ملاحظات حول ثقافة الجسد

بقلم: سيد الوكيل
زيوس: تجسيد لصورة الجسد في الادب الاغريقي

يطرح الجسد كموضوع ثقافي منذ فجر الحداثة، غير أن السنوات الأخيرة من القرن الماضي، تلك التي أشارت إلى نفسها بسمات مابعد حداثية، توقفنا على تسارع الوعي بموِِِِِِِضوع الجسد، وطرحه على أصعدة عدة في الأدبيات المعاصرة، ليبدو الأمر كما لو أننا نعيش ـ حقاً ـ عصر الجسد، أو ليبدو كأن الجسد هو محور يدور حوله شتيت الثقافات المعاصرة.
فخلال أسبوع واحد كنت قد قرأت ثلاثة أخبار تبدو من أول وهلة وكأن لا علاقة فيما بينها، الخبر الأول عن عودة شاب إلى الحياة بعد موت سريري أدخله في غيبوبة لأكثر من عشرين عاماً، والخبر الثانى عن شاب ألمانى من آكلى لحوم البشر محاط بآلاف المعجبين الذين يبادلونه نفس المزاج ويشجعونه برسائل التأييد على موقعه الشخصي بشبكة الإنترنت، أما الخبر الثالث فهو عن ظاهرة من ظواهر الانتحار الجماعي بين الشباب تتم بالاتفاق والتواعد على شبكة الإنترنت.
القاسم المشترك بين الأخبار الثلاثة هو علاقة الإنسان بجسده، ودور التكنولوجيا في شكل هذه العلاقة، المقصود هنا هو الإنسان المعاصر طبعاً، ومفهومه الحداثي للجسد، ولكن هل هناك مفهوم حداثي للجسد؟
لم لا؟ فعلاقة الإنسان بجسده في أساسها تتم عبر مفهوم ثقافي اجتماعي يختلف من بيئة إلى أخرى ومن عصر إلي آخر، إذ أن الجسد وكما يقول رمضان بسطاويسي [1] هو الصورة التى تحدد هوية الإنسان، وهو المكان الصغير الذى يربط الإنسان بالمكان الأكبر (الكون )، كما أن حركة الجسد في المكان بمثابة تعبير رمزى يختزل حركة الزمان الكونى ـ نسبياً ـ في عدد السنوات التى يحياها الجسد، ونتيجة لهذا جاء اهتمام الفكر المعاصر بدراسة الجسد.
وإذا كان الجسد يدرس في مجال العلوم الطبيعية كموضوع في حد ذاته، فأنه في مجالات العلوم الإنسانية ومن منظور ثقافي وفلسفى (يدرس كتعبير عن علاقة يكون الإنسان أحد طرفيها)، فالإنسان يعبر عن علاقته مع العالم عبر جسده، فصيانة الجسد بالأجهزة والمحاليل في أقسام الرعاية المركزة عبر عشرين عاماً تعكس احترام الإنسان لجسده، ومن ثم احترامه للموت وللحياة وقد ساعدته التكنولوجيا الحديثة على تعديل مفهوم كل منهما (الموت والحياة)، فمن قبل كان الذين يدخلون في غيبوبة من النوع الذي دخله الشاب يعتبرون في عداد الأموات ويدفنون، أما الآن فإن التقدم العلمي عمق إحساس الإنسان بجسده وغير من النظرة له وأعطاه فرصة أفضل للحياة، وهو احترام يصل إلى حد التحريم في كل الأديان السماوية بل والوثنية أيضاً، ففي الأسطورة اليونانية القديمة، تصب الآلهة لعناتها على مدينة كاملة لأنها تركت جثة أحد أعدائها في العراء بلا دفن تنهش فيه الطيور الجارحة، ولم يكن فن التحنيط عند القدماء المصريين سوى صورة من صور احترام الجسد وتحريمه حتى على ديدان الأرض وعوامل التحلل الطبيعية، ومن ثم كانوا يكتبون على المقابر عبارات تذكر بتحريم العبث بجثث الموتى وتذكر بعقوبة من ينبشون المقابر.
