ملامح الشخصية اليهودية في رواية 'يهود الإسكندرية' (2 / 3)

البرجماتية والانتهازية

هنا نبدأ بعرض بعض من ملامح شخصية اليهودي، والتي تواتر كثير من الأدباء على إيرادها، وهذا التواتر يؤكد عندي ثبات هذه الملامح التي تعد جزءا لا يتجزأ من شخصية اليهودي ومنها:

1- التجمع في شكل جماعات وظيفية: وقد عرفت هذه الظاهرة بـ (الجيتو) وعنها يقول أحدهم "الجيتو يعتبر أشهر الأشكال الانعزالية اليهودية فى العالم بحيث أصبح يطلق على سبيل التعميم علي كل شكل من أشكال الحياة اليهودية الانعزالية وسط الشعوب التى عاشوا بين ظهرانيها، والجيتو عبارة عن حى أو عدد من الشوارع المخصصة لإقامة اليهود".

ولعل أصل تلك الرغبة في التجمع في جيتو هو عدم الرغبة المتوارثة لدى اليهود في الإندماج مع الآخر.

"فهم يصفون الاندماج بأنه انحراف عما يتصورون أنه الشخصية اليهودية القومية الخالصة المطلقة التي تقف خارج التاريخ فاليهودي على حد قول بوبر، شخصية فريدة لا يمكن فهمها ولا يمكن استيعابها ولذا لا يمكن أن تندمج مع بقية الأمم".

وهذا ما تعرضه الرواية بجلاء حينما عبرت عن تجمع يهود الإسكندرية في مكان بعينه (حارة اليهود) بمنطقة (سوق السمك بالإسكندرية).

وحينما حصل أحد حلاقي الصحة من اليهود من الوالي سعيد على أبعادية بمنطقة الطابية كان أول ما فكر فيه عامير أحد كبار الأغنياء بالاسكندرية والممثل الأول لرعاية الطائفة اليهودية هو أن يحصل على هذه الأبعادية ويجعلها مكانا لا لجون وحده وإنما لكافة يهود الإسكندرية بل ليهود مصر إن أرادوا، وهذا يبرز دور كبار يهود العالم لصالح تجمع اليهود في بقعة ما تنفيذا للتراث الديني اليهودي الذي تدفع أدبياته إلى ضرورة لم شتات يهود العالم في دولة بعينها، وهذا ما حققته الوكالة الصهيونية العالمية في فلسطين بموجب وعد بلفور.

يقول عامير "يمكن لجون أن يفيد كل يهود الإسكندرية بهذه الأبعادية. نعم. هذا الذي سيعمل عامير من أجله. ينتقل يهود الإسكندرية كلهم إليها. وربما يهود المناطق القريبة، حتى لو أراد يهود القاهرة أن يأتوا إليها؛ فليأتوا. فجون وحده لن يستطيع فعل شيء، ستظل الأرض الشاسعة دون زراعة. سيتحدث مع جون في هذا، سيــــــقول لــــه أن يأتيه بصك الملكية ليقرأه بنفسه يهود الإسكندرية" ص 102.

وتتبنى معظم الشخصيات اليهودية الكبيرة أو المثقفة هذه الفكرة مهما كان مركزها إلا ان إحساسا ما بالمسئولية الشخصية عن الدعوة إلى التجمع وتنفيذها لا يفارق أحدا؛ فزكي مرجان أحد أفراد الجيل الثالث من الرواية بعدما جرب حظه الفني في إسرائيل وأوربا يعود إلى مصر داعيا جوهرة آخر من تبقى من يهود الطابية، ومؤكدا لها أن نهاية كل يهودي في العالم ومستقره الأخير إلى اسرائيل يقول "مآل كل إنسان مهما طال عمره؛ الموت. وكذلك اليهود مآلهم إسرائيل" ص 437.

