ملامح المقاومة في الأدب المصري القديم

بقلم: السيد نجم
يشاهدك كل البشر

يعد كتاب "القصص الشعبية في مصر القديمة" لج. ماسبيرو عام 1882، سجلا هاما, علق عليه الكاتب الفرنسي جوستاف لوفيفر بقوله "إن القصص في الأدب الإغريقي لم تكن إلا نوعا من سمر الأطفال, بينما كانت في مصر القديمة أعمالا أدبية."
يشغلنا منها ما عبر عن "المقاومة". ونقول بما قال به جوستاف "إن الأدب لا يقاس بالنمو والتقدم, لأن الأدب ينساب في نغمة إيقاعية ولا يسير في خط متصل, فلكل من الأدباء وقته وظروفه."
نتخير بعض الملامح المقاومية من الأدب الفرعوني:
- التغني بالبطل المنتصر وبالانتصارات الكبرى، من أجل تعريف الناس والأجيال الجديدة بانتصارات أبطالها في مواجهة الخطر الداهم. وتعد قصة "فتح جوبي" أو "الاستيلاء على يافا" من أشهر تلك النماذج القصصية.
تتميز بالحيوية السردية والجاذبية، وتتغنى بالقائد "دجهونى" أو قائد جيش تحتمس الثالث. عرف عنه الدهاء العسكري, وهو ما جعله يتمكن من فتح المدينة, فمنحه الحاكم "كأسا من الذهب".
كانت حيلة القائد في إخراج أمير المدينة "جوبي" إلى خارج أسوارها, ثم إرسال الكثير من الجنود إلى داخل المعسكر في سلال كبيرة (وقد تكررت هذه الحيلة في التاريخ, كما فعلها الزبير لدخول حصن بابليون, وأيضا خدعة حصان طروادة.)
جزء من النص يصف الخدعة "وأسرع دجهوتى بإحضار المائتى سلة التي سبق له أن صنعها, ووضع بداخلها مائتي جندي زودهم بالحبال والأوتاد. وزود دجهوتى جنوده بتعليماته قائلا لهم: عليكم بتخليص زملائكم من السلال المختومة حال دخولكم المدينة, والقبض على جميع الرجال بها, وتقييدهم في الحال."
- كما شارك الشعر في هذا المجال, وهو ما وضح في "أناشيد الملك سنوسرت الثالث", وفي قصيدة "انتصار تحتمس الثالث" وأخرى "لرعمسيس الثاني" وغيرها. منها هذا الجزء الشعري من أناشيد "سنوسرت الثالث, وترجع أهمية هذا النشيد (الأناشيد) أنه الوحيد الذي وصلنا في مديح القائد الفاتح, فيبدو أن القائد الملك فتح إحدى مدن الصعيد واستقبله أهلها بهذا النشيد: الثناء لك يا "خا كاو رع"! يا "حور", يا صقرنا المقدس الموجود.
الذي يحمي الأرض ويمد حدودها.
الذي يقهر البلاد الأجنبية بتاجه
الذي يضم الأرضين (مصر) بين ذراعيه.
والذي يذبح رماة السهم (الآسيون) من غير ضربة عصا (أي من الخوف)
أما الدعوة من أجل استرداد الحق المغتصب أو رد الظلم, فهي من الملامح الهامة. وقد ميز الكاتب المصري بين ظلمين: ظلم العامة من الخاصة، مثل ظلم الموظف الكبير أو صاحب الأرض للفلاحين كما في قصة "فلاح فصيح"، وظلم الخاصة فيما بينهم كما في قصة "المخاصمة بين حور وست".
تقع قصة "فلاح فصيح" في حوالي أربعمائة سطر. ولها عدة أسماء "شكوى الفلاح", "مرافعة الفلاح", "الفلاح الفصيح". كما اختلف في هوية بطل القصة ما بين فلاح أو تاجر ملح. ومنهم من قال إنه من وادي النيل, وقائل بأنه من واحة "سيث".
تتعرض القصة لرجل جاء من واحة الملح (وادي النطرون) اسمه "خو نانوب", جاء إلى الوادي لبيع الملح والشراء من ثمار الوادي. فلما قرب من مدينة "نينسو" اعترضه شقي واستولى على حميره. فتوسل بأكبر موظفي الدولة وقدم شكواه في رسائل, بلغت تسع رسائل تتسم بالبلاغة والحجة والمرح.
