مكتبة الإسكندرية ترصد تطور علم المستقبليات ومدارسه وأهميته

دراسة تفصيلية

الإسكندرية ـ تناقش الباحثة أمنية الجميل في دراستها "ماهية الدراسات المستقبلية" نشأة وتطور علم المستقبليات في العالم ومدارسه المختلفة ومناهجه البحثية ونماذج من تطبيقاته التي تخدم الرؤى الاستراتيجية للدول والمجتمعات.

وتحاول الدراسة التي صدرت عن مكتبة الإسكندرية ضمن سلسة "أوراق"؛ استعراض أهم النقاط المفصلية التي مر بها علم المستقبل في خلال رحلة تطوره منذ أربعينيات القرن الماضي من مجرد أفكار ناشئة في أذهان بعض الدارسين، وصولاً إلى الشكل الحالي الذي وصل إليه هذا العلم، والذى صار له تطبيقات واضحة وجلية في مجالات وتخصصات علمية عدة ومؤثرة على مسار المجتمعات والدول. وتشير الدراسة أيضًا إلى الاختلافات التي تتواجد بين الباحثين أنفسهم حول ماهية هذا الفرع العلمي الجديد ورؤية كلا منهم لحدوده وإمكاناته وسبل تطبيقه.

ويقول الدكتور خالد عزب؛ مدير إدارة المشروعات الخاصة بمكتبة الإسكندرية، في مقدمة الدراسة الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بالمكتبة حول علم المستقبليات، إن مكتبة الإسكندرية تتجه إلى التعامل مع علم المستقبليات كعلم يمكن أن يطرح تصورات تفيد الدراسات الإنسانية وتوجه مستقبل مصر، لذا فإن طرح هذه الدراسة يهدف إلى بناء مدرسة مصرية في مجال الدراسات المستقبلية، ومزج العديد من مناهج الدراسات البحثية لكي يكون هناك مجالات جديدة للعلوم متعددة الأصول والتي تستخدم مناهج مستعارة من علوم أخرى، وبناء كوادر جديدة من الباحثين في مجال العلوم البينية ومنها علم المستقبليات، والتوجه نحو وضع تصورات لمستقبل مصر والمنطقة العربية في خلال الفترة القادمة.

وعن التطور التاريخي للتفكير نحو المستقبل، تبين أمنية الجميل في الدراسة أن التفكير نحو المستقبل يعد نشاطا مركزيا للأفراد منذ البدء في بناء الحضارات المختلفة، فعلى سبيل المثال، قدم أفلاطون رؤيته نحو ما يجب أن يكون عليه المجتمع مستقبلاً مستندًا على فكرة العدالة، أما الفيلسوف الإنجليزي توماس مور في كتابه المدينة الفاضلة الذي نشر في عام 1516، صور المجتمع المستقبلي الذي تتحقق فيه المثالية بالمجتمع الذي يتبع فيه الأفراد مجتمعاتهم، وتبلورت أفكاره حول ملكية الأفراد المشتركة لموارد المجتمع.

اختلفت نظرة الأفراد نحو المستقبل فيما بعد؛ فانتقلوا بعيدًا عن التصورات المثالية، ففي الأربعينيات وبانتهاء الحرب العالمية الثانية سعت البشرية إلى معالجة التغييرات السريعة والمترابطة وكان سبيلها لذلك محاولة تلمس الأبعاد المستقبلية التي سيئول إليها المجتمع. طورت فكرة السعي لتوقع الأحداث خلال تحليل علمي لاتجاهات ومؤشرات التغيير في البداية في الولايات المتحدة الأميركية أثناء الحرب العالمية الثانية. لحق بهم فيما بعد برتراند دو جوفنيل وآخرون في أوروبا محاولين معالجة الأبعاد الفلسفية والاجتماعية للدراسات المستقبلية.

في النصف الثاني من الخمسينيات أنشأ جاستون برجر مركز لدراسات المستقبل المحتمل. بدأ هذا المصطلح في الانتشار في أوروبا. في نفس الفترة، قَوَّى برتراند دو جوفنيل من مكانة الدراسات المستقبلية من خلال استخدامها في تحليل أنماط القوى، ومناهج الحكم، والاختيارات السياسية.