2 - البرجماتية والانتهازية: وأعني بها ملمحا يعم العناصر اليهودية إذ أنها تكشف عن جانب حرص الشخصية اليهودية على استغلال الفرص، واستثمار المواقف والأحداث المناسبة لتمرير قرار ما أو أي مكسب يعود على اليهود بعامة بالنفع أو على أحدهم بشكل شخصي، وفي سبيل ذلك الهدف النفعي تبرز الانتهازية كصفة ملازمة لليهود، فعامير بك يظهر في أول سطور الرواية قلقا وشاردا إذ يخشى أن يموت الوالي سعيد والذي يبدو أن نهايته وشيكة لمرضه الشديد دون أن يحصل منه اليهود على أي امتياز لصالح اليهود في الاسكندرية أو في مصر ولذلك يهديه فكره إلى البحث عن يهودي بسيط وفقير يعمل حلاق صحة ليسهم في علاج الوالي ودهن جسده بالمراهم والأعشاب دون أن يتأفف من رائحته الكريهة والتي جعلت كل معالجيه ينفرون منها، فيجد ضالتة في جون بسوق السمك بواسطة سائق عربته اليهودي فرج والذي يسكن مع جون بنفس الشارع.

وقد تم لعامير حقا ما أراد فحصل جون على رضى الوالي وصك بملكية أبعدية كبيرة المساحة في منطقة الطابية، تلك التي حاول عامير كما رأينا آنفا أن يجمع فيها كل اليهود.

ونلحظ هذا السلوك مضطردا، فأحد الحاخامات ينصح مظلوم اليهودي والذي يعمل تابعا لحسن بدوي باشا بضرورة الاستفادة من علاقة الباشا بالملك فؤاد لصالح اليهود.

يقول السارد عن الحاخام عند مقابلته مظلوم بأحد الأديرة (يمثل مظلوم القوة، بجسده العملاق القوى، لقد لعب مصارعة في نادي المكابي، وكان يصرع اللاعبين في كل النوادي. ويفخر لأنه يحقق ما يريده الدين اليهودي، فهو وريث موسى القوي وشمشون الذي كان يقتلع الأشجار من الأرض، ويصرع الأعداء.

واستعد الحاخام لترك المعبد الذي جاءه زائرا، فشد على يد مظلوم قائلا:

- سيترك حسن بدوى مناصبه الحكومية والسياسية، هكذا أراد الإنجليز، وأنت مرتبط به، لا بد أن تلحق نفسك.

- ماذا أفعل؟

- الملك فؤاد يحب حسن بدوى ولن يبخل عليه بشيء – خاصة في هذه الأيام – ونحن نرغب في الاستفادة من هذا الموقف.

- ماذا تقصد بـ "نحن" هذه؟

- الطائفة الإسرائيلية كلها. (ص 293).

بل أكثر من ذلك فإن الحاخام اليهودي يجد من مصلحة اليهود عمل أي شيء ولو وشايات يقدمها للوالي الحاكم عن الطامعين في الولاية من أسرته بدلا منه، عاكسا بذلك تدخلهم السافر في شئون سياسة البلاد لنيل المقابل، يستمر الحاخام في لقائه مع مظلوم قائلا: "لا تنس ان الحظوة التي نالها لدى الملك فؤاد، كانت بسبب مساعداتي له، أنا الذي عرفته على الجواسيس الذين نقلوا أخبار الخديو المخلوع الذي يطالب بالعودة الى العرش وأنا الذي ..". ص 293.

ونجد الموقف ذاته يتكرر عند جوهرة التي حاولت توظيف منحة السادات لها حينما زارها بعزبة جون، لصالح اليهود متحججة بأن المنطقة أضحت تمثل ملكية يهودية لكل يهود العالم لأن بها أضرحة وقبورا لأهالي اليهود وأجدادهم في لعبة عبرت عنها الأدبيات الشعبية بـ "مسمار جحا".

تذهب جوهرة إلى منطقة محطة الرمل لمقابلة مسئول أملاك الطائفة اليهودية بالإسكندرية "ذهبت جوهرة لمقابلة المسئول عن أملاك الطائفة الإسرائيلية في محطة الرمل، سارت في شارع السلطان حسين، - واجهتها مدرسة الطائفة الإسرائيلية التي تحولت إلى مدرسة الإسكندرية الثانوية للبنات. في آخر الشارع دكان الفول الشهير الذي كان يمتلكه بنيامين اليهودي الذي تركه لمصري وسافر إلى إسرائيل، من المبنى الذي تقع فيه المدرسة، وكل المباني خلفها في شارع النبي دانيال، حتى شارع سعد زغلول كانت ملكا للطائفة الإسرائيلية، بيعت منها مبان كثيرة بعد هجوم إسرائيل على مصر في حرب 56، لكن هناك بقية من أملاك تابعة للطائفة. من هذه الأملاك عمارة قديمة بشارع النبي دانيال يقع فيها مكتب المسئول عن أملاك الطائفة.

