ملامح الانتفاضة الفلسطينية في عامها الرابع

بقلم: ماجد كيالي

لم تهدأ جبهة المواجهات الفلسطينية ـ الإسرائيلية طوال العام الرابع للانتفاضة، برغم الإنهاك والاستنزاف المتبادل الذي تعرض له الطرفين، طوال المرحلة الماضية، وبرغم الشعور المتبادل بانعدام فرص التوصل إلى قواسم مشتركة، لاسيما في ظل ممارسة إسرائيل لأقصى طاقة عنف لديها ضد الفلسطينيين، وبرغم مواصلة الفلسطينيين لخط المواجهة والمقاومة المسلحة ضد الإسرائيليين.
ويمكن تلخيص أبرز ملامح المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، من الناحيتين السياسية والعسكرية، خلال العام الرابع للانتفاضة في التطورات التالية:
أولاً: إحلال خطة شارون، المتعلقة بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة، باعتبارها الخطة الوحيدة للتداول الدولي والإقليمي في الحلول السياسية. ويستنتج من ذلك أن خطة "خريطة الطريق"، التي جرى اعتمادها منذ أواخر أبريل من العام 2003، كبديل لاتفاق اوسلو، باتت بدورها معطلة أو مجمدة.
ثانياً: مواصلة إسرائيل خطتها المتعلقة بتقويض الكيان الفلسطيني، وتدمير المؤسسات واغتيال القيادات الفلسطينية، وقد استطاعت إسرائيل هذا العام اغتيال الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لحركة حماس، وعبد العزيز الرنتيسي أحد أهم قيادييها، كما استطاعت اغتيال عدد من قياديي كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح وعدد من القادة العسكريين والميدانيين لحركتي حماس والجهاد الإسلامي.
ثالثاً: استمرار إسرائيل ببناء "الجدار الفاصل"، الذي يقتطع أراض واسعة من الضفة الغربية ويضم المستوطنات الكبيرة، في محاولة منها لفرض حدود الأمر الواقع، التي تتوخّى من خلالها فرض املاءاتها على الفلسطينيين، في مفاوضات الحل النهائي، وإبقاء أكبر قدر من أراضيهم تحت سيطرتها، وإضعاف كيانهم المفترض.
رابعاً: إصرار إسرائيل على مواصلة حصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، لإضعاف نفوذه وعزله. ولاشك أن مفاعيل هذا الحصار باتت تؤثر على الفلسطينيين بدليل الفوضى المتفشية في العمل الفلسطيني، وبدليل الأزمة الحاصلة في الصف القيادي الفلسطيني، ولاسيما في حركة فتح.
خامسا، فشل محاولات تهدئة الانتفاضة والمقاومة، برغم الجهود المبذولة من أجل ذلك من أطراف دوليين وإقليميين، وسبب ذلك إصرار إسرائيل على الاستمرار بسياسة الحصار والاغتيالات وعدم التفاوض مع الطرف الفلسطيني.
سادسا، محاولة إسرائيل استغلال الحرب الدولية ضد الإرهاب لنزع شرعية المقاومة الفلسطينية والتشكيك بعدالة الكفاح الفلسطيني، على الصعيد الدولي.
ويعتقد الفلسطينيون من جهتهم، وهم يدشنون العام الخامس لانتفاضتهم، بأنهم صمدوا أمام كل الممارسات الإسرائيلية، وأنهم لم يهزموا، برغم الخلل الفادح في موازين القوى، بدليل المعطيات التالية:
أولا، قدرتهم على الصمود في مواجهة وسائل العقاب الجماعي والحصارات وعمليات التقتيل والتدمير، التي انتهجتها إسرائيل ضدهم، طوال المرحلة الماضية.
ثانيا، حفاظهم على الحد الأدنى من حدتهم الوطنية، وتفويتهم الاستهدافات الإسرائيلية الرامية إلى زرع الفتنة في صفوفهم.
ثالثا، عجز إسرائيل، برغم كل قوتها، عن كسر إرادتهم وفرض املاءاتها السياسية عليهم، في عملية التسوية؛ وهو ما اضطرها للجوء لخطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة (+ أربع مستوطنات من الضفة) للخروج من هذا المأزق.
رابعا، إحساسهم بقدرتهم على تكبيد إسرائيل خسائر فادحة وزعزعة استقرارها في مختلف المجالات: الأمنية والاقتصادية والسياسية؛ برغم من إدراكهم لعدم قدرتهم على هزيمتها تماما، بالوسائل العسكرية.
خامسا، استطاعتهم إظهار إسرائيل على حقيقتها أمام المجتمع الدولي باعتبارها دولة استيطانية عنصرية تمارس إرهاب الدولة وتستخدم القوة للسيطرة على شعب أخر.
