ملايين النازحين يهربون من العنف الى الجوع

فراشهم الارض وغطاؤهم السماء

جنيف ـ فشلت حكومات الدول الخمسة عشر الأكثر تضرراً من النزوح الداخلي في حماية النازحين داخلياً على نحو كاف، بل وكانت تلك الحكومات في كثير من الحالات هي التي ترتكب أعمال العنف أو التجاوزات التي تؤدي إلى النزوح، وفقاً لدراسة أجرتها مؤسسة بروكينغز بالاشتراك مع كلية لندن للاقتصاد.

وفي تعليق له على الموضوع، قال مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق النازحين، تشالوكا بياني، أن "النتيجة الرئيسية لهذه الدراسة هي أن الحكومات لا تبدي الالتزام الكافي بمعايير" توفير الحماية الكافية للنازحين داخليا.

من جهتها، أكدت اليزابيث فيريس، وهي إحدى أعضاء الفريق الذي أعد الدراسة التي غطت 15 دولة تأوي 72 بالمائة من مجموع النازحين بسبب الصراع المسلح أو الصراع العرقي أو غيره من أشكال العنف والبالغ عددهم 27.2 مليون نازح، أنه بإمكان تلك الدول القيام بأكثر من ذلك بكثير.

وأضافت في تصريح لها على هامش اجتماع في جنيف تم خلاله تقديم دراسة بعنوان "من المسؤولية إلى الاستجابة: تقييم النهج الوطني للنزوح الداخلي": "إذا كنا سنأخذ النازحين على محمل الجد، فهناك العديد من الأشياء التي يمكننا القيام بها لجعل حياتهم أفضل دون أن يكلفنا ذلك الكثير من المال لأن كل المطلوب هو الإصرار وامتلاك الإرادة السياسية".

ورغم أن الدراسة لا تقيم أداء الحكومات، إلا أن فيريس أشارت إلى أن كولومبيا وجورجيا وكينيا وأوغندا تسير في الاتجاه الصحيح بشكل واضح، في حين تأتي جمهورية أفريقيا الوسطى وميانمار واليمن في ذيل القائمة.

وتتمثل الدول الأخرى التي شملتها الدراسة في أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية والعراق وباكستان ونيبال وسريلانكا والسودان وتركيا.

وعلى الرغم من نصف الدول التي غطتها الدراسة تقريباً قامت باعتماد بعض التدابير الوقائية على الورق، "إلا أن الدول الخمسة عشر جميعها لم ترق إلى مستوى منع النزوح كممارسة عملية على أرض الواقع"، حسب التقرير الذي جاء فيه أيضاً أن "العديد من السلطات الوطنية ترتكب أعمال عنف أو انتهاكات لحقوق الإنسان تؤدي إلى النزوح، كما ترسخ دول عديدة ثقافة إفلات مرتكبي انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان من العقاب".

وتتحمل الدول المسؤولية الأساسية عن حماية الأشخاص داخل حدودها، بموجب القانون الدولي، ويجب عليها توفير حماية خاصة للنازحين داخلياً بسبب كونهم معرضين للمخاطر بشكل خاص.

وتوفر المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي إطاراً للدعوة ورصد احتياجات المساعدة والحماية للنازحين داخلياً.

وتهدف اتفاقية الاتحاد الأفريقي لحماية ومساعدة النازحين في أفريقيا (المعروفة باسم اتفاقية كمبالا) والموقعة في أكتوبر/تشرين الأول 2009، من بين ما تهدف إليه إلى "تشجيع وتعزيز التدابير الوطنية والإقليمية لمنع أو تخفيف، وحظر وإزالة الأسباب الجذرية للنزوح الداخلي، فضلاً عن توفير حلول دائمة لتلك المشكلة...ففي نهاية المطاف، الدولة فقط هي التي تستطيع أن توفر حماية دائمة للنازحين داخلياً"، حسب الدراسة.

"وبالتالي فإن ممارسة الدولة لمسؤوليتها الوطنية تجاه النازحين داخلياً يجب أن تشكل القاعدة الأساسية للاستجابة الفعالة للنزوح الداخلي. إن المسألة لا تتعلق بالتحايل على مبدأ المسؤولية الوطنية، بل تتعلق بالاسترشاد بهذا المبدأ وتوجيه جميع الجهود بشكل يقظ لتحقيق استجابة فعالة".

