ملامح الشخصية اليهودية في رواية 'يهود الإسكندرية' (1 / 3)

سرد تاريخي تؤكده الوثائق التاريخية

• مقدمة:

لا تزال الرواية تؤكد يوماً بعد يوم أنها فن العصر لا لانتشارها على المستوى الأفقي جغرافياً، وإنما لما راهنت عليه من مقدرته على عدم الثبات بل الدينامية التي تسمح له ــ أي للفن الروائي ــ من إعادة التشكل والانفتاح على شتى الفنون، ومن ثم تؤكد الرواية قدرتها على المستوى الرأسي من تعمق تسجيل نبض الإنسان ــ محور الحياة ــ، أخذ ذلك الفن حظاً وافراً من الذيوع والانتشار وأصبح يزاحم الشعر، بل يضيق عليه أحياناً الطريق في تعبيره عن الحياة وكشف أبعاد جمالية من رحم القبح ذاته.

ولا تزال أيضاً قضية العلاقة القديمة الحديثة بين الأدب والتاريخ تفرض نفسها من وقت لآخر، كلما ظهر عمل روائي يشتمل على علاقة ما بالتاريخ، فأحياناً تتحدد هذه العلاقة على أساس الاستلهام أو التناص أو إعادة الإنتاج، أحياناً آخرى تقوم على التماس بين النوعين، وأحياناً ثالثة تقوم على المزج الواعي بين ما هو واقعي وما هو خيالي سواء أكان هذا المزج قائماً على التصرف المفتوح فيما هو موجود واقعياً، أو الحذف منه أو الزيادة عليه، أو إعادة تقديمه بصورة فنية تؤكد أدبية الرواية قبل أن تؤكد تاريخيتها.

أقول هذا لأننا بصدد رواية تفجر هذه القضية؛ ذلك لأنك حينما تقرأ رواية "يهود الإسكندرية" للكاتب مصطفى نصر، تجد نفسك حيناً تقرأ سردًاً تاريخيًاً تؤكده الوثائق التاريخية، وتقرأ حيناً آخر نصاً روائياً خيالياً قد اتكأ على التاريخ أو جعل من الحادثة التاريخية منطلقاً وأساساً معرفياً، أو بالأحرى تشعر أنك أمام عمل روائي وضع داخل إطار تاريخي كما توضع اللوحة الفنية داخل إطار خشبي يحدد زمانها ومكانها.

وفي ظني أن ذلك النوع من الأدب المؤطر تاريخياً، والذي تكثر فيه التقاطعات بين الفني والواقعي التاريخي إنما يحمل مسئولية تسجيل السلوك البشري في شتى تمظهراته؛ بمعنى أنه إذا كانت الوثائق التاريخية تسجل الأحداث التي وقعت وترصد تطورها، فإن الرواية تسجل النبض الإنساني وترصد تطور مجموع العواطف والانفعالات الإنسانية على اختلافها أو تشابهها والتي كان الحدث التاريخي هو الشكل النهائي لهذه الانفعالات المختلطة التي تموج بها الحياة وتعتمل في النفوس.

**

وقارئ مشروع "مصطفى نصر" الروائي يلحظ بوضوح انتماءه إلى الزمان والمكان وبصيغة أخرى إلى التاريخ؛ ذلك لأن التاريخ في ذاته يحتشد بحكايات إنسانية تستحق أن يعيد القارئ النظر إليها مفتشاً عن جماليات شتى تنتشر حول الزمان والمكان خاصةً وأنهما ــ عند مصطفى نصر ـــ يشكلان ملامح الشخصية في النص الروائي ويمنحانه وجوده وقيمه ورؤاه، وهذا ما وجدناه في جُل رواياته السابقة مثل (إسكندرية 67 - الجهيني - ليالي غربال - المساليب - الهماميل..... إلخ).

فالشخصية إذن من أبرز العناصر اللافتة في روايات "مصطفى نصر"، حيث اشتُهر بقدرة عالية في رسم ملامحها الداخلية والخارجية، ومن ثم العناية بها بوصفها الركيزة الأولى في مسرح الحياة.

إن الإنسان سبب ونتيجة في آن؛ فهو من ناحية نتيجة لعوامل قيمية وبيئية وتاريخية أسهمت في تكوينه وصنعه، ومن جهة أخرى أضحت الشخصية سبباً في صنع الحياة وإعادة تشكيلها. ومن هنا يبقى الإنسان هو المحور والبؤرة التي يريد الكاتب أن يشير إليه من قريب ومن بعيد.