أما إسرائيل بقيادة شارون فهي من جهتها تعتقد بأنها تخوض حربا وجودية ضد الفلسطينيين: "إما نحن أو هم"! مستغلة في ذلك الظروف الدولية والإقليمية الراهنة، المتمثلة، أولا، بهيمنة الولايات المتحدة كقطب أوحد على النظام الدولي والإقليمي؛ وثانيا، تداعيات الحرب العالمية ضد الإرهاب (بعد حدث 11 سبتمبر 2001)؛ وثالثا، الوضع الإقليمي الناشئ عن تقويض مفهوم الجبهة الشرقية بعد احتلال العراق والتواجد الأمريكي المباشر فيه؛ ورابعا، المخططات الأمريكية الرامية لإعادة هيكلة المنطقة وإدخال تغييرات في النظم السياسية والاقتصادية والتعليمية والأمنية والقانونية فيها، بما يتناسب مع المصالح والرؤى والأوليات الأمريكية، وبالتالي الإسرائيلية.
وبشكل خاص فإن إسرائيل، في ظل حكومة شارون اليمينية تعتقد بأن الفرصة باتت سانحة لها للتخلص من استحقاقات "اوسلو"، وتابعه السلطة الفلسطينية، وللتحرر من عملية التسوية نهائيا، التي تعتبرها كارثة بالنسبة لإسرائيل. كما تعتقد إسرائيل أن الظروف باتت مواتية لها لفرض املاءاتها في عملية التسوية على الفلسطينيين، والمشاركة من موقع فاعل مع الولايات المتحدة في صوغ النظام الإقليمي الشرق أوسطي في هذه المنطقة.
ومشكلة إسرائيل، هنا، أنها استطاعت توجيه ضربات مدمرة للفلسطينيين، لبنيتهم السياسية والاقتصادية ولمؤسساتهم ولحياتهم الاجتماعية، ولكنها برغم كل هذه "الانتصارات"، أخفقت في ثلاثة مجالات أساسية هي: 1) عجزها عن ترجمة هذه "الانتصارات" إلى واقع سياسي، سواء عبر فرض املاءاتها السياسية على الفلسطينيين، أو عبر إدخال الهزيمة إلى وعيهم، على حد تعبير وزير الدفاع شاؤول موفاز؛ 2) أنها لم تستطع أن تكبح مقاومة الفلسطينيين، وبالتالي فهي لم تؤمن الاستقرار والأمن للإسرائيليين؛ برغم الحواجز والاعتقالات والاغتيالات والحصارات والجدار الفاصل. فلا خطّة المئة يوم الشارونية (مطلع العام 2001) ولا حملات "السور الواقي" أو "الطريق الحازم" (في العام 2002)، حققت وقف المقاومة، أو تمكنت من جلب الأمن للإسرائيليين، ولا "جدار الفصل العنصري" ومعه مئات الحواجز الثابتة والمتحركة استطاع ذلك؛ 3) أنها تبدو اليوم، بسبب سياساتها الاحتلالية والعنصرية، أقل شرعية على الصعيد الدولي من قبل. بل يمكن القول بأن إسرائيل باتت شبه معزولة على الصعيد الدولي، الرسمي والشعبي، ومن ضمن ذلك في أوروبا، بدليل الإدانة المستمرة لها في المنظمات الدولية والأمم المتحدة وفي محكمة العدل الدولية؛ 4) أن إسرائيل تبدو اليوم، على رغم كل جبروتها، أكثر تخوفا على المدى الاستراتيجي من الوجود الفلسطيني، بالنسبة لامكان بقائها واستمرارها على شكل دولة يهودية، وبالنسبة لامكان تحولها لدولة "ثنائية القومية". ولعل هذا التخوف أهم المرتكزات التي استند إليها شارون في طرح خطة الانسحاب من طرف واحد من غزة.
هكذا فإنه برغم من ظروفهم الصعبة والمعقدة، فقد تمكن الفلسطينيون في العام الرابع للانتفاضة من إثبات ذاتهم، في القدرة على الصبر وتحمل المعاناة وبذل التضحيات واجتراح البطولات. وأدت عمليات العام الرابع للانتفاضة إلى مقتل حوالي 160 إسرائيليا، وهذا العدد يوازي عدد الإسرائيليين الذين لقوا مصرعهم نتيجة العمليات الفلسطينية في العام الأول للانتفاضة. وبالإجمال فقد أدت عمليات المقاومة، خلال الأعوام الأربعة الماضية، إلى مقتل حوالي 1020 إسرائيليا. وبلغ عدد الشهداء من الفلسطينيين في العام الرابع للانتفاضة حوالي 780 شهيدا، بحيث بات يقدر عدد الشهداء الفلسطينيين خلال أربعة أعوام من الانتفاضة حوالي 3586 شهيدا.
وتبقى قضية الفلسطينيين الأساسية وهم يواصلون كفاحهم تتمثل بضرورة توصلهم لاستراتيجية سياسية وميدانية مشتركة، وترشيد خطاباتهم وأشكال عملهم، وتعزيز وحدتهم، للتمكن من تحويل معاناتهم وتضحياتهم إلى إنجازات حقيقية، ما يمكنهم من البناء عليها لاحقا في تحقيق أهدافهم الوطنية، في صراع يفترض أنه صراع طويل ومرير ومعقد. ماجد كيالي