مقدمة نقدية في فن الأداء

فن قائم بذاته

إن مصطلح الأداء، أصبح منتشرًا في السنوات الأخيرة في مجال واسع من الأنشطة الفنية والأدبية وفي العلوم الاجتماعية، وكما تزايد استعمال وانتشار هذا المصطلح فقد تزايد أيضًا كم الكتابات المعقدة التي تتناوله وتحاول أن تحلله وأن تفهم هذا النوع من النشاط الإنساني، وقد يبدو هذا الكم من التحليل والتعليقات للشخص المهتم بدراسة العرض المسرحي لأول مرة كعائق أكثر من كونه وسيلة مساعدة.

وفي مقدمة هذا الكتاب "فن الأداء .. مقدمة نقدية" يقول المؤلف مارفن كارلسون: أصبح فن الأداء وهو فن معقد ومتغير بطبيعته، أكثر تعقيدًا أو تغيرًا هذا لو أخذنا في الحسبان كما يجب الشبكة الكثيفة للاتصالات التي توحد بينه وبين أفكار الأداء التي تم تطويرها في المجالات الأخرى، وبينه وبين الاهتمامات الثقافية والحضارية والاجتماعية التي تثيرها كل أنواع مشروعات الأداء المعاصرة تقريبًا. فهي تكوِّن فيما بينها مفهوم ومعنى الانتماء لعصر ما بعد الحداثة، وهو السعي للتفرد وإثبات الهوية، وعلاقة الفن بينه السلطة والتحديات المختلفة التي يثيرها مفهوم النوع "ذكر أم أنثى" والعرقيات.

وفي حديثه عن الأداء والعلوم الاجتماعية يشير الكاتب إلى أعمال ريتشارد شيشنر التي تعتمد على خلفية المسرحية وفي دراسة متعلقة بالمسرح تحت عنوان: المسرح والعلوم الاجتماعية عدد الكاتب ريتشارد شيشنر سبعة مجالات مشتركة بين نظرية الأداء والعلوم الاجتماعية وهي كما يلي: الأداء في الحياة اليومية، بما في ذلك كل أنواع الاجتماعيات، التكوينات الرياضية، الطقوس، واللعب، والسلوك العام والسياسي، تحليل مختلف الاتصالات “خلاف الكلمة المكتوبة”، والإشارات، العلاقة بين السلوك الإنساني وسلوك الحيوان مع التركيز على اللعب، والطقوس السلوكية نواحي العلاج النفسي التي تؤكد على العلاقة المباشرة بين شخص وآخر، وعلى إعادة ما حدث، وعلى الوعى بالجسد، وأخيرًا تكوين نظرية موحدة للأداء التي هي في الواقع من نظريات السلوك.

وعن الأداء في مضمونه التاريخ، يقول المؤلف: عندما بدأ الاعتراف بالأداء الحديث، أو بفن الأداء في السبعينيات كفن قائم بذاته كان من الطبيعي أن يوحي هذا بسيل من الكتابات التي تتناوله، فجاءت أولًا المقالات والدراسات التي تتناول أداءات منفردة، ثم جاءت الدراسات الأكثر عموماً لهذا الاتجاه الجديد. وقد لاحظت روزلي جولد بيرج التي كتبت أول تاريخ للأداء عام 1971، ونشرت مقالًا مطولًا عن فن الأداء في عام 1988 أن هذه الظاهرة تتحدى أي محاولة لإعطائها تعريفًا سهلًا أو دقيقًا عدا الإقرار ببساطة أنها فن حي يقوم به فنانون.

ويضيف الكاتب: وبالرغم من تركيز بوزلي جولد بيرج على العلاقة الوطيدة بين حركة الرواد وفن الأداء في القرن العشرين فإنها تقوم أيضًا عددًا من الأمثلة من الفترات السابقة مثل: مسرحيات العصور الوسطى الدينية، والمعركة البحرية الساخرة في عام 1058، والعروض الملكية… وغيرها.

ومن الواضح أن الأداء في هذه الأمثلة لم يكن يعتمد على الاهتمام بالفترات المحددة لأشكال الفن الموجودة، أو يشتمل كما يشتمل أغلب فن الأداء الحديث على الوجود الجسدي للفنان. أما ما كان هذا الفن يوفره فهو حسب ما يؤكد “جولد بيرج” وجود الفن في المجتمع، وهو الوجود الذي من الممكن أن يكون ومحصورا للصفوة، أو بغرض التثقف أو الاستفزاز، أو بغرض التسلية.