قابلها الرجل بترحاب، ظنها مسئولة من الحكومة جاءت لأمور بينها وبين الطائفة، لكنها بعد أن جلست، ووضعت ساقا فوق ساق، قالت:

- إنني يهودية واسكن منطقة الطابية، تعرفها؟

- نعم، حدث فيها الانفجار الشهير بعزبة جون التي كان يسكنها اليهود.

- لقد جئت من أجل هذا، تعرف أن هناك مقابر لليهود، مدفون فيها أجدادنا الذين أسسوا عزبة جون، ومدفون فيها الذين استشهدوا في الحريق.

- أعرف كل هذا.

- وتعرف أيضا أن هذه المقبرة قد هجم عليها الناس، وبنوا بيوتهم حولها، وكادوا يصلون لحافة المقابر هناك.

- وماذا أملك حيال ذلك؟

صاحت غاضبة:

- إنها مقابر مقدسة، ولا بد من حمايتها.

- الذي لا تعلمينه أن هذه المقبرة انتفى عنها صفة المقابر وحقوقها، لأن آخر يهود دفنوا فيها الذين قتلوا في انفجارات عام 1942، كما أن الطابية ليس بها يهودي واحد الآن.

ثم استدرك الأمر، فأكمل في هدوء:

- سواك طبعا.

- لا بد أن تتدخل لإنقاذ هذه المقابر.

- آسف، ليس من حقي التدخل في مثل هذه الأمور.

أخرجت سيجارة من علبتها، ودخنتها صامتة، وهى ترشف القهوة التي قدمها إليها. ثم قالت في هدوء شديد:

- اسمح لي سيادتك أن انتقد طريقتك في حل الأمور.

- تحت أمرك.

- كأنك لا تعرف ما فعله الرئيس السادات في إسرائيل، أو لا تعرف معناه.

- ما هو معناه؟

- معناه أن اليهود الذين يعيشون في مصر لهم حقوق، وقوة لم تكن لهم منذ أن خلق الرب الأرض ومن عليها.

- لو عشت يا ابنتي ما عشته في مصر من سنوات لأدركت أن ما تظنينه خطأ. وما فعله السادات لن يغير شيئا في العلاقة بين اليهود وباقي أبناء مصر، لأن هذه العلاقة لا تصنع بقرارات حكومية.

حملت جوهرة حقيبتها وصاحت في عصبية:

- سأدافع عن هذه المقبرة مهما كانت الظروف.

لم يجبها الرجل، وخرجت غاضبة، والسيجارة مازالت في يدها.

تابعها الرجل المسن مندهشا، فهو لم يقصد مضايقتها، تابع تحركاتها في الطرقة الطويلة المؤدية إلى شارع النبي دانيال، كانت تدق البلاط في عصبية، وتزفر دخان السيجارة في ضيق" ص 506 .

وتلازم هذه الصفة كل يهودي في سوق السمك باستثناء جون الذي كان زاهدا لا يحتفي بشيء مما حوله بل لا يأبه بما منحه من أبعدية ضخمة، غير أن بنيامين حلاق الصحة وابن عمه يحركه الحقد والانتهازية كي ينال منه شيئا، كذلك مخلوف الرسام يتذرع هو الاخر بصداقته لجون حتى يناله شيء من الكعكة بل إن زاكن نفسه وهو أحد كبار الأغنياء من يهود الإسكندرية يسعى هو الآخر حين علمه بمنحة جون الجديدة ليستفيد منها ولكن لصالحه الشخصي وليس كما يهدف عامير لصالح كل اليهود.

3- غير أن اللافت مما سبق هو احتفاء اليهود بقبور موتاهم _ وهذه سمة أخرى في الشخصية اليهودية - وأضرحة المشهورين منهم لامريين:

الأول: في ظني يعود لأسباب دينية إذ عرف اليهود دوما بتقديس موتاهم وصنع طقوس دينية وإقامة موالد لبعض المدفونين منهم.