هكذا.. فحكاية الشاب الألماني آكل لحوم البشر ومشجعيه تعكس خللأ عميقاً في علاقة الإنسان بجسده، فأكل لحوم البشر هو أقوى صور التحريم عبر التاريخ البشري كله، إذ إنه يرد الإنسان إلى مادون الإنسانية، ويهدم كل صور التحضر والتطور البشري، ويذكر القرآن الكريم صورة آكل لحوم البشر كأبشع صور التكريه والتنفير من فعل الاغتياب والنميمة بقوله تعالى "ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه".
ويظهر الخلل في علاقة إنسان العصر الحديث بجسده عبر التناقض الكبير بين الموقفين، ففي حين تجند العلوم البيولوجية والطبية كل طاقتها لخدمة الجسد الإنساني وصيانته وتحسين وظائفه سواء بالجراحات أو بالمنشطات وأدوات التجميل أو بالتدخل في تغيير صورة الجينات الوراثية، يظهر علي الملأ أحد الناس يفخر بأنه من آكلي لحوم البشر ويجد من يعجب به ويناصره!
وإذا كان الانتحار الجماعي للشباب بالتواعد على شبكة الانترنيت يعكس علاقتهم المتوترة بالعالم ورفضهم له كموقف ثقافي ونفسي وإجتماعي، فهو في نفس الوقت يعكس احتقار الإنسان الحديث لجسده والاستهانة به والرغبة في تبديده بدلاً عن صيانته وتعزيزه، وهي أيضاً علاقة ثقافية مضطربة، وكيف نفسر تطور فنون الحرب الحديثة وانتشار أسلحة الدمار الشامل وأساليب الإبادة الجماعية دون التفكير فى هذه العلاقة المضطربة بين الإنسان والجسد الإنساني، كانعكاس لرغبة عميقة في إبادته وتبديده.
وأحد أشكال هذا الاضطراب والتناقض في علاقة الإنسان بجسده قد تظهر في نشاط واحد من أنشطة الحياة الإنسانية، بحيث تظهر العلوم الطبية ـ نفسها – كما لو كانت تتحرك في اتجاهين متضادين، أحدهما يعبر عن اعتزاز الإنسان بجسده، والآخر يعبر عن احتقاره له عبر تجارة الأعضاء البشرية التي تنتشر في الأوساط العلمية، ويروح ضحيتها وفق بعض التقديرات12 ألف طفل فقير سنوياً تباع أعضائهم كقطع غيار لأبناء الأثرياء، ناهيك عن تجارة الدم والبلازما في أمريكا اللاتينية، كل هذا فضلاً عن التجارة المباشرة في الجسد الحي (الرقيق الأبيض) الذي لا تخلو قوائمه من الأطفال والغلمان، وهكذا فإن العلاقة بين الإنسان وجسده تستلفت نظر المفكرين- أيضاً- كإحدى صور التعبير عن علاقة الإنسان بالآخر فى بعدها الأخلاقي والسياسي،أى أن الجسد يصبح موضوعاً سياسياً أيضاً فالبيت الأبيض يعلن بزهو عن أول خريطة للجينات يضعها علماء أمريكان، وبعد عدة أسابيع يبدأ حملة مضادة على مجموعة علماء أذاعوا خبراً عن استنساخ طفلة من الأم.
ورغم هذا الاضطراب فى علاقة الإنسان بجسده فثمة حقيقة لايجب إغفالها، فالإنسان المعاصر أعاد النظر فى علاقته بجسمه على نحو أكثر تعقيداً، واهتماماً بحيث يبدو كما لو أنه أعاد اكتشاف جسده وفق معطيات التكنولوجيا الحديثة، وتكمن المشكلة فى أن الجانب الفلسفى والنفسى فى علاقة الإنسان بجسده لم تتأصل على نحو واضَح، ومن ثم فإن الإنسان نفسه يبدو شديد الارتباك أمام هذا الاكتشاف، ويبدو غير قادر على التعامل مع معطياته بحكمة، وهكذا تظل العلاقة شديدة الغموض والالتباس، بل وتزداد غموضاً بتعقد وسائط الاتصال المعرفى والثقافى، ولنا فى حكاية التوأم الإيرانى مغزى يوقفنا على طبيعة العلاقة بين الإنسان المعاصر وجسده، وواقعة التوأم الإيرانى قريبة العهد، تناقلتها وكالات الأنباء وترقبها العالم بشغف كبير، وتتبع الإعلاميون أخبارهما منذ لحظة الإعداد لدخول غرفة العمليات تمهيدا لجراحة تفصل بين البنتين الملتصقتين، ثم جعلوا من خبر وفاتهما حدثاً مأساوياً مثله مثل خبر وفاة الأميرة ديانا.