وشخصية اليهودي من الشخصيات التي تفتح مجالاً خصباً للتأليف والإبداع الروائي لأنها شخصية إشكالية في تكوينها، إشكالية في قيمها، إشكالية في فكرها، وبالجملة تمثل شخصية اليهودي نموذجاً بشرياً له خصوصيته لخصوصية علاقته بذاته من جهة أولى، وبجماعة اليهود أمثاله من جهة ثانية، وبالأغيار أي غير اليهود من جهة ثالثة، وهكذا كلما تأملت هذه الشخصية وقعت على نموذج خصب ومنتج لألوان إبداعية عديدة.

وهذا ما يفسر اهتمام الكثيرين من أدباء العالم بهذه الشخصية منذ شكسبير، وربما قبله حتى العصر الحديث حيث زاد الاهتمام بتناول هذه الشخصية الإشكالية خاصةً في هويتها الجديدة الصهيونية، وربما كان قيام دولة إسرائيل شوكة في ظهر العرب سبباً آخر وليس أخيرا في تزايد الاهتمام بتلك الشخصية.

ورواية "يهود الإسكندرية" تعد رواية فريدة من نوعها لأنها تمثل آخر حلقة من حلقات مشروع "مصطفى نصر" الروائي هذا من جهة، ومن جهة أخرى تعد الرواية أشبه بالرواية الملحمية التي تؤرخ لجماعة بعينها في مكان بعينه عبر أجيال ثلاثة امتد زمنها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى ثمانينيات القرن العشرين، وامتد مكانها من حي الجمرك غرب الإسكندرية إلى أقصى الشرق السكندري الذي يتماس حالياً مع حدود محافظة البحيرة وأعني منطقة (الطابية).

وهذا أول ما يلفت القارئ في هذه الرواية الكبيرة التي زاد عدد صفحاتها عن خمسمائة وخمسين صفحة، ومع ذلك بناها الكاتب على ثلاثة فصول رئيسية، كل فصل يحكي عن جيل من أجيال يهود الإسكندرية الثلاثة، واللافت هنا أن المرأة كانت عنواناً لهذه الفصول الثلاثة (ملاذ، وصال، جوهرة) في إشارة استهلالية تمثلها هذه العتبات ملخصها محورية دور المرأة اليهودية في المجتمع اليهودي بعامة وفي مجتمع يهود الإسكندرية عبر أكثر من مائة عام على وجه الخصوص.

ولقد احتشدت الرواية بعدد ضخم من الشخوص الذين توزعت أدوارهم على الفصول / الأجيال الثلاثة، ولا نبالغ إذا أشرت هنا إلى أن عدد شخوص هذا النص الروائي قد تجاوز الثمانين من الشخصيات على اختلاف أنواعها وأنماطها وأدوارها، منها ما هو واقعي من وجهة نظر الحقيقة التاريخية كالخديوي سعيد، والملك فؤاد الأول، والسادات، وحسن بدوي باشا، ومنها ما ألمحت إليه بعض الوثائق التي تعرضت لسكان الإسكندرية من اليهود. ومنها ما كان من خلق الكاتب الخيالي الذي استطاع فيه بنجاح أن يحقق الإيهام بالواقعية.

لذلك كانت الشخصية اليهودية هي أكثر عناصر الخطاب الروائي بروزاً، وبذا فرضت نفسها لتنوعها من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنَّ هذا التنوع قد اختزل لنا ملامح شخصية اليهودي، كما رأيناه عند من تعرضوا لها في نصوص روائية أخرى.

والجديد هنا ما قدمه لنا "مصطفى نصر" من وجه آخر لشخصية الإنسان اليهودي والتي رسمها بحيدة، وفي ذلك أعتقد أنَّ "مصطفى نصر" قد خالف كثيرين ممن كتبوا عن اليهود بدافع النيل منهم أو تأسيساً على أفكار وقناعات مُسبقة، وهذه الصورة الجديدة لشخصية اليهودي وإنْ لم تكن هي الأغلب غير أنَّ ذلك لا ينفي وجودها الماثل لدى بعض الشخصيات اليهودية وإنْ قلت.

ولا يعني ما سبق ذكره أننا نُهمل الإشارة إلى التقنيات الفنية التي توسل بها الكاتب في عرض شخوصه على مسرح الأحداث، بل سنجد عدداً منها، قد أحسن الكاتب توظيفه للإمساك بتلابيب الجسد السردي الضخم، والمحافظة على إيقاعه ونموه وسط كثرة الأحداث وتشعبها، وتشابك خطواتها، إذ كل خط سردي لحدثٍ ما يطول ويتشعب ويعود ليتصل في رحلة طويلة من الحكي كانت الشخصية فيها هي المحطات أو قل العلامات التي يندفع عبرها كل حدث في إطار خطة الممتد داخل الجيل الواحد أو عبر الأجيال الثلاثة.