يقول أحدهم "وبالرغم من أن اليهودية تركز على الحياة فإنها تحترم الحفلات الجنائزية وطقوس الدفن وتعتبرها إحدى دعامات الحفاظ على الذاتية اليهودية المميزة ويتمسك حتى العلمانيون من بين اليهود بطقوس الحداد والدفن بكافة تفصيلاتها (أيام الحداد السبعة وعدم حلاقة الذقن وتمزيق الثياب بشكل رمزى وزيارة القبور فى المناسبات) وتنصب الذاكرة اليهودية على تذكر اليهودى ما حل باليهود على أيدى الاخرين).

والثاني: يتصل بما نحن بصدده من استغلال هذه الأضرحة القديمة لخدمة مصالحهم الاستعمارية وزعمهم بملكية المكان لأن هذا يخدم قضية استحقاقهم ملكية الارض بدعوى وجود قبور أجدادهم فيها وقد رأينا في حوار سابق محاولة استغلال جوهرة هذا الأمر في حوارها مع مسئول أملاك الطائفة اليهودية ومع ذلك تصر جوهرة و معها كبار اليهود في مصر والعالم الذين سافرت إليهم في أميركا وأوروبا لدعم هذا الهدف الاستعماري تحت غطاء ممارسة طقس ديني صرف، وهو حضور مولد جون المدفون منذ مائة عام.

وتاريخ الاحتفال بضريح جون واستحالته مزارا وذريعة لاستقدام يهود العالم من خلال دعاية إعلامية يكرس من طرف خفي أحقية اليهود في بعض الأراضي المصرية، هذا التاريخ يبدأ مبكرا بعد وفاة جون (حيث الجيل الأول من يهود الإسكندرية) حيث بدأ عامير التثبيت أو الترويج لهذه الفكرة هو وبعض كبار اليهود في الاسكندرية مثل دوف، يقول السارد "يبدأ الاحتفال بمولد جون من 26 ديسمبر وحتى 2 يناير من العام التالي، يُقام الاحتفال في الأرض الواسعة أمام الضريح والمقابر القليلة حوله، فقد دُفن زاكن قريبًا من الضريح، وإلى جواره قبران لمسنين ماتا بعد أن انتقلا من سوق السمك بوقتٍ قليل.

وصل دوف من القاهرة قبل الاحتفال بأربعة أيام، وكان عامير في انتظاره بعربته التي يقودها فرج. أصر عامير على أن يذهبوا – في الأول – إلى قصره بوسط البلد، وينتقلوا من هناك إلى عزبة جون بعرباته لدراسة الاستعداد للاحتفال الكبير الذي سيُقام هناك. قال عامير لدوف:

- لقد دعوت العديد من يهود أورُوبا، قابلتهم في زيارتي الأخيرة هناك، وسوف يأتون خلال أيام قليلة.

أكد دوف أهمية ذلك، وقال: "لا بد أن يكون ضريح جون مزارًا عالميًّا ليهود العالم كافة" ص 220 .

وإذا انتقلنا إلى جوهرة التي تمثل الجيل الثالث رأينها تعمل امتدادا لما بدأه عامير من قبل فتجلب على حجة مولد جون بعضا من السائحين اليهود في العالم لزيارة المكان (جاءت سيارات السياحة تحمل عددا كبيرا من يهود الإسكندرية، ومعهم المشرف على أملاك الطائفة، وجوهرة تقف بقميصها الملون، وطاقيتها الواسعة، وتلبس في أذنيها قرطا عبارة عن دائرتين كبيرتين، لقد ازدادت وزنا بشكل ملحوظ. فقد قلت حركتها منذ أن تركت العمل في المستشفى الأميري. عملها في مستشفاها لا يتطلب جهدا كبيرا، الذين يساعدونها يحملون عنها كل العبء.

فوجئ سكان المنطقة، بهذه الأعداد الكبيرة من اليهود، يدورون حول المكان، ويلتقطون الصور بكاميراتهم الكثيرة، صوروا البيوت العشوائية التي تقترب من القبور. والأطفال الحفاة، الذين يرتدون الأسمال، فأخرجت جوهرة الحلوى من حقيبة يدها وقدمتها إليهم.

ثم ذهبوا إلى ضريح جون، أخذت تتحدث وهم يقفون حول الضريح في خشوع، قالت: تعلمون مدى أهمية جون بالنسبة ليهود مصر.