ربما هذا الأمر مرتبط بالميديا وقدرتها على الاستفادة من الأحداث وترويجها وتصنيع النجوم فى كل يوم، إذ كان من المتوقع أن تتحول كل من البنتين إلى نجم لو قدر لهما الحياة بعد الجراحة ولا فرق في ذلك بينهما وبين النعجة دوللي التي خطفت الأضواء لعدة سنوات.
هذا شأن الآلة الإعلامية التى تتعامل مع الجسد الإنسانى كسلعة، ولكن لماذا توحدت مشاعر الناس مع البنتين،وكأن الناس قرروا فجأة تبنيهما؟ هل هو مجرد إشباع فضول أثاره الإعلام؟ أم أنه تعبير عن أحلام عميقة فى الإنسان المعاصر لامتلاك جسده وإتمام السيطرة عليه ومن ثم فتحقيق انتصار جراحى كهذا بمثابة خطوة نحو تحقيق هذا الحلم، بل ويبدو أكثر أهمية من النزول على سطح القمر.
ووسط هذا الضجيج الإعلامى لم يهتم أحد بمشاعر أختين عاشتا ملتصقتين لما يقرب من ربع قرن ثم قررتا فجأة الانفصال، أو قل قررت كل منهما أن تمتلك جسدها الخاص، جسدأ مفرداً ومستقلاً، لايشاركها فيه أحد حتى ولو كانت أختها التى عاشت منذ البداية معها وربما تموت معها،فهما كانتا تدركان حجم المخاطرة التى قد تودى بحياتهما معاً أثناء الجراحة، ومعنى هذا أنهما وضعتا حياتهما فى كفة، وحقهما فى امتلاك جسديهما الخاص فى كفة أخرى، إنها مخاطرة فى سبيل حرية الجسد لاتقل عن أى مخاطرة يقدم عليها فدائى فى سبيل حرية الوطن، لم لا..فالوطن هو الجسد الأ صغر الذى يربطنا بالجسد الأكبر، وامتلاك الجسد واستقلاله هو رمز لامتلاك الإرادة الكاملة، بل هو غاية كل الغرائز الإنسانية.
لكن قصة التوأم الإيرانى لها مغزى آخر باعتبار النوع، أى كفتاتين عصريتين ترغبان فى الانفراد بجسديهما فى سن تتفجر فيه الحواس وتتفتح الرغبات، ومعنى هذا أن الوعى بالجسد ينمو ويتطور مع نمو الوعى بالذات، ويكتمل باكتمال الهوية، وتلك إشارة على أن الجسد هو نافذة الذات على العالم، وهو الذى يحدد علاقتنا بالآخر
فرغبة البنتين فى الانفصال تجسد حق كل منهما فى اختيار الشريك (الآخر) الذى يشاركها جسدها، ومتى وكيف تقوم هذه الشراكة، ثم ماهى المسؤولية التى تنشأ عن هذه الشراكة، والمسؤلية التى تنشأ عن حق كل طرف فى فك هذه الشراكة..ألخ.
