريته ومحاكمته.
وقالت: اعتمدت الدراسة على الدرس النقدي الثقافي الذي لا يفصل النص عن السياق الذي أنتجه، ويهدف إلى محاولة الكشف عن البنى المضمرة داخل النص، مع الإفادة من مقولات تزفيتان تودوروف ومحدداته الإجرائية للأدب العجائبي.
أما د. نوران فؤاد فقد تحدثت عن اقتصاد السوق المعولم وفنون الأدب (الرواية نموذجًا) وقالت: الحرفيون المصريون أصحاب الأنامل الذهبية التي صنعت تراثنا الفني والثقافي، والحرفة الشعبية أحد الأبعاد المادية للثقافة الشعبية، حيث ترتبط بالمجتمع وتستلهم أشكالها وفنونها من تراثه ويتصل إنتاجها بعادات وثقافة المجتمع، في الوقت الذي تتعرض فيه هذه الحرف لمنافسة عولماتية شديدة (تنميط الإنتاج لصالح سوق عالمية)، الدعاية والتسويق لمنتجات الشركات العالمية على حساب الإنتاج الحرفي اليدوي التقليدي، الذي يعجز بإمكانياته المحدودة وأدواته التقليدية، على مواجهة الغزو السلعي الرأسمالي، وفي ذلك يثير المثل الشعبي هذه القضية في ضوء الآتي "تراب العمل (غبار العمل) ولا زعفران البطالة"، وعادة فإن العامل أو الحرفي تعلق به الأتربة العالقة بالخامات التي يستخدمها، ويعني المثل تفضيل العمل حتى ولو كان شاقًّا وصعبا، والجزء الثاني يشير إلى أن البطالة مكروهة حتى ولو كانت مريحة. 

الوحدات التكنولوجية والإلكترونية والمجالات العلمية المختلفة أصبحت مجالاً للإبداع، مما جعل خيال المصمّم يثرى بالعلم والفن

وإذا كانت الصناعة مطلوبة وتوجه إلى السوق كانت بمثابة السلعة التي تلفق سوقها وتجلب للبيع فتجتهد الناس في المدينة لتعلم تلك الصناعة ليكون لها معاشها، لذا وبما أن الأدب منتج اجتماعي يحمل بصمات المجتمع الذي أفرزه من أمثال وحكايات وصور وروايات، لذا نجد إشارة الأعمال الأدبية إلى الحرفة الشعبية عبر اتجاهين: أولاهما: أعمال أدبية تناولت الحرفة نشاطًا اقتصاديًّا معولمًا بشكل مباشر، مثل السقا ("السقا مات" - يوسف السباعي 1921)، الصبي وهو في ثبات هادئ عميق يريح به جسدًا أنهكه طول السير واللعب وحمل القرب والعراك مع الصغار"، "فرحة الحرفة وحزنها". والنـول: محمد ديب كاتب وشاعر، "ولد في تلمسان، الجزائر، 1920" سنتابع في أعماله الجزء الثالث من ثلاثية محمد ديب الشهيرة بالجزائر، "الدار الكبيرة" 1952، "الحريق" 1954، "النول" 1957. وبطن البقرة: حيث سر المهنة في رائعة الأديب خيري شلبي، يصدق على روايته تصنيفها إلى جغرافية، أكثر منها ثقافية اجتماعية فلم تطرق بالعادة إلى اختيار أدوات الحرفة والنسب والخامات وطرق المزج، التمويل في الحرفة، آليات السوق وفقًا لمبدأ العرض والطلب. 
والاتجاه الثاني: أعمال أدبية تناولت الحرفة بشكل غير مباشر؛ مثل أعمال نجيب محفوظ، فقد عبّر أدب نجيب محفوظ عن القاهرة متعددة الطبقات التاريخية والجغرافية بمكوناتها (حضاريًّا ومعماريًّا)، ومنها دور العلم، الأسواق، أماكن لممارسة المهن، البضائع المتخصصة، فهو يعبر عن مستوى رمزي باكتشاف مناطق جغرافيا القاهرة، وزمانية القاهرة. وأيضا يوسف القعيد (الأعمال الكاملة: شكاوى المصري الفصيح، عارضًا لأماكن الحرف الشعبية، باب النصر، باب الشعرية، سوق الميمون، باب الوزير، السيدة نفيسة، الإمام، القلعة بالقرب من المقطم إلى مجرى العيون، الدرّاسة).
بيما تحدثت الباحثة وهاد سمير عن تأثير وسائط الاتصال الحديثة وعلاقتها بدور تصميم مكملات الملابس في رواية الخيال العلمي والفانتازيا، وقالت: إن الإنسان مخلوق اتصالي لا يستطيع العيش دون التواصل مع الآخرين؛ يأخذ منهم ويعطيهم، يشاركهم أفكارهم ويتبادل معهم الخبرات والمعلومات والمهارات وتتلاقى العقول وتسعى إلى إيجاد مجموعة من الرموز المشتركة في الأذهان، وكي يتم الاتصال بنجاح لا بد من توافر طرفين يتبادلان الاتصال الذي هو في الأساس عملية اجتماعية مستمرة ونستطيع تحقيق الاتصال بأكثر من طريقة. 
 وتدخل تلك الرموز في تكوين الرسائل التي تصدر من العقل لتحقيق أهداف معينة وإقامة علاقات منطقية بينها.
ولأن الحياة حركة واستمرار فنجد الصورة العقلية ليست ثابتة لتفاعل المرء مع ما حوله من أحداث واكتشافات تضيف إليه تراكمات معرفية، ولأن الاتصال يعد لغة بظهورها بدأت الحضارة الإنسانية، وبها أصبح الإنسان سيد العالم لاستطاعته أن يقيم شبكة من الكلمات مكَّنته من تحديد الأشياء وتوضيح الأفكار والتعبير عنها. 