قال رجل من بعيد:

- وبالنسبة ليهود العالم.

- لذا، لا بد أن نعيد الضريح إلى ما كان عليه من قبل، وهذا يتطلب نقودا كثيرة.

التقطوا صورا للخراب الذي حل بالضريح. وأقاموا الصلاة وهم ملتفون حوله، وساروا، متأثرين مما رأوه من دمار للمبنى وللضريح نفسه، فصاروا صامتين.

وصلوا إلى المقابر، اجتازوا البيوت الكثيرة القريبة منها، ابتسمت جوهرة، وداعبت من تقابله. بحثت بين القبور، حتى وصلت إلى قبر منير (والدها) ووصال (أمها) ونظيرة (جدتها). صلت عليهم في خشوع، حدثت الموجودين عن ذكرياتها معهم، وكيف مات والدها وهو يصنع قنابل يقاوم بها المحتل، بكت وهى تتحدث عن هذه اللحظات التي مازالت تذكرها، ذكرت لهم أن الرئيس السادات جاء بنفسه ليتفق مع والدها على صناعة هذه القنابل". ص 513 .

4 – والادعاء الكاذب بالدور الوطني هو إحدى سمات الشخصية اليهودية بعامة ويهود مصر بخاصة، إذ نقف على زعم بعضهم بأن لهم أدوارا وطنية لصالح الوطن مصر، وفي ذلك يلجأ اليهود غالبا إلى تزوير التاريخ والكذب على الأجيال، فعند الجيل الثاني لاحظنا من خلال حوار أحد الحاخامات لمظلوم أنه يعترف بالوشايات التي كان يقدمها للوالي عن احد أقاربه وكأنها خدمة وطنية، وعند الجيل الثالث حينما ترافق جوهرة بعض زوار يهود العالم لضريح جون تقدم قبر أبيها منير بوصفه رمزا لمن كان له دور وطني فتزعم أنه كان يصنع القنابل للفدائيين ضد الإنجليز وهو في الحقيقة – وكما أظهرت الرواية – كان يصنع البمب للأطفال، وكاد أن يصنع قنابل يدوية لأحد الضباط السابقين وهو السادات سنة 1942 بدافع المال إذ أغراه السادات بذلك، ومع ذلك فالمشروع لم يتم إذ انفجر مصنع منير واحترقت عزبة جون ومات منير أبوها وأمها وصال وجدتها نظيرة وعشرات من اليهود، لكن جوهرة تعمد على تزوير تاريخ أبيها وتلفيق الأحداث وتقديمها كما لو كانت قصة حقيقية مستدلة على زيارة السادات لها بعدما أصبح رئيسا لتأكيد هذه الكذبة (بحثت بين القبور، حتى وصلت إلى قبر منير – والدها – ووصال – أمها – ونظيرة – جدتها. صلت عليهم في خشوع، حدثت الموجودين عن ذكرياتها معهم، وكيف مات والدها وهو يصنع قنابل يقاوم بها المحتل، بكت وهى تتحدث عن هذه اللحظات التي مازالت تذكرها، ذكرت لهم أن الرئيس السادات جاء بنفسه ليتفق مع والدها على صناعة هذه القنابل، وأن والدها كان متفهما لقضية الوطن، فصنع القنابل، دون أن يعيى مدى قدرة ورشته على صناعة هذه القنابل ضحى بورشته من أجل مصر". ص 513.

5- والانحلال الخلقي والتحلل من أي قيم دينية هو إحدى أهم سمات شخصية المرأة اليهودية التي تقدم جسدها لأجل المتعة أولا أو تحقيق مصلحة ثانيا، والعجيب أن الرجل الزوج لا يجد غضاضة أن يلحظ ذلك فيغض الطرف عنه أو ربما يحاول ان يستفيد أن تقيم امرأته علاقة غير شرعيه مع غيره من اليهود حتى ولو أنتجت هذه العلاقة ابنا أو بنتا سفاحا فلا يجد بأسا أيضا من أن ينسب هذا الطفل له ويمارس عليه دور الأب.