هذا الوعى سينعكس على العلاقات العاطفية والزوجية ويصب فى النهاية فى موضوع المرأة وقضاياها المعاصرة، ورغبتها فى إيجاد صيغة جديدة بينها وبين الرجل تضمن لكل منهما احترام الآخر كذات وجسد، وتحميها من سيطرة الرجل على جسدها، واعتقال ذاتها وحريتها كفرد له وعيه وإرادته الخاصة،ومن ثم فلا غرابة أن يظهر موضوع الجسد كموضوع نسوى بالدرجة الأولى فى الأدبيات المعاصرة،حيث يستأثر جسد المرأة باهتمام خاص كموضوع ثقافى، ومن ثم يصبح جسد المرأة مستهدفاً اقتصاديا أكثر من أى شيء آخر،ويظهر هذا فى أساليب الدعاية والإعلان التى لاتكف عن توظيف جسد المرأة ليس فقط كوسيلة ولكن كهدف أيضاً، وقد نشرت جريدة عربية خبراً مؤداة أن النساء فى منطقة الخليج وحدها، ينفقن 1,7 مليار دولار على العناية بأجسادهن، وقالت مسؤلة فى إحدى شركات مستحضرات التجميل فى ألمانيا إن عمليات التعرف على الثقافات المختلفة عبر وسائل الإعلام عززت الطلب على منتجات العناية بالجسد، ويعنى هذا أن الاقتصاديين قد التفتوا بعمق إلى البعد الثقافى فى علاقة الإنسان بجسده.
ولو طورنا تفكيرنا فى مسألة الشريك، وأدرناها على نحو أكثر ارتباطاً بالنوع لجرنا هذا إلى تفسير لبعض العلاقات المثلية، حيث تمثل النموذج الأكثر فجاجة للحرية الفردية، فهى من ناحية رمزية نكوص جسدانى واكتفاء وانكفاء على الذات المتمثلة فى النوع الواحد، وتعبير صارخ عن فكرة العزلة، والخوف من الآخر، وذلك بسجن رغبات وطموحات الذات داخل الجسد، أو داخل النوع الواحد، عندئذ لايصبح الجسد نافذة الذات علىالآخر بل يصبح مقبرة لها،والمثلية فى النهاية تجسد خوف الإنسان المعاصر من طبيعة المسؤلية التى تنشأ عن اختياره لمن يشاركه جسده.
هل يعنى هذا أن الحرية الفردية تهدد الوجود الإنسانى وتسم العالم بالفوضى والتشوه وانعدام المسؤلية الأخلاقية والاجتماعية والدينية؟
على أى حال إن موضوع الجسد الذى ظل لعدة قرون مسكوتاً عنه، أصبح الآن موضوعاً ملحاً، بل ومهماً، ومن الأفضل طرحه ودرسه فى سياق ثقافى وموضوعى بدلاً من أن نتركه فى يد المتلاعبين والمغرضين والمرضى، يستشرى كنار خبيثة، ونكتفى بدفع الدخان عن عيوننا، إلى أى مكان آخر نظن أنه أصبح بعيداً عنا، لأن صيانة الجسد واحترامه، وإن كانت تعبر عن أصفى درجات الحرية الفردية إلا إنها لاتتم إلا فى سياق مجتمعى كأى موضوع ثقافى ندرسه فى إطار وعى عام بالجسد، وعلى درجة متوازنة لدى كل أفراد المجتمع، فالفرد لايمكنه حماية جسده، وإنما تحميه القوانين والأعراف والضوابط الاجتماعية، ومن ثم فأمر الجسد يخص الشرائع أكثر من أى شئ آخر، وإن بدت هذه الشرائع فى ظاهرها متعارضة مع الحرية الفردية، ولكنها فى جوهرها تضمن حياة الفرد وتحمى جسده، ذلك الجسد الذى يعبر بدوره عن الحرية الفردية كصورة للذات.
