مكابدات الفلسطينيين في رحلتهم.. من اقنوم التحرير إلى فضاء الحرية

بقلم: ماجد كيالي

لم يستطع الفلسطينيون إنتاج الوعي الذي يتناسب مع النكبة التي أحاقت بهم (1948)، وأن يتحدّوا تداعياتها، ففي تلك الحقبة من الزمن، استغرق هؤلاء بالانشغال بحال الخراب والتمزّق والتشرّد الذي آلت إليه أوضاعهم، مستسلمين إلى حال الذهول التي سكنتهم.

لكن بعد خروجهم من تلك الحال، توزّعت أهواء الفلسطينيين، فثمة قطاعات واسعة منهم آثرت الغياب، أي تغييب ذاتها، وساعدها على ذلك عاملين، موضوعي وذاتي. الموضوعي، ويتمثل بحال التهميش والتغييب والنسيان والتقييد التي فرضت عليهم من قبل النظام العربي السائد، الذي لم يتعامل معهم لا على أساس الرابطة القومية (المفترضة)، ولا على أساس الرابطة الإنسانية، معتبرا إياهم مجرد عبء أمني وديمغرافي، وربما ككائنات فائضة عن الحاجة. أما الذاتي، وهذا ما يهمنا، فيتمثل بحال الإنكار، أو الرفض، التي تملّكت الفلسطينيين إزاء أحوالهم الجديدة؛ التي اعتبروها (في الأغلب) مجرد مؤقّتة، أو طارئة.

على أية حال فإن حال الغياب والتغييب والإنكار والرفض هذه، دفعت الفلسطينيين لتعريف ذاتهم، وإنتاج وعيهم الخاص، من خارج ذاتهم الوطنية، وهذا ما تمثل بتوجه غالبية النخبة الفلسطينية نحو الانخراط في الأحزاب والتيارات السياسية فوق الوطنية، أي القومية والأممية (الإسلامية والشيوعية).

هكذ شهدنا أن الفلسطينيين، من ذوي النشاطية السياسية والفكرية، انخرطوا بفاعلية كبيرة، بل إن بعضهم كانوا مؤسّسين، في أحزاب وحركات قومية، كالناصرية، والبعثية، والقوميين العرب، كما في أحزاب شيوعية وإسلامية (الأخوان المسلمين والتحرير).

ولعل ذهاب النخبة الفلسطينية نحو هذه الاتجاهات هو الذي أسهم، بين عوامل أخرى، في تميّز حركة فتح، التي نشأت أواخر الخمسينيات)، والتي استطاعت بفترة وجيزة احتلال مكانة المركز السياسي في المجتمعات الفلسطينية، على تشتّتها، وتعدد ولاياتها.

وفي بداية ظهورها، وفي صراعها على المكانة مع التيارات الأخرى (الناصرية والبعثية والاسلاموية والشيوعية)، عرّفت "فتح" ذاتها باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للوطنية الفلسطينية؛ وهذا ما تم التعبير عنه بالمقولات التي أصدرتها هذه الحركة، من مثل: "عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية"، في مقابل رفضها محاولات التبعية والوصاية والاحتواء العربية. وكان أن خاضت هذه الحركة معارك عديدة في سبيل دفاعها عن استقلالية القرار الفلسطيني، وعن مكانة منظمة التحرير (التي سيطرت عليها فيما بعد) باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

لكن مقولة "تحرير فلسطين طريق الوحدة العربية" هي تحديدا المقولة التي كانت "فتح" ساجلت على أساسها التيارات القومية الوحدوية (الناصرية والبعثية والقوميين العرب)، التي كانت سائدة آنذاك، على الضد من مقولتها الآثيرة (وقتها) "الوحدة هي طريق التحرير".

على العموم ليس القصد من هذا العرض محاكمة أفكار الأمس بعقلية اليوم، ولكن القصد هو تبيّن مآلات هذه الحركة، وبالخصوص مآل المقولات التي طرحتها، في إطار المسيرة التي شقّتها، بالتضحيات والمعاناة، طوال حوالي نصف قرن من الزمن.

معلوم أن حركة "فتح" لم تنشغل بالجانب الفكري، ولم تهتمّ إلى الدرجة اللازمة، بتطوير مقولاتها السياسية الأولية، ولذلك جاءت محاججاتها، أو محاولاتها فرض مقولاتها، محكومة بضيق أفق فكري، وباستخفاف بأهمية التنظير السياسي. وكانت هذه الحركة عرفت بتركيزها على البعد العملي، ولاسيما على مبادرتها إطلاق تيار المقاومة المسلحة، الذي اعتبرته كافيا، إن لشدّ الجماهير الفلسطينية (والعربية ربما) إليها، على حساب التيارات الأخرى، أو للتغطية على قصورها من الناحية النظرية.

بالمحصلة، وعبر الزمن، فمثلما تآكلت مقولة أن "الوحدة هي طريق التحرير"، مع ترسّخ النظم السلطوية العربية، فإن مقولة "فتح"، تلك، تآكلت هي أيضا. وقد شهدنا، مع التجربة المعاشة، بأن النضال لتحرير فلسطين ليس فقط لم يؤدّ للوحدة العربية، بل إن تعريف الفلسطينيين لفلسطينهم بات مقتصرا على الأراضي المحتلة (عام 1967)، وحتى إنهم لم يستطيعوا الحفاظ على وحدة كيانهم المفترض (الضفة والقطاع). والأنكى من كل ما تقدم أن الفلسطينيين، اليوم، باتوا يظهرون وكأنهم بمثابة "شعوب" عديدة، لها أولويات وشعارات مختلفة، بحكم الاختلاف والاقتتال والانقسام، وبحكم ضياع مشروعهم الوطني، وتهمّش بناهم الجمعية.

ما الذي نريد قوله هنا؟ ما نقصده من ما تقدم أن حركة "فتح" أخفقت في الحفاظ على مكانتها وعلى اعتبارها بوصفها الحركة التي تمثّل، وتتمثّل، الوطنية الفلسطينية. فمثلما لم تدرك الأنظمة القائمة أهمية المواطنة، لم تدركها، أيضا، الحركات الوطنية، وضمنها حركة "فتح" (وقبلها جبهة التحرير الجزائرية)، بالتحول إلى مجرد حركة سلطوية. وبديهي أن المواطنة هنا تختزن في مضامينها عديد من المسائل، فهي تعني الفرد الحر، واحترام المجال العام (الدولة والمؤسسات الشرعية والجمعية)، والمساواة أمام القانون، بما في ذلك المكاشفة والمساءلة والمحاسبة.

على ذلك ثمة لـ"فتح"، وغيرها، ما تستنتجه من الثورات العربية، لاسيما الضرورة التاريخية لاكتشاف الأفراد المواطنين لحقوقهم، ووعيهم لذاتهم الوطنية، حيث الأفراد الأحرار هم الذين يصنعون حرية الأوطان، لا الأتباع والمحاسيب، وبالتأكيد ولا المرتهنين والخانعين

هكذا، فلا "تحرير فلسطين هو طريق الوحدة"، ولا "الوحدة هي طريق تحرير فلسطين"، لأنه لا وحدة ولا تحرير، ولا وطنية ولا تقدم، بدون مواطنين أحرار، أي بدون مواطنة، وبدون دولة وطنية (بالمعنى الناجز)؛ ولعل هذه هي الرسالة الأبلغ للثورات العربية، والتي ينبغي على الفلسطينيين، كما غيرهم ممن يعنيهم الأمر، أن يتمثّلوها، في خطاباتهم وعلاقاتهم كما في مآلات كفاحهم.

ماجد كيالي