وقدمت العديد من الدول الأوروبية مثل هولند وانجلترا إسهامات كبيرة وهامة ساعدت على تطور حقل الدراسات المستقبلية، وخاصة تكوين قاعدة فلسفية له. الدول الاسكندنافية أيضًا ساهمت في تطور حقل الدراسات المستقبلية، وقدمت المعاهد والمنظمات البحثية نتائج أبحاثها للحكومات في محاولة لرفع درجة الاهتمام بمثل هذه الأبحاث تدريجيًّا وبمرور الوقت. في لكسمبرج في النمسا، قام المعهد الدولي لتحليل الأنظمة (IIASA) بدور ريادي في مجال أبحاث المستقبليات في أوروبا كاملة.

أجريت أول الدراسات المستقبلية في الولايات المتحدة الأميركية لتقديم الاستشارات للوكالات الحكومية والشركات التجارية. وبتنوع وتعدد باحثي الدراسات المستقبلية في الولايات المتحدة وكندا، يمكن تقسيم توجهاتهم بشكل مبدئي كما يلي: توجه تكنولوجي، وتوجه اجتماعي، وتوجه عالمي.

نشأت العديد من الجمعيات العالمية أيضًا والتي اشتركت في تطوير الدراسات المستقبلية؛ ومنها جمعية البشرية 2000، والاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية. كُلٌ من الجمعيتين كان لهما دور بارز في إقامة المؤتمر العالمي الأول لأبحاث المستقبليات الذي أقيم في أوسلو سبتمبر/أيلول 1967، بالتعاون مع المعهد العالمي للأبحاث السلام بأوسلو.

وعن التعريفات المختلفة للدراسات المستقبلية، تبين الدراسة أنه رغم اختلاف الباحثين حول المصطلح الأنسب الذي يتعين إطلاقه على هذا الحقل البحثي الجديد؛ إلا أنهم اتفقوا فيما بينهم على أهمية دور السياق الثقافي، والتاريخي، والاجتماعي الذي رُكب واُستخدم فيه المصطلح؛ كما اتفقوا أيضًا على عدد من الخصائص البرجماتية الأساسية التي وإن اختلفت المسميات إلا أنها أساس أي عمل بحثي يكون محور اهتمامه في المقام الأول المستقبل بأبعاده المختلفة.

وتستند هذه الخصائص على عدد من النقاط، وهي أن الدراسات المستقبلية ترفض فكرة التنبؤ بالمستقبل كما لو أنه حدث مستقل قائم بالفعل يمكن رؤيته بوضوح، وأن الدراسات المستقبلية تستند في عملها على المعرفة الأمبريقية التي تنتجها كل الانضباطات الأخرى وكل المعرفة الثقافية البشرية، وأن الدراسات المستقبلية تعلي من قيمة "العقل"، وهي في ذلك على عكس العلوم الطبيعية التي تسعى في كل أعمالها إلى تحقيق الحيادية، وأن الدراسات المستقبلية لها نطاق بحثي أوسع من العلوم الطبيعية.

وعن أهداف الدراسات المستقبلية، توضح الدراسة أن غاية الدراسة المستقبلية هي توفير إطار زمني طويل المدى لما قد نتخذه من قرارات اليوم. ومن ثم العمل وفق نظرة طويلة المدى وبأفق زمني طويل نسبيًّا. فهذا أمر تمليه سرعة التغير وتزايد التعقد وتنامي "اللايقيني" في كل ما يحيط بنا، وذلك فضلاً عن اعتبارات متصلة بالتنمية والخروج من التخلف.

وبشكل أكثر تحديدًا، يمكن القول إن الدراسات المستقبلية تساعدنا على صنع مستقبل أفضل، وذلك بفضل ما تؤمنه من منافع متعددة؛ من أهمها: اكتشاف المشكلات قبل وقوعها ومن ثم التهيؤ لمواجهتها أو حتى لقطع الطريق عليها والحيلولة دون وقوعها، وإعادة اكتشاف أنفسنا ومواردنا وطاقاتنا وبخاصة ما هو كامن منها والذي يمكن أن يتحول بفضل العلم إلى موارد وطاقات فعلية، وبلورة الاختيارات الممكنة والمتاحة وترشيد عملية المفاضلة بينها.

وتحقق الدراسات المستقبلية هذه الأغراض من خلال إنجاز عدد من المهام المحددة؛ منها: إعمال الفكر والخيال في دراسة مستقبلات ممكنة، ودراسة مستقبلات محتملة، ودراسة صور المستقبل، ودراسة الأسس المعرفية للدراسات المستقبلية، ودراسة الأسس الأخلاقية للدراسات المستقبلية، وتفسير الماضي وتوجيه الحاضر، وإحداث التكامل بين المعارف المتنوعة والقيم المختلفة، وزيادة المشاركة الديمقراطية في تصور وتصميم المستقبل، وتبني صورة مستقبلية مفضلة والترويج لها.