يقول الدكتور رمضان بسطاويسي في معرض حديثة عن «فلسفة الجسد».. "إن تحليل مفهوم الجسد فى أي حضارة، فى خطابها الثقافى والاجتماعى يفضى بنا إلي فهم الحاضر على نحو أفضل، بل إن تحليل مفهوم الإنسان عن عمق جسده الخاص يمكن أن يفضى بنا إلى تبين الصورة التى يكونها المرء عن نفسه". [2]
والحقيقة.. إن علاقة الإنسان المعاصر بجسده والتى يمكن التعبير عنها خلال المظاهر الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية الحديثة لا يمكن فهمها إلا خلال فهم تاريخى لوعى الإنسان بجسده، وحيث أن وجود الإنسان فى الزمن أو التاريخ هو وجود جسدى فى الأساس، ومن ثم فموضوع الجسد مشتبك مع التاريخ بقوة، ولكنه مثل أي موضوع ثقافى يخضع لاختلافات تعبر عن الخصوصيات الثقافية لكل مرحلة من مراحل التاريخ، فمفهوم الجسد فى الشرق القديم يختلف كثيراً عنه فى اليونان القديمة، فالثقافات الشرقية نظرت إلى الجسد الإنساني كعضو يرتبط فى سياق كلى مع جسد أكبر هو الكون، ومن ثم يتماثل الجسد مع الطبيعة ويتحد معها وفيها، ليس فقط فى قيمته ولكن ـ أيضا ـ فى صفاته ووظائفه، كأن يظن أن الشعر فى الجسد ينمو بنفس الطريقة التى ينمو بها النبات فى الأرض، ونتيجة لهذا التوحد بين الجسد والكون حرص الإنسان على خلق علاقة متناغمة مع الطبيعة ليضمن صحة وسلامة جسده.
ولكن الإغريق نظروا إلي الجسد ككيان مستقل عن الطبيعة، ونتيجة لذلك تمزقت العلاقة بين الإنسان والكون،ثم نتيجة لهذا الانتزاع من حضن الطبيعة الأم، بدأت مشاعر الاغتراب بالتأكيد على النظرة الثنائية التى تميز بين الجسد والروح، وتضع الروح فى مكانه أعلى لينعكس هذا الوعى على سلوك الإنسان وعلاقته بجسده كمظهر من مظاهر الصراع بين الجسد والروح، أي أن الثنائية مزقت العلاقة بين الإنسان وجسده أيضاً على نحو ما يقول بسطاويسى.
إن هذه الثنائية تتجسد على نحو وظيفى فى أسطورة الخلق الإغريقية، فالتقاء السماء والأرض هو مبعث الخلق، حتى أن "زيوس" نفسه، مخلوق من هذه العلاقة التى تمثلت فى بعدها الثقافى على نحو تقابلى، فالسماء فى مواجهة الأرض تذكرنا بالروح فى مواجهة الجسد، وحيث السماء هى سكن الآلهة، هى المطلق الأبدى، مما يمنحها مكانة أعلى قيمة من الأرض، إن هذا التفكير التراتبى، هو الذى سيمنح العقل مكانة السماء، فيما تظل الحواس الإنسانية أكثر انغماساً فى مادية الأرض وطينها، ومن ثم تظهر مركزية اللوجوس فى تجليات مختلفة، السماء / الإله / الروح/ العقل / العلم / الرجل / العضو الذكرى.
إن قائمة التجليات العليا، تقابلها ـ فى المقابل ـ قائمة من التجليات الدنيا تبدأ من الأرض وتنتهى إلى المرأة، وربما، هذا النوع من التفكير الثنائي يجد امتداده فى أفكار الحداثة ـ أيضاً ـ حيث الذات فى مواجهة الموضوع، والأنا فى مواجهة الآخر والدال فى مواجهة المدلول.. وهكذا، لاتسلم الحداثة من احتضان متناقضاتها.