وقبل عرض ألوان الشخصية اليهودية في الرواية يجمل بنا تلخيص الرواية، لتتكون لدى القارئ خلفية معرفية يستطيع معها التواصل مع عناصر الموضوع، فالرواية تبدأ من قصر الخديوي "سعيد" بغرب الإسكندرية، وهو في آخر أيامه مريضاً طريح الفراش، تأفّف المعالجون من رائحته وفشلوا في علاجه، يستقدم بعض كبار يهود الإسكندرية أمثال: عامير بك ودوف، بحيلة يحاولون بها أنْ ينالوا رضاه ومكسباً لصالح اليهود، فيقدمون لهم أحد فقراء اليهود "جون" وهو حلاق صحة يسكن حارة اليهود بمنطقة سوق السمك الذي يحقق بالمصادفة معجزة وينال منحة خيالية وهي عزبة أو أبعادية ضخمة في منطقة الطابية من الخديوي سعيد، وهنا يقرر "عامير بك" أنْ تُخصص هذه الأبعادية لكل يهود الإسكندرية ومصر، فيُقبل إليها كل اليهود وهم بين حاقد وحاسد على جون المحظوظ، مثل "بنيامين" ابن عمه و"مخلوف الرسام" و"زاكن" كبير اليهود الذي يعمل لمصلحته وليس لمصلحتهم.

ثم يبدأ الصراع في الطابية وتكون "الهادية" زوجة جون سبباً في إثارة الأحداث لكراهيتها بنيامين وزوجته "ملاذ" وابنهما رزق، وتبدأ الصراعات والأطماع فيتآمر زاكن والهادية على قتل جون، ويستمر الصراع الإنساني على أساس من تشابك العلاقات غير الشرعية بين نساء اليهود ورجالهم، وينتج عن هذا جيل آخر معظمه ولد سفاحاً في المنطقة ويتوارثون المنطقة في بيوت يقع فيها ضريح جون وبعض من ماتوا أو قُتِلوا مزاراً لليهود، ثم تظهر على مسرح الأحداث أحفاد هذا الجيل ممثلاً في نظرية ابنه ملاذ غير الشرعية من مخلوف التي تُنجب "منير" الذي يتزوج "وصال" التي تقيم علاقة مع آخر يسمى "مظلوم"، وتكون نتيجة هذا السفاح "جوهرة".

ومظلوم هذا يعمل لدى "حسن باشا بدوي" صديق الملك "فؤاد" في مشاريعه الصناعية بنفس المنطقة حيث أقام ثلاثة مصانع للورق والصلصة والألبان، وأقام قصراً له على قطعة أرض منحها إياه الملك فؤاد لخدماته.

وتتقاطع العلاقات بين يهود عزبة جون الذي يعمل معظمهم في مصانع حسن باشا بدوي، وتشب حرب العلمين 1942، ويزور المنطقة رجل غريب هو ضابط مخلوع من الجيش المصري ويختبئ في بيت منير الذي لديه مصنع للبمب ثم يخاف الجميع من احتمال دخول الألمان، وهنا ينفجر المصنع وتُحرق بيوت اليهود ويموت الكثيرون منهم إلا جوهرة التي سوف يُصبح لها في الجيل الثالث شأن كبير في الدفاع عن إرث اليهود في المنطقة، وتستغل معرفتها القديمة بالضابط الذي اختبأ عندهم وهي صغيرة وهو الذى أصبح فيما بعد الرئيس "أنور السادات".

وتحاول جوهرة فرض نفوذها الجديد لصالح قضية اليهود والتحالف مع الصهاينة في العالم خاصةً بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد وتطبيع العلاقات، وتحاول جوهرة أن تستميل بأموالها قلب "كمال المسلم" الذي تربت معه بعد موت أبويها في الوقت الذي فضَّل فيه كمال من أحب وهي "عايدة" بنت حسن باشا بدوي وزوجته الإنجليزية، وينتهي هذا الصراع نهاية مأساوية لجوهرة إذ تفشل في مشروعها العاطفي وتنجح في مشروعها السياسي مع "زكي مرجان" اليهودي الفنان المصري الذي كان في الأصل طفلاً غير شرعي من نائلة زوجة مرجان حارس قبر جون والذي ربطته صداقة مع جوهرة.

أ‌. د. محمد عبد الحميد خليفة - أستاذ الأدب والنقد، رئيس قسم اللغة العربية - جامعة دمنهور