ويذكر الكاتب: لقد ظهر الأداء وفن الأداء خلال فترة السبعينيات والثمانينيات كأنشطة حضارية رئيسة في الولايات المتحدة وفي أوروبا أيضًا في اليابان، وتطور فن الأداء وأصبح أكثر تنوعًا في مظاهره واتجه بعيدًا عن التيار الرئيس للثقافة المعاصرة كي يستقر عمومًا في وعي الجمهور، فإن علاقته بالعديد من فناني الثقافة الشعبية التقليدية مثل المهرج والمونولجوجست، والكوميديا الفردية أصبحت أكثر وضوحًا، ولكن فن الأداء في أوائل السبعينيات كان مع ذلك مثل: بداية فن الكباريه، وأمسيات المستقبلين، وعروض “دادا”. أي كان معدًا بواسطة، ولأجل مجتمع فني محدود. ولكن الشيء الذي كان يشترك فيه مع هذه الحركات وغيرها من الحركات التجريبية التي جاءت في أوائل القرن العشرين هو اهتمامه بتطوير الخصائص التعبيرية للجسد، وخاصة في تعارضها مع الفكر الجدلي والمنطقي، ومع الكلام وإيثاره للشكل، وعملية العرض أكثر من المضمون والمنتج النهائي. ويقوم الكاتب تعريفًا للأداء وما بعد الحداثة، فيقول: وجد معظم النقاد والمعلقين الفنيين في إصلاح ما بعد الحداثة لافتة مفيدة لتعليقها على كثير من العمل الأدائي المعاصر. ولهذا فإن بيل إروين قد وصفه ناقد الرقص في مجلة نيويورك تايمز بأنه مصمم رقصات ينتمي لما بعد الحداثة، ونجد الفنانة المؤدية آني سبرنكل من ينويورك تقدم عرضًا عام 1991 تحت عنوان ما بعد حداثة الصور الفاضحة، بينما تقدم مجموعة أداء مشهورة جماهيريًّا في سان فرانيسيكو نفسها بأن أسلوبها هو المثلية الجنسية للأمريكان الأفارقة فيما بعد الحداثة. ويضيف الكاتب: وأصبحت شعبية ما بعد الحداثة كاصطلاح للنقد قد ضمنت ظهوره في الكتابات الأخيرة في مجالي المسرح وفن الأداء، ولكن هذين المجالين لم يقدما باحثين أمثال "خبكس" في فن العمارة، و"بينز" في مجال الرقص، فهذان الباحثان قد وفرا نقطة ارتكاز لاستخدام هذا الاصطلاح مهما كان الاختلاف في الآراء حولهم. إذن اصطلاح ما بعد الحداثة لم يستخدم أبدًا لتحديد اتجاه معين أو مجموعة من الفنانين في المسرح “كما استعمل مثلًا اصطلاح الطبيعية والتعبيرية.

ويذكر المؤلف: وبعد ما سبق استعراضه للتطورات الأخيرة في فن الأداء الحديث خاصة أواخر الثمانينيات وأوائل السبعينيات، ولكن مع ذلك فهناك ناحية للأداء النشاط الاجتماعي كان لها دور مهم ومعقد في نظرية الأداء وممارسته الحديثة، وبالتالي فهي تستحق أن نوليها اهتمامًا خاصًا، وهو الأداء المرتبط باهتمامات ورغبات أو حتى إمكان رؤية هؤلاء الذين تم استبعادهم عن المسرح التقليدي أو حتى الأداء الحديث، على الأقل في سنوات تكوينه بسبب الجنس أو الطبقة الاجتماعية أو النوع (ذكر / أنثى)، وأكثر هذه المجالات تطورًا في هذا النوع من الأداء هو الأداء الذي يستكشفه المؤديات من النساء، قد جلب معه طرقًا متنوعة عديدة لتناول كل من الأداء النسائي.

وكانت الباحثة فجيل دولان، هي أول من وضع نظرية للأداء النسائي استخدمت في كتابها المشاهد النسائي كناقد 1988 تصنيفات من عمل الأليسون جاجار السياسات النسائية والطبيعة الإنسانية، وهو تصنيف نسائي ثقافي "أو متطرف" مادي ومتحرر، وهذه التقسيمات من الممكن مقارنتها على وجه التقريب بتلك التي في دراسات مسشلين واندور عن الأداء النسائي البريطاني استمرار دراسات بديلة التي تتناول البرجوازية النسائية والاتجاه النسائي المتطرف والاتجاه الاشتراكي النسائي.

وفي ختام الكتاب يقول الكاتب: من الواضح أن الموضوعات العامة والقضايا المتعلقة بالأداء من الممكن أن تستخدم، بل هي تستخدم في مجالات بلا حدود من الأنشطة الإنسانية كما يتبين لنا هذه المجموعة الكبيرة من الأعمال والمؤتمرات التي تناولت الأداء، ومع ذلك فإن مجموعة المقالات والمؤتمرات قد أولت الأداء المسرحي وأنواع الأنشطة المعاصرة التي يشار إليها عمومًا على أنها أداء أو فن الأداء عناية خاصة.

يذكر أن كتاب "فن الأداء.. مقدمة نقدية" للكاتب مارفن كارلسون قام بترجمته للعربية د. منى سلام وقام بمراجعته د. نبيل راغب وصدر في طبعة خاصة مؤخرا عن مكتبة الأسرة بالقاهرة . (خدمة وكالة الصحافة العربية)