مقتدى الصدر في صلب السياق التاريخي لحرب العراق

فيرنون (كندا)
الصدر يتقن التحرك تكتيكيا ضمن استراتيجية واحدة

"عمل ممتاز" مقتدى الصدر ينهي بنجاح التوتر الذي ساد العراق بعد الهجمات العسكرية التي أمر بها المالكي في جنوب العراق، والبصرة تحديدا.

وتنظر وسائل الاعلام الى هذا الامر على انه جهد عراقي بحت يمكن اختصاره بتعليقات للكاتب باتريك كوكبيرن في كتابه "مقتدى الصدر: النهضة الشيعية والكفاح من اجل العراق" بان المالكي "حدد القوة الحقيقية" وشعر بانه "لا يستطيع تحريك شركة من الجنود دون الحصول على اذن اميركا".

وأظهرت قناة الجزيرة القطرية في اخبارها الصباحية انخراط القوات الاميركية في هجمة جديدة على مدينة الصدر، معقل جيش المهدي في بغداد، مدعومة بدبابات ابرامز وعمليات قصف جوي.

وكتب باتريك كوكبيرن سجلا غنيا عن مقتدى الصدر في كتابه الجديد للانطلاق نحو الحديث عن تاريخ الشيعة الطويل في الشرق الاوسط.

لم يمجد مقتدى مزايا تنظيمه او البسالة البطولية في المقاومة التي لم تشوّه سمعة المعتقدات الشيعية او الرجل نفسه.

ومن منظور توازني شامل وتعاط جيد مع التحليل النقدي، يسمح الكتاب للقارئ بوضع مقتدى الصدر تماما ودون اغفال طبيعته المراوغة، في صلب السياق التاريخي للحرب في العراق.

ويأتي الفهم العميق لشخصية مقتدى من خلال استيعاب خلفيته العائلية كوريث لاب وجد "شهيدين" في أسرة تعرضت للقتل تحت حكم صدام حسين.
ومقتدى اكثر بكثير من كونه –ببساطة- رجل دين راديكالي اذ ينظر اليه على انه شخصية مركبة: "رجل محترس لديه موهبة واثقة في اجراء تغييرات تكتيكية عندما يجابه مناهضين اقوياء".
ومع الاخذ بعين الاعتبار الانتفاضة الشيعية الفاشلة ضد صدام وعدم حصول مقتدى على الدعم الاميركي واضطراره للبقاء حيا خلال سنوات الظلم والعقوبات على العراق، طور رجل الدين الشاب "حسا ماكرا" للبقاء على قيد الحياة. يعرف متى يواجه ومتى ينسحب ومتى يتوارى عن الانظار.

وتأتي مكانة مقتدى في العراق من كونه لم يغادر البلاد على غرار الطبقة السياسية الحاكمة القادمة من المنفى والقابعة في المنطقة الخضراء، والتي ينظر اليها العراقيون بعين الريبة.
وعلى الرغم من عدم قدرته على التحكم الكامل في سير الاحداث في العراق، الا ان شعبية مقتدى تتعزز بشكل هائل مع استمرار الاحتلال الاميركي. والامر ينطبق على سيطرته الجزئية على نشاطات جيش المهدي، لكنه يستفيد من تشكل المعطيات السياسية لمصلحته.

وتشكلت قوة رجل الدين الشاب من عوامل عديدة: انتفاضة النجف والهيكلية المدنية والامن الذي اشاعه جيش المهدي في مدينة الصدر وقوته في معظم ارجاء بغداد خلال فترة "القتل على الهوية" بين الفصائل الشيعية والسنية المتناحرة، ووقوفه بنجاح في خضم القتال الذي دار اخيرا في البصرة.

شخصيات اخرى تدخل القصة، أبرزها ما أشار اليه مؤلف الكتاب عن بول بريمير (الحاكم المدني السابق في العراق) الذي أظهر "قصورا غريبا في التعلم من اخطائه".

واخطأ بريمر تماما في الحكم على مقتدى مع وزراء عراقيين "تأثروا بدرجة البغض التي يحملها الحاكم المدني السابق في العراق تجاه الرجل والاستخفاف به".