Cairo forum for creative fiction
من روايات الحرف المباشرة

وأضافت وهاد سمير: لقد تطورت الحياة في السنوات الأخيرة وتسابقت الاكتشافات منذ بدأت ثورة الكمبيوتر والاتصالات والإنترنت والإنترانيت والفيديوتكست والاكتشافات العلمية؛ مثل خريطة الجينات الوراثية والتجارب المتسارعة في الاستنساخ في الحيوان والإنسان، ومدرسة الهليوجراف، والثورة الفضائية، والفيمتوثانية، وعديد من النظريات العلمية التي قفزت بالعالم في العشرين سنة الأخيرة قفزات واسعة، مما جعل الإنسان لا يتخيل ماذا سيقول لنا القرن الحادي والعشرون من خلال تلك القفزات وكيف سيكون شكل العالم.
إننا لا نهتم أن نحلم ولسنا قادرين دومًا على أن نحكم، ولكن من الضروري أن نفعل ذلك، فلولا الأحلام والتخيُّلات لما وجدت الآمال، ولولا الآمال لتوقف البشر حتمًا، بما في ذلك جماعة العلماء، عن التقدم في العلوم؛ ولولا القدرة على التخيل المستقبلي لما استطاع الإنسان أن يحل المشكلات المعقَّدة ذات الصيغ العلمية أو الاقتصادية أو السياسية، وعلى ذلك فعلى الإنسان أن يحلم حتى يتسنَّى له إيجاد تناسق بين الحاضر والمستقبل. والعلم في مجتمعنا له هدف واحد هو خدمة الإنسان والوفاء بحاجاته المادية وضرورياته الروحية.
لذلك، فالنظر إلى القرن القادم ومحاولات التنبؤ بالمستقبل التي بنيت على أساس أهم ما قام به العلم الحديث من أعمال مثيرة للاهتمام هي حلم علمي، وقد يؤتي ثمارًا تستحق الذكر.
وأوضحت سمير أن الخيال العلمي يرتبط بالعلم وتأثيراته على المجتمع سواء كان ذلك إيجابيًّا أم سلبيًّا من خلال الرؤية الخيالية، وهو الحدث الذي يدور في المستقبل ويتناول العلم والعلماء والمكتشفات والمخترعات والتنبؤ بالمستقبل، ويؤكد أهمية اعتماد قصة الخيال العلمي على الحدث العلمي. 
وقالت إن الفنتازيا هي: أي فن يتصف بالغرابة والانحراف عن المسار الطبيعي لواقع الحياة، ويتصف بتصور من الناحية اللاعقلانية، وفق منطق معكوس للمنطق الطبيعي في خصائصه. لقد فرض العلم نفسه على الاتجاهات الفنية المعاصرة، مما أثرى الجانب الإبداعي في كل التخصصات وأصبحت الوحدات التكنولوجية والإلكترونية والمجالات العلمية المختلفة مجالاً للإبداع، مما جعل خيال المصمّم يثرى بالعلم والفن، ومع شيوع العلم أصبح الخيال العلمي مشاركًا فعالاً في التطوير والتنمية.