وتتطرق الدراسة إلى المنهجيات المستخدمة في الدراسات المستقبلية. وتعرض فيها الركائز الست للدراسات المستقبلية التي من خلالها تتكون نظرية التفكير المستقبلي وترتبط بالمنهجيات والأدوات المختلفة للدراسات المستقبلية، وتتطور من خلال التطبيقات العملية، ويمكن استخدامهم كنظرية أو من خلال ضبط ورش عمل المستقبليات، والركائز الست هم: رسم الخرائط، التوقعات، التوقيت، تعميق المستقبل، ابتكار البدائل، والتحول المستقبلي.

وتختتم الباحثة الدراسة بتوضيح أنه بتسليط بؤرة الاهتمام على العالم العربي، وتحديدًا فيما يتعلق بالتفسيرات الراهنة، والمواقف المتبلورة بخصوص الدراسات المستقبلية؛ نستطيع أن نلحظ بعض الإشكالات الرئيسية في هذا الخصوص؛ والتي يجب التعامل معها بموضوعية وحيادية تامة، خاصة وأنها تبقى مثارًا للنقاش والجدل، كما تنطوي على مساحات فضفاضة لطرح الآراء في سياق من السجال الفكري البناء.

وتبين الحاجة لوضع خطط مستقبلية تعتمد على أسس علمية؛ وهي المسألة التي تفسر سعي العديد من الدول والمؤسسات على الصعيد العالمي في الغرب لتطوير قدراتها بشأن معرفة مستقبل الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمجالات التقنية بشكل علمي مدروس. فضلاً عن أن مثل هذه الرؤية تساعد دون شك على تجاوز بعض وجهات النظر السلبية تجاه المستقبل، والمتضمنة في إطار ثقافة عامة، مؤداها الجمل بسيطة التعبير قوية الدلالة والتأثير، التي يجيب بها رجل الشارع في مجتمعاتنا العربية إذا ما سألته عن تصوراته بخصوص المستقبل.

وتقول إن تحليل مغزى هذه العبارات، يلخص جوهر القضية التي يتم مناقشتها؛ ذلك أنها تصب في اتجاه استمرارية النظر إلى ما تحت قدمينا، في ظل تجاهل تام لحقيقة أننا إذا لم ننطلق بالآليات الملائمة لصنع مستقبلنا بأنفسنا، فإن آخرين في مناطق متقدمة من العالم، سوف يُناط بهم - في الغالب- توجيه دفة فكرنا وثقافتنا وحتى جوهر اهتماماتنا.

وتؤكد أن التحليل الموضوعي يقتضي القول بأن عالمنا العربي في حاجة بالغة لتوجيه مزيد من العناية والاهتمام بمثل هذه النوعية من الدراسات؛ لاسيما وأن أغلب التفسيرات تشترك في كون الدراسات المستقبلية أو علم المستقبل تعد "بمثابة آلية من آليات الحاضر تساعد في فهم المستقبل من أجل أخذ الحيطة والاستعداد لما هو قادم، بمعنى آخر هي دراسة لحال المجتمع من خلال حاضره لأجل أوضاع مستقبل أكثر أمنًا وأكثر تحررًا من مشاكله الآنية الحاضرة"، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الباحث أو العالم المتخصص في علم المستقبل يعيش بذهنه في ذلك المستقبل، وينظر إلى الغد، على أنه تاريخ يمكن قراءة اتجاهاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية الرئيسية. كذلك يتمتع الباحث أو العالم المستقبلي بقدرة فائقة على الإحاطة الشاملة بالأوضاع السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه، وفي فرع تخصصه المعرفي الدقيق وتحليل هذه المعطيات في ضوء الاتجاهات العالمية، حتى يمكنه إعداد الأذهان للمتغيرات والمستجدات المتوقعة، ووضع الخطط الملائمة للتعامل معها على المديين القريب والبعيد، مع الاستناد إلى دراسات ميدانية دقيقة، وعدم الركون إلى الظن والتخمين، إلا في الحدود التي تسمح له بها المعلومات المؤكدة اليقينية والتي لا تقبل الشك.