فالرواية عبر أجيالها الثلاثة نلحظ فيها بيسر ووضوح شديدين مدى انتشار هذه العلاقات غير الشرعية وتشابكها وما نتج عنها من شخصيات أصبح لها دورا في الرواية عبر أجيالها، فالهادية زوج جون الحصور تمارس الجنس مع الشباب الصغير تقيم علاقة غير شرعية مع بنيامين وتلد منه سفاحا رزق الذي ينسب لجون زوجها.

وملاذ زوج بنيامين وابنتها نظيرة سفاحا من مخلوف الرسام، ووصال زوج منير ابن نظيرة وابنتها جوهرة سفاحا من مظلوم.

ونائلة زوج مرجان حارس قبر جون وابنها زكي سفاحا من غير أبيه.

ومع ذلك فكل هؤلاء الأبناء السفاح ينسبون إلى أزواج أمهاتهم، وهؤلاء الأخيرون لا يجدون غضاضة من تناسي هذا الأمر. يصف السارد الهادية كأبرز هذه الشخصيات وكأنها بغي محترفة بقوله: (فالهادية كانت مصابة بالشبق، ولا بد من ممارسة الجنس كل ليلة، وأحيانًا أكثر من مرة في اليوم، كما أنها عجوز، والعجوز تمص الشاب مصًّا، وتقتله" ص 232.

وعن نائلة يصفها ايضا السارد بتعدد علاقاتها مع الرجال لأجل المتعة والمال معا بقوله: "احتملته نائلة، ووجدت أن الحل هو التصرف في المشكلتين بطريقتها. هي في حاجة إلى المال الذي يخفيه عنها، والرجال لن يعطوها المال إلا إذا أخذوا منها ما يريدون، وهى في حاجة إلى هذا أيضا؛ بعد أن حرمها مورجان منه. فسعت لنيل الاثنين معا: المال والجنس. ص 387 .

حتى إن جوهرة التي أحبت كمال المسلم التي عاشت مع أسرته حتى كبرت قد راودته عن نفسه مرارا ولما رفض اتخذت من قاعود حارسها بمنطقة الطابية وسيلة لإشباعها جنسيا، كذلك فعلت مع اليهودي الفنان زكي مرجان (ابن نائلة) صديقا وعشيقا مصالحهما متفقة من الناحية المادية والأيدلوجية.

وهنا نؤكد ما لفتنا إليه في صدر الدراسة من احتلال المرأة في الرواية عتبات بل محطات رئيسة كل واحدة منهن هي أبرز جيلها الجيل الأول ملاذ، ووصال في الثاني، وجوهرة في الثالث.

إن الجنس والعلاقات غير الشرعية بعامة هي إحدى الوسائل التي تتخذها المرأة اليهودية وسيلة وغاية في آن، وربما تصدر في ذلك عن ثقافة خاصة أسهمت بعض الأدبيات الدينية في وجودها وكأنها مقدسات عند اليهودى، جعلَتْه من أشدِّ الكائنات انغِماسًا في التناقُض بين الظاهر والباطن، وهو تطرُّف يُذكِّرنا بجماعات يهوديَّة مثل السكوبتسي والخليتسي التي تُحرِّم الجماع الشرعي من ناحية، ثم تُقِيم من ناحية أخرى احتفالات ذات طابع جنسي داعر، وقد تأثَّر يهود اليديشية بتلك الحركات، ولعلَّ كلَّ ذلك أدَّى إلى تهيئة الجوِّ لظهور شبتاي تسفي الذي نادَى بالترخيصيَّة وبإسقاط الأوامر والنواهي، وبدأ في ممارساتٍ جنسيَّة كانت تفسر تفسيرًا رمزيًّا من قبل أتباعه، فالتقرب إلى الله أنْ يتَّصِل بعاهرةٍ ويُنجِب منها أبناء، وقد فعل ذلك بحماسٍ أو بنشاط كما تحكي روايتهم.