وأدت النظرة الدونية إلى الجسد وفصله عن الطبيعة وتجريده من أبعاده الروحية أن أصبح الإنسان يتعامل مع جسده كمجرد أداة تنحصر قيمتها فى وظيفتها وقدرتها العملية على حل بعض المشكلات الاقتصادية كأي أداة من أدوات الإنتاج، وهكذا يوضع الجسد فى سياق استهلاكى ويتم تقييمه كأي سلعة، ولاشك أن هذا الفهم دعم فكرة الرق فى التاريخ الإنساني، وجدير بالذكر أن الفكرة انتقلت إلى الغرب المسيحى فمع عصر الكشوف الجغرافية وبسم الدين كان يتم استرقاق البشر لكونهم لا يمتلكون روحا خيرة، وهى نظرة أحيطت بكثير من المحاذير فى الإسلام الذى سعى إلى تحرير جسد الإنسان من العبودية من منطلق عدم الفصل بين الجسد والروح، لكن يبدو أن الفكر الإسلامي قد وصله شئ من هذه النظرة التى تفصل بين الجسد والروح، ولا سيما لدى الفلاسفة الذين اطلعوا على الفلسفة الإغريقية الوثنية فى تصورها عن طبيعة الخلق المثنوية التى ترد الوجود الى مبدأين هما الخير والشر أو النور والظلمة، غير أن الأصول الشرعية للإسلام لا تعرف هذه الفصل بين الإنسان وجسده ولاتتجاهل مطالبه وحاجاته، بل الإسلام يراعى ما للجسد من حاجات "إن لبدنك عليك حقاً"، وثمة إشارات عديدة فى القران الكريم توثق العلاقة بين الإنسان وجسده وتطالبه باحترامه، فأعضاء الجسد قد تشهد ضد أو مع صاحبها يوم القيامة، كما أن الإسلام لا يفصل بين النفس والجسم بل يعتبر كل منها مرادفاً للآخر، فالإشارة إلى تحريم قتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، تتضمن مجازاً عن تحريم إهلاك الجسد وتمنحه المكانة الرمزية التى نتصور فيها النفس.
إن الفلسفة الغربية الحديثة، تبدو كامتداد للفلسفة الإغريقية فى نظرتها الثنائية إلى الإنسان، ففكرة ديكارت عن تمجيد العقل لا تختلف عن تصورات أفلاطون المثالية فى جوهرها وإن بدت شديدة التعارض معها، فالجسد الغربى يظهر كغلاف أو كآلة تساعد العقل على تحقيق غاياته النبيلة حتماً بعكس غايات الجسد الحقيرة، إن الثنائية التى خلقها الفكر المعاصر، توتر العلاقة بين الإنسان وجسده، وتنتهى الى تشيؤه، وشعوره بأن جسده مجرد آلة، قابلة للبيع كأي سلعة، بل وقابلة للاستبدال و التحسين لمناسبة العرض والطلب بهدف رفع الكفاءة الإنتاجية للجسد فى بورصات الرياضة والإعلانات والموضة وتجارة الأعضاء البشرية التى ساعد على انتشارها التطور العلمى و التكنولوجى.
وقد أدى هذا إلى ظهور فكرة الجسد الفردى وفصله عن الجسد الاجتماعى العام، وتجلى إحساس الإنسان بالفردية والعزلة وانقطاع جسده عن أجساد الآخرين ولاسيما بعد انتشار وسائط الاتصال التكنولوجى الحديثة، التى عمقت عزلة الإنسان وحالت دون التواصل الحى بين البشر واستغنت عنه بالآله حتى أصبحت أكثر ممارسات الجسد ورغباته احتياجا إلى الآخر تتم بشكل فردى تماما ويتجلى ذلك فى عمليات الاتصال الجنسى التى تتم عبر وسائل الاتصال التكنولوجى بدون وجود شريك حقيقى أو بمجرد وجود صورة الشريك (شريك افتراضى)، ومعنى ذلك أن أصبح الإنسان أكثر اعتماداً على جسده وأكثر انكفاءً ـ بالتالى ـ على ذاته، وتعمق شعوره بالاغتراب،وفى ضوء هذا الارتباك فى العلاقة بين الإنسان وجسده، يمكن تفسير بعض الظواهر مثل الانتحار الجماعى، والشذوذ الجنسى وتعاطى المخدرات وإدمان مشاهدة أفلام البرنو وممارسة الجنس عبر الأقمار الصناعية وهوس الراهانات فى حلبات المصارعة الحرة إلى آخر الكثير من مثل هذه الظواهر، كما يمكن فهم حكاية الشاب الألماني آكل لحوم البشر التى بدأنا بها كرمز إلى الانكفاء على الذات تعبر عن علاقة الإنسان المعاصر بجسده.
اشارات
[1] ـ يتضمن كتابه ـ الإبداع والحرية ـ الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر ثلاثة مقالات ( فلسفة الجسد ـ سوسيولوجيا الجسد بين الثقافات ـ صورة الجسد فى الإبداع العربى ) ـ يمكن مراجعتها لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع .
[2] ـــ نفسه

سيد الوكيل ـ مصر salwakil@hotmail.com