مكتب دبلوماسي أميركي في ايران!

بقلم: نجاح محمد علي

هل سنشهد قريبا افتتاح مكتب لرعاية المصالح الأميركية في طهران شبيه بشعبة افتتحتها واشنطن في كوبا منذ العام 1977؟ وإذا حصل ذلك ماذا سنفعل بالذاكرة التي تحتفظ منذ انتصار الثورة الاسلامية في فبرار 1979، بتسمية "وكر الجاسوسية" الذي أطلقته طهران على السفارة الأميركية ؟
لقد قدمت واشنطن، وفي خضم تصعيد ضغوطها على ايران على خلفية برنامجها النووي، طلبا غريبا جدا بهذا الصعيد، خصوصا وأنه يأتي وسط ضجة أثاره الغرب هذه الأيام على ايران عندما زاد من حجم المضايقات لها في ضوء تشديد عقوبات الاتحاد الأوروبي، والتلويح بورقة منظمة مجاهدي خلق المعارضة التي رفعت بريطانيا اسمها من قائمة المنظمات الارهابية رغم أنها بالفعل تصنف في خانة المنظمات الارهابية، وتهديد - تدعمه واشنطن - بشن اسرائيل حربا خاطفة على منشآت ايران النووية.
فهل من المعقول أن تفتح واشنطن أفقا جديدا في مثل هذه الأجواء الملبدة بغيوم الحرب ونذرها والجميع يعلم أن الرغبة الأميركية بفتح هكذا مكتب، لا يمكن الا أن يكون واحدة من الأساليب الأميركية لخداع الرأي العام وبشكل خاص داخل ايران، من واقع أن افتتاح مكتب لرعاية المصالح الأميركية سيزيد من قنوات الاتصال بين الايرانيين والادارة الأميركية، ومن امكانية حصول الايرانيين الراغبين بزيارة الولايات المتحدة،على تأشيرات دخول أميركية!
وفي هذا الواقع، وتجارب سابقة بين واشنطن وطهران، لا يستطيع المرء إلا أن يشكك بالنوايا الأميركية حيال ايران، ليخلص الى الرأي أن التصعيد الغربي الأخير مع ايران، يرمي- فيما يرمي أيضا - الى فتح مكتب للمخابرات والنشاطات السياسية، وإقامة علاقات مع مرتزقة واشنطن على حد تعبير قائد الجمهورية الاسلامية آية الله علي خامنئي، عند رفضه طلبا سابقا العام 1999.
ولقد أيد توم كيسي المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية - وإن بشكل مبطن - شكوك السيد خامنئي بقوله "إننا نبحث دائما عن سبل أفضل للوصول إلى الشعب الإيراني، ولقد فتحنا مراكز مراقبة في دبي كما فعلنا في أماكن أخرى من العالم للحصول على رؤية أفضل لما يجري في ايران".
ويكفي أن نشير الى الخطاب الذي ألقاه فيديل كاسترو، قائد الثورة الكوبية، في الاحتفال المركزي، بمناسبة الذكرى الثانية والخمسون للهجوم على ثكنتي المونكادا وكارلوس مانويل دي سيسبيديس، في السادس والعشرين من يوليو2005، لنعرف أن مكاتب وأماكن سكن قسم رعاية المصالح الأميركية في كوبا، تحولت بحجة الحصانة الدبلوماسية، إلى أماكن للاجتماعات من أجل تنظيم الاستفزازات، وتسهيل الاتصالات، وقيادة أعداء الثورة الكوبية داخل البلاد وبشكل مفضوح. ويتم استخدام الحقائب الدبلوماسية لمكتب رعاية المصالح من أجل تهريب أجهزة الكمبيوتر، ووسائل الاتصال، والمطبوعات والمنشورات وأي نوع من الأشياء والمواد لتزويد المتمردين بها. واعتبر كاسترو حينها أنه "لا توجد أي حكومة أهانت وأساءت واستغلت الإعفاءات الجمركية والحصانة الدبلوماسية كما فعلت حكومة الولايات المتحدة من أجل كتابة الإعلانات وعرض اللافتات الشائنة والمهينة.
وعلى أية حال فان الطلب الأميركي يمكن أن يكون مقدمة لاستئناف الحوار واعادة العلاقات الدبلوماسية التي قطعتها واشنطن في أبريل العام 1980، ردا على اقتحام الطلبة الثوريين الإيرانيين سفارتها في نوفمبر 1979.
ويمكن القول أيضا إن الاقتراح وتوقيته قبل الانتخابات الأميركية، يعكس طبيعة مأزق الجمهوريين الساعين خلف الورقة الايرانية للفوز في هذه الانتخابات،من واقع أن الجمهوريين يحاولون تخفيف أجواء التوتر المسيطرة على العلاقات مع ايران، لأسباب انتخابية.
أما طهران، فهي لم ترفض من حيث المبدأ افتتاح مكتب أميركي لكنها كما هو واضح تتريث في الرد، وتفضل أن تدرس الطلبات - التي ترسل اليها عبر القنوات الرسمية - في أجواء هادئة، وبطريقة مهنية بعيدا عن التوترات السياسية.
وقبل ذلك، ينبغي على واشنطن القيام بخطوات ميدانية على الأرض تعزز فيها هذه الرغبة وذلك بالكف - أولا- عن ممارسة الضغوط على الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن ملف ايران النووي، وأن تسعى الى كسب ثقة الايرانيين، و تتجنب التعاطي مع العلاقات الانسانية- بين الشعبين الايراني والأميركي- بطريقة استعلامية.
ونشير في الختام الى أن الخارجية الايرانية روجت بداية الى أن فكرة فتح مكتب للمصالح في طهران مجرد دعاية اعلامية، غير أن مسؤولا فيها ذكر أن ايران لم ترفض الفكرة من حيث المبدأ، وتركت البت فيها للمرشد خامنئي الذي لا يبدو متحمسا للسماح بفتح "وكر للجاسوسية الأميركية" على أراضي بلاده .
أليس كذلك؟! نجاح محمد علي