"انطلق فاتَّخذ لك امرأة زنا وأولاد زنا، فإنَّ الأرض تزني عن الرب"وبذلك تُعبِّر هذه السمة عن حالة السيولة الشاملة التي بلغَتْها الشخصيَّة اليهوديَّة في التاريخ والثقافة. وهى حالة تكشف مزيدا من سمات الشخصية اليهودية التي تنطوى علي الانحلال الخلقى، والتناقض، وموت العواطف فى سبيل تحقيق أهداف خبيثة أو إشباع رغبة رخيصة، وهذا كله يكمن فى المجتمع اليهودى بوصفه واحدا من الجماعات الوظيفية، حيث لا مجال للعواطف في عمل الشخصيَّات المنتمية لـ"الجماعة الوظيفيَّة"؛ لأنَّ الأخلاق والعواطف قِيَمٌ إنسانيَّة ترفَع من معدلات انتماء الشخصيَّة للمجتمع الإنساني وتزيد من تماسُكه وانسجامه، في حين لا يطلب من عضو الجماعة الوظيفيَّة إلا الالتزام الصارم بالوظيفيَّة المحدَّدة لها خالية من أيِّ قيمة، وهذا الفصل بين الفعل والقيمة صُلبُ الفلسفة العلمانيَّة الصِّهيَوْنيَّة.

"ويتجاوَز مفهوم الجماعة الوظيفيَّة الجوانب الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المباشرة ليصلَ إلى الجوانب المعرفيَّة وإلى رؤية الإنسان للكون".

6 - ومن دلائل حيدة الراوي حين تعرض لتقديم شخصية اليهودي، انه قدم بعضهم بوصفهم يهودا غير صهاينة، وهم في ذلك جزء من النسيج المصري وإن كانوا أقلية، وهذه تشمل معظم فقراء اليهود الذين كانوا يسكنون سوق السمك، ولعل ما وصفه من ملامح شخصية جون يعكس لنا الطبيعة الإنسانية الخالصة، إذ قدمه بوصفه رجلا متدينا من القرائين، وهي جماعة دينية قليلة، مشوه الوجه يبتسم دوما في بلاهة، طيب القلب، زاهدا في كل شيء، راضيا قانعا بحياته وفقره، لا يأبه بشيء حتى بالثروة التي نالها من الوالي سعيد.

وفى ذات الوقت يلمح الكاتب إلي تقبل المسلمين والأقباط لجيرانهم من اليهود، في إشارة إلى الطبيعة الكزموبلوتانية لمصر والإسكندرية، حيث تنصهر شتى الطوائف والأعراق مع النسيج المصري.

يصف لنا لحظة توديع المسلمين والأقباط لجيرانهم اليهود حينما قرروا الهرب من عزبة جون عندما وصلتهم أنباء بتقدم قوات روميل على حدود الإسكندرية "جاءت السيارات لنقل أمتعة اليهود، وسافروا وهم يلوحون باكين للمسلمين والأقباط الذين تجمعوا على الصفين لوداعهم". ص 382.

7- وقد كان للسمات النمطية التي عرفت بها شخصية اليهودي في شتى الأدبيات حضور في الرواية، فالبخل والنفاق والحقد من السمات الملازمة التي طالما نطقت بها النصوص الأدبية ولعلنا هنا نتذكر شخصية شيلوك في "تاجر البندقية" لشكسبير ذلك المادي البخيل الحاقد على من حوله.

يقدم لنا مصطفى نصر صورا مختلفة لهذه الملامح؛ فزاكن ذلك اليهودي الغني الذي رغم غناه إلا أنه بخيل عربيد متحلل أخلاقيا، كذلك كان مرجان حارس قبر جون نموذجا صارخا للبخل، إذ عانى ابنه زكي من بخله، كما عانت زوجه نائلة من ذلك البخل الذي تعدى حدود البخل بالمال إلى البخل بالجنس معها، الأمر الذي اضطرها إلى معاشرة الآخرين طلبا للمال والجنس معا كما رأينا ذلك في أحد النصوص السابقة.

والحقد والحسد سمتان أصيلتان في شخصية اليهودي، وقد برزتا لدى كل اليهود حينما علموا بفوز جون بعزبة الوالي، فبنيامين قريبه كان أكثر الحاقدين عليه كاد أن يموت حزنا وحقدا عندما علم بذلكك "جاء بنيامين. صاح بصوت مرتفع سمعته سرينة من نافذتها القريبة:

 "أين ابن عمي؟ أريد أن أهنئه على ما وصل إليه.