أما قصة "حور"و"ست", فقد صلت كاملة بعد أن كتبت في عهد رمسيس الخامس. تعتمد فكرتها على منافسة بين حور وعمه، إلا أن أوزوريس قبل أن يكون الحاكم الأول في مصر, ترك على أرض مصر وظيفة إله الموتى, فكان لابد أن يشغلها حور أو عمه. يعرض الأمر على محكمة الآلهة, وتستمر ثمانين سنة حتى يفوز حور بها, وهو ما يعبر عن انتصار الحق.
- الحنين إلى الوطن, سمة شفيفة في أدب المقاومة, حيث العواطف ولوعة الفراق مع الجزع من الغربة والابتعاد عن أرض الوطن, حيث تزكية الانتماء الذي هو عتبة أدب المقاومة.
قصة "سنوحى", وقد أجمع علماء المصريات على أن تلك القصة أفضل ما يمثل الأدب المصري القديم. ترصد القصة الحرب مع اللوبيين, حيث كان "سنوحى" تحت قيادة ولي عهد مصر, أما وقد توفى الملك ورحل ولي العهد لتولي شئون البلاد, ارتحل سنوحى إلى سوريا حيث أقام وتزوج وجعلته إحدى القبائل شيخها. وبعد سنوات طويلة تصله أوامر ملك مصر بالعودة إلى مصر ومتابعة قيادة الجيش. ويبدو أن هذا ما تمناه سنوحى, فترك سوريا عائدا إلى مصر كي يدفن فيها.
- الدعوة إلى العدل والإصلاح, فهي أيضا من ملامح أدب المقاومة الذي يدعو إلى إرساء القيم العليا. كما كتب المصري القديم تلك المعاني تحت عنوان "شكوى". وأيا ما تكون المسميات, فالغرض اجتماعي (مقاومي) وسلاح من أسلحة الإصلاح العام.
قصة "الصدق والكذب"، تبدأ القصة بنزاع بين "صدق" و"كذب" بخصوص مدية أعارها "كذب" لأخيه "صدق" الذي يبدو أنه أتلفها أو أضاعها. نتيجة ذلك تمكن كذب من أن يحصل من آلهة ظالمة على موافقة بأن تفقأ عين صدق, وبأن يكون حارسا على منزله.
لم يستطع كذب تحمل رؤية غريمه, فأمر بإرساله إلى الصحراء حتى تلتهمه الحيوانات المفترسة. تمكن صدق بفضل أصدقائه من التخلص من العذاب, فتأويه امرأة أعجبت به, وتزوجته وحملت منه، وتلد طفلا. يقوم الطفل فيما بعد بالانتقام من أعداء أبيه. ويدعى الابن سرقة العجل بواسطة العم, لكن المحكمة تنكر وجود العجل, فيقول الابن: كذلك المدية عادية وليست لها قوى سحرية كما قال العم.
تنتهي القصة بمعاقبة "كذب", ويضرب مائة جلدة ويحكم عليه بالعمى في عينيه ويصبح بوابا لمنزل "صدق" ليتحقق العدل في النهاية.
- كما تبدت "المقاومة" في الآداب المصرية القديمة من خلال الفكر. فلم تكن "ديانة آتون" على يد اخناتون إلا صورة من صور إعمال الفكر من أجل الجماعة. وعلى الرغم مما ناله إخناتون من عنت وتجاهل بل واتهامه بالإلحاد، فإن مبادئ تلك الديانة تعد توجها فكريا مقاوما.
ربما أهم تلك القيم (الحقيقة أو العدل أو الأصول), وهى ترجمة كلمة "ماعت" ومعناها أن يسمى الناس الأشياء بأسمائها, فلا يلجأون إلى النفاق أو المداهنة.
كره إخناتون تصوير الله على صورة إنسان أو حيوان كما كان شائعا, وجعله كقرص الشمس.
"آتون" هو الإله الواحد الذي لا شريك له, وتحريم تعدد الآلهة.
متن نشيد هام المضمون: إنك صانع مصور لأعضائك بنفسك.
ومصور دون أن تصور
منقطع القرين في صفاته مخترق الأبدية
مرشد آلاف الآلاف إلى السبل
وعندما تقلع في عرض السماء يشاهدك كل البشر.

هكذا يبدو جوهر الأدب المصري القديم، وروح الإنسان المصري، الذي انتمى إلى طين الأرض التي يرويها النيل، وتغذيها أشعة شمس كل صباح. السيد نجم abnegm@gmail.com