وقلل بريمر من شأن مقتدى في النجف بتعاونه مع المجموعات السنية، لكن "مقتدى ظهر كمنتصر لأنه يتحدى الاحتلال الاميركي، مبقيا على المعركة مع اقوى جيوش العالم لاسابيع، ومحافظا على مكانته دون تنازلات تهوي بشعبيته تماما".
لم يكن بريمر مسؤولا بشكل كامل عن نقاط الفشل الاميركية في العراق، الا ان "اخطاءه تفضح التراجع الاميركي الذي قررته الاجندة السياسية في واشنطن وقبوله نصيحة مشؤومة من العراقيين العائدين من المنافي".
وعلى ساحة المعركة ذاتها، يبرز اية الله العظمى علي السيستاني الذي يضطلع بقيادة دينية اعلى ويتمتع بالنفوذ في جنوب العراق. واتخذ السيستاني "موقفا متصوفا" هادئا بالمقارنة مع حماسة الصدريين.

نأى السيستاني بنفسه عن الصراع بين القادة الدينيين الشيعة و"الدولة العراقية القوية" في عهد صدام حسين. ولم يمر ذلك بسهولة في الاوساط الشيعية التي "تلمست شعورا مرا بالخيانة" لأن الصدريين يقاتلون ويموتون بينما يلتزم السيستاني والشيعة الاخرون الصمت او البقاء في المنفى.

و"اتاح السيستاني (عن بُعد) لبول بريمر في ان يخطئ في حكمه على قدرة المرجعية الشيعية في الدفع نحو انتخابات يضمن الشيعة فوزهم فيها والتركيز على دستور جديد يكون الاسلام فيه مصدر التشريع الاول"، خاصة وان الكلام الاميركي المنمق حول الديمقراطية يأتي على الرغم من جهودهم لقمعها.

شخصيات وقضايا اخرى تأخذ موقعها في كتاب كوكبيرن: مقتدى وعلاقة الشيعة بايران، فمع استمرار التهديدات الاميركية ضد ايران، خفف مقتدى الصدر من تحركه باتجاه طهران للحفاظ على مكانة تنظيمه السياسي.
ويعتبر كوكبيرن مقولة ان الشيعة العراقيين دمى تتحرك بأوامر ايران "خرافة مسمومة" لأن حركة الصدريين كانت تقف تاريخيا ضد ايران التي تبصر الميزة الهائلة بالنسبة لها في مراقبة 160 الف جندي اميركي عالقين في مستنقع العراق لتبدأ بفرض تأثيرها عبر التسلل وسط الصدريين وجيشهم والتنظيمات الشيعية الاخرى بواسطة امدادها بالمال والتدريب، تماما مثلما يفعل الاميركيون.
وينتهي كوكبيرن في تحليله الى ان "الحكومة العراقية المرتعدة في المنطقة الخضراء تحولت الى ادارة البلاد على طريقة نيجيريا او الكونغو". وكنتيجة لذلك، فاز الشيعة وبقيت مناطق قليلة مختلطة في بغداد.
والان، ظهرت مجموعة سنية من امراء الحرب لا تقاتل القاعدة فحسب، ولكنها تقاوم التأثير الشيعي في العراق ايضا، ما يضع مستقبل البلاد رهينة القتال والدمار ويساهم في احتمال "تفكك العراق" وتهديد وجوده الى ما هو ابعد من الفيدرالية الفضفاضة.
ويتعجب الكتاب من أمر واحد: النتائج غير المتنبأ بها عند الاميركيين في مجابهة صمود مقتدى الصدر وقدرته على الوقوف في وجه الاحتلال.
وبخبرة تمتد ثلاثين عاما في قضايا العراق، تضع مقالات كوكبيرن كاتبها في مقدمة الصحفيين على مستوى العالم.
ومزج كوكبيرن بين قصص سردية وتعليقات تاريخية وملاحظة مباشرة وفكر تحليلي يتفحص الاراء المختلفة، متخذا من سلوك مقتدى الصدر عملا ينبغي التعامل معه بجدية لمن يريد فهم الوضع الحقيقي في العراق.