قابله جـون بابتسامته البلهاء، وأسرع مخلوف فأخفى الصك بعيدًا عنه. فالحارة كلها تعرف أن بنيامين حاقد على جون لاختياره لهذه المهمة، ويعلمون أن بنيامين يستطيع فعل الكثير، يكفي أنه وثيـق الصلة بزاكـن الذي يفعل كل قبيح" 139.

وقوله أيضا:

"كان بنيامين حزينًا، يود أن يبكي، إنه لم يُهزم في حياته مثلما هُزم الآن، حتى عندما اضطر أن يغلق دكانه في ميدان القناصل؛ لم يكن الحزن بهذه الدرجة. تنهَّد في أسى ثم وضع رأسه فوق راحة يده المسنودة على المائدة الصغيرة أمامه. لقد أرسل زوجته إلى زاكن لأنه يعرف أن لها تأثيرًا عليه، يعرف أنها كانت عشيقته قبل أن يتزوجها. لكن زاكن لم يفعل شيئًا للآن. عندما عادت من عنده؛ سألها عما قاله زاكن لها، فقالت في لا مبالاة: وعد بأن يتصرف.

حتى ملاذ تأخذ الأمر باستهانة، لا تُقدِّر ما يعانيه ولا تحس بالنيران المستعرة داخل جوفه.

"نظر إلى ابنه، لقد عاد من دكان جون، ومن بيته أيضًا. فجون رجع إلى بيته ودكانه، وليسوا في حاجة الآن إلى رزق. ضحك بنيامين لسذاجته. أي دكان هذا الذي يتحدث عنه؟ جون يمتلك مئات الفدادين، أبعادية بأكملها، أسيبحث بعد ذلك عن عمل" ص 142.

ولم يكن زاكن بأقل من بنيامين حقدا على جون، وكذلك مخلوف وسائر اليهود. وقد يدفع الحقد والحسد اليهودي إلى ارتكاب أشنع الخطايا والجرائم، فالقتل وسيلة لكسب المال أمر شائع بينهم، تآمر زاكن مع امرأة جون وابنه على قتل جون وسار القتل بين أجيالهم سنة يقتل بعضهم بعضا طمعا وحقدا حتى إن العزب المجاورة لعزبة جون قد تحدثت عن قتل اليهود بعضهم لأجل المال.

ولأجل المال أيضا لم تتورع جوهرة في أخر الرواية عن ضمان ثرائها بتطوير دخلها المادي فعملت مع زكي مرجان على الاتجار مع العصابات الإيطالية في جلب مخدر الهروين إلى مصر وفتح أسواق جديدة لهذه التجارة في إشارة من الراوي إلى الدور الصهيوني في قتل الشباب المصري.

8- ومن هذه السمات التي عرفت عن أي تجمع لليهود محاولة صنع ما عرف بـ (اللوبي) وهي جماعات ضغط يلجأ إليها اليهود أحيانا لدى الحكام لتنفيذ ما يرونه متفقا مع مصالحهم، نلحظ ذلك حينما أشيع أن الوالي سعيد قد أمر بقتل جون، هنا يصيب عامير التوتر، ويؤكد رزق لصديقه هارون ابن جون أن اليهود لن يسكتوا على هذا الخبر بل سيمارسون ضغطا على الوالي للإفراج عن جون:

"أخذه رزق صديقه بعيدًا عن النساء النائحات، حدثه عن الأمل الباقي. ما دام لم يُقتل للآن، فهناك أمل. لن يتركه عامير ولا دوف ولا زاكن. كل كبار اليهود سيتدخلون، وقد يستعينون بقناصل الدول الأجنبية حتى يضطر الوالي لأن يتراجع عن قراره، فاليهود على صلة وثيقة بقناصل الدول الأجنبية" ص 99.

وهذا ما حاولته جوهرة فيما بعد حينما اتصلت في جولة لها خارج مصر بكبار يهود العالم للضغط على الحكومة المصرية لتعترف الأخيرة بملكية اليهود أراضي وقبورا بعزبة جون بالطابية كما لاحظنا ذلك من النصوص السابقة.

وقد لاحظنا مجموعة من السمات التي تميز شخصية اليهودي دون غيره، وهذا ما أكده بعض الباحثين تحت عنوان "السمات المميزة للشخصية اليهودية".

أ‌. د. محمد عبد الحميد خليفة - أستاذ الأدب والنقد، رئيس قسم اللغة العربية - جامعة دمنهور