مقتل الدوري حقيقة أم أمنيات؟

حتى ساعة كتابة هذا المقال، ما زالت الأخبار تتناقض وتتصادم مع بعضها البعض حول حقيقة مقتل عزت الدوري نائب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بنفس القدر الذي تناقضت فيه الروايات حول كيفية مقتله والجهة المنفذة للهجوم.

الخبر الرئيسي جاء على لسان محافظ صلاح الدين رائد الجبوري في 17/4 والذي أعلن فيه عن مقتل عزت الدوري فيما وصفه "بالضربة الإستباقية لمقاتلين أبطال" في منطقة حمرين شرق تكريت. اختلفت وسائل الإعلام في تقديم أولائك الأبطال (الجهة المنفذة للهجوم) هل هي من الجيش أم من الحشد، ثم أكدت مصادر الحشد أن عملية قتل الدوري من انجازاتها الخالصة. عاد وأعلن الجبوري أن الجثة المزعومة ستخضع لفحوصات الحمض النووي لمزيد من التأكد من عودة الجثة لعزت الدوري، وطلب التريث. وفي وقت لاحق ذكرت مصادر طبية عراقية لم تكشف هويتها، إن فحوصات الحمض النووي للجثة المعنية جاءت سلبية، وأن تلك الفحوصات جاءت مطابقة لجينات شخص يدعى شعلان البقاري.

وبحسب المصادر ذاتها، فان الحكومة العراقية كانت تعتزم إصدار بيان صحفي توضح فيه ملابسات الحادث، إلا أن ميليشيات عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله-العراق وهي المليشيات التي تتألف منها قوات الحشد بالإضافة لقوات بدر رفضت النتائج، وأصرت على أن الجثة تعود للدوري، الأمر الذي أدى إلى نشوب خلاف وصف بالكبير بين الحكومة والمليشيات الشيعية حال دون أن تصدر الحكومة العراقية ووزارة الصحة أي بيان رسمي حول هذه النتيجة.

بين محاولتها إرضاء الحشد والأخذ بروايته التي تحتاج إلى مصادقة عدلية نووية لإخراجها بشكل رسمي للعلن، وبين تأكدها من عدم عودة الجثة للدوري بحسب نتائج الحمض النووي المذكورة، أعلنت الوزارة في تصريح رسمي لها ما معناه أن الوزارة غير متأكدة من عودة الجثة للدوري بسبب عدم وجود عينات من عائلة الدوري يتم مطابقتها مع عينات الجثة. وجاءت هذه التصريحات مطابقة لتصريحات مشابه للنائبة منال وهاب عضو لجنة الصحة في البرلمان العراقي التي أدلت بها لوكالة الأناضول. أما من جانب المقربين من عزت الدوري فقد جاء نفي مقتله الضمني على لسان كل من المتحدث باسم البعث، ورغد صدام حسين. فما الذي بقي لنصدقه من رواية مليشيات الحشد؟

الواضح أن الحشد يريد أمرين من تسويق هذه الرواية. الأول، وهو تسويق هذه الدعاية للتغطية على جرائمه الطائفية في تكريت بلفت الأنظار إلى مقتل الشخصية الأبرز في النظام السابق بعد الرئيس صدام حسين، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد. والثاني، هو تأكيد مصداقية الرواية التي تناقلتها الأوساط الحكومية بأن الدوري يعمل مع تنظيم الدولة هو وفلول حزب البعث والجيش العراقي المنحل، وبالتالي التمكن من إجراء عمليات تشويه إعلاميه جديدة ضد الدوري وحزبه وزيادة جرعة الكراهية لتنظيم الدولة، وهو الخيط الرفيع الذي ما زال بمقدوره أن يعطي نوعا من المصداقية لرواية مقتل الدوري على يد مليشيات الحشد بعد تهافت رواية مقتل الرجل في تسريبات وزارة الصحة العراقية في قصة فحوص الحمض النووي التي اشرنا إليها سابقا.

إن عملية التلفيق الإعلامية بانخراط الدوري وفلول الحزب والجيش العراقي المنحل بتنظيم الدولة يناقض تماما المعطيات الإيديولوجية التي برأيي لا تسمح بتاتا بالاستمرار في تصديق مثل هذه الرواية؛ لصعوبة التوفيق بين أيديولوجية تنظيم الدولة ومنظومته العقدية والفكرية وبين إيديولوجية حزب البعث ومنظومته الفكرية التي ينتمي إليها الدوري، ولا يمكن إقامة مثل هذا التوفيق حتى على أساس المصالح التي لا يعترف بها التنظيم مع من يعتبرهم كفرة أو مرتدين ويستحل دمهم وأموالهم.

أما ما تناقلته الأنباء عن انخراط عناصر وضباط من الجيش العراقي السابق في تنظيم الدولة، فهم العناصر والضباط الذين عادوا إلى لونهم الديني الأصلي ذي الميول السلفية بعد انهيار المنظومة الأيديولوجية لحزب البعث، تماما مثلما عاد أصحاب الميول الشيعية في الجيش السابق إلى المجاميع والمليشيات الشيعية، وهكذا ذهب بعض السنة العسكريين من أصحاب الميول الصوفية إلى تأسيس جيش الجماعة النقشبندية الذي يقال إن الدوري يتزعمه.

على الأرض من المستبعد أن تتشكل علاقة عقدية أو مصلحية بين النقشبندية كما هو الحال مع حزب البعث للاعتبارات الشرعية لتنظيم الدولة التي تضع المتصوفة في أوائل صفوف المرتدين الذين يقاتلهم التنظيم ويهدم أضرحتهم ومساجدهم وينبش قبور أوليائهم. أما ما ذكر عن الدوري من بيانات تدعم تنظيم الدولة فإن صحت فلا تتجاوز أنها تأتي في سياق عمل مقاربي خاص لإطلاق الأسرى البعثيين في تنظيم الدولة. من هنا نخلص أن لا صحة لرواية قتل الدوري إلا في سياق الخيال والأمنيات لميليشيات الحشد.