ويقول التقرير أن مسؤولية الحماية تؤكد "أولاً وقبل كل شيء" مسؤولية الحكومات عن حماية السكان داخل حدودها.

وهو ما علق عليه بياني، الذي يعمل أيضاً كمدير مشارك لمشروع مؤسسة بروكينغز وكلية لندن للاقتصاد بشأن النزوح الداخلي، بقوله: "إذا اضطلعت الحكومات الوطنية بمسؤولياتها في مجال حماية النازحين داخلياً، سيعني هذا الالتزام بمسؤولية الحماية على الصعيد الوطني. إن هذه الدراسة تضع الصلة بين مسؤولية الحماية والنازحين داخلياً موضع الصدارة".

نقص القدرات والإرادة السياسية

أشارت الدراسة إلى أنه "على الرغم من وجود إجماع واسع على مبدأ المسؤولية الوطنية، فإن الحكومات قد تفتقر إلى القدرة على معالجة النزوح الداخلي، أو الإرادة السياسية للاستجابة بشكل فعال، وفي كثير من الحالات تتعمد دفع السكان إلى النزوح الداخلي، أو على الأقل التغاضي عن الإجراءات التي تتسبب في ذلك".

"وارتكبت القوات الحكومية والميليشيات والجماعات المتمردة في السودان انتهاكات حقوق إنسان فظيعة، وكان من بين ضحاياها أشخاص نازحين بالفعل، كما صعدت من هجماتها التي أسفرت عن نزوح جماعي".

إن اعتراف أية حكومة بالنزوح بشكل علني هو خطوة أولى أساسية نحو حماية ومساعدة النازحين داخلياً، ولكن هذا لا يحدث دائماً، حسب التقرير الذي استشهد على ذلك بحالة ميانمار، حيث "لا تعترف الحكومة بوجود صراع ناجم عن النزوح".

وقد ترددت حكومات تركيا والعراق وأفغانستان وباكستان وسريلانكا ونيبال"في بعض الحالات في تسليط الضوء على حقيقة تسبب عملياتها العسكرية في نزوح أعداد كبيرة من الناس، أو عدم تمكنها من منع العناصر المسلحة الأخرى من تشريد أعداد كبيرة من الناس".

وفي هذا السياق، أشارت كيت هايف، التي ترأس مركز رصد النزوح الداخلي في المجلس النرويجي للاجئين، أن جمع بيانات تفصيلية عن النزوح يمكن أن يلعب دوراً رئيسياً في حث الحكومات على التحرك.

"وفي حالات كثيرة، لا تعترف الحكومات بوجود عملية نزوح، ولكننا نستطيع باستخدام البيانات الأساسية وتقديم الأدلة أن نفتح الأبواب. إن الأمر يتعلق بجمع الأدلة الدالة على وجود نزوح - هذه هي الأرقام وهذه هي القضايا التي تواجه الناس".

التوصيات

توصي الدراسة بضرورة أن تجعل الحكومات قضية النازحين أولوية سياسية، وتحدد جهة تنسيق مؤسسية لتقديم المساعدة للنازحين، وتعديل أو تبني التشريعات ذات الصلة، وتخصيص الاعتمادات المالية الكافية، ودعم عمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان التي تنخرط في قضايا النازحين، وطلب المساعدة الدولية إذا اقتضى الأمر ذلك، والبحث عن حلول دائمة بمشاركة النازحين.

ومن بين النازحين بسبب الصراع والعنف الذين بلغ عددهم 27.5 مليون في أكثر من 50 دولة بحدود نهاية عام 2010، يعيش 11.1 مليون نازح في قارة أفريقيا، بما في ذلك ما بين 4.5 و5.2 مليون في السودان، و 5.4 مليون في الأميركتين معظمهم في كولومبيا.

أما في جنوب وجنوب شرق آسيا، فيوجد أكثر من 3.5 مليون نازح، بالإضافة إلى 3.9 مليون نازح في منطقة الشرق الأوسط، و2.5مليون في أوروبا وآسيا الوسطى. كما نزحت ملايين أخرى بسبب الكوارث الطبيعية أو المشروعات التنموية.(ايرين)