مقاومة الاحتلال وعمليته السياسية لا تؤتي ثمارها بالمساومات!

بقلم: جمال محمد تقي

من كان منكم يعتقد ان اميركا ستترك العراق لاهله هكذا وببساطة، وبعد كل الذي جرى، هو على خلق من الطيبة الزائدة جدا وجدا وجدا!
من كان يعتقد ان قطع مشوار من الطريق سيكفل اختصار الطريق كله، هو متعب قبل المسير، وله نفس قصير يجعله يرحب باول استراحة آمنة يجدها امامه!
من كان منكم غير واثق من ان الاحتلال الاميركي للعراق، والعملية السياسية الجارية فيه هما وجهان لعملة واحدة هي الهيمنة والتقسيم برعاية اميركية، عليه ان ينسى شيئا اسمه المقاومة!
من كان منكم يطبق مقولة ـ ما لا يدرك كله لا يترك جله ـ على صراع حياة وموت كالصراع الدائر في العراق فهو بحاجة الى اعادة تأهيل!
من كان لا يؤمن بان البقاء ليس للأقوى بطشا ومالا، وانما للاصلب رؤية معرفية، وعدلا، واقداما، والاخف عدة مادية، واصلد عدة معنوية، والاكثر دراية بتضاريس الميدان سياسيا وعسكريا زمانيا ومكانيا ـ تكتيكيا واستراتيجيا ـ واقتصاديا واجتماعيا وفكريا، عليه ان ينخرط وبسرعة بصفوف مقاولي العملية السياسية، مستغلا اقرب فرصة سانحة له ليعلن صحوته وتوبته قبل ان يبخس حقه وتفقد صحوته قيمتها المرصودة!
لا صلح بين المحتلين والمقاومين، ولا صلح بين المقاومين والمقاولين، واذا حصل شيء من هذا فان كلمة صلح لا تصلح للتعبير عن المضمون الحاصل، لانها ببساطة تعني انتقال طرف او جزء منه الى خندق الطرف الاخر، اي ان كلمة صلح هنا هي مغالطة للتستر على خيانة ما او مساومة غير مشروعة حيث مازالت الاسباب الموجوبة لانطلاق الصراع قائمة، وهي واقع الاحتلال وعمليته السياسية!
لقد حقق الاحتلال الاميركي نجاحا تكتيكيا واضحا خلال الفترة التي بدأت بزيادة قواته الميدانية واتباع نهج جر بعض الاطراف العشائرية للتعاون معه ـ مجالس الصحوة ـ بايجار الولاء مستغلين الخلافات المشتعلة بينها وبين ـ الواردين من انصار الجهاد ـ الذين ارتكبوا اخطاء جسيمة في مناطقها، اضافة الى النجاح الاميركي في تكريس الاشغال الطائفي في بغداد وجنوبها، حتى وصلت اعداد النازحين والمهجرين والمهاجرين الى ارقام 5 ـ 7 مليون داخل وخارج العراق، مما يعني اخلاء وعزل سكاني لمناطق باكملها من الاختلاط الطائفي وخاصة في بغداد والبصرة والحلة ومعظم مناطق جنوب العراق وشرقة، ناهيك عما يجري في كركوك من اطلاق يد التطهير العرقي واشغال سكان مناطقها بمشاكل لا تقل اهمية عن مشاكل العزل السكاني في بغداد، اضافة الى سياسة الاستقطاع لمناطق باكملها في الموصل وبعقوبة وصلاح الدين لمصلحة ميليشيات البارزاني والطالباني المتعاونة مع المحتل ومهماته الخاصة، اضافة الى اطلاق يد ميليشيات بدر والدعوة وفرق موتها مع فرق المرتزقة ـ شركات الحماية الخاصة التي بلغ تعدادها ما يزيد على 30 الف مرتزق ـ لتهييض غبار الحرب الطائفية التي تدر على المحتلين درعا واقيا يعزز قوتها ويضعف قوة المقاومين، وبها ايضا اعطبت المنابر المقاومة في التيار الصدري بعد اختراقها وقصقصت اجنحتها الشعبية المقاومة، كما حصل في الديوانية وكربلاء، بدعم واسناد من القوات الطائفية الحكومية وتغطية القوات الاميركية، وهكذا الحال مع جماعة حزب الفضيلة في البصرة، لقد ثبت ان تفجيرات سامراء الاولى والثانية كانت بتدبير مخابراتي اميركي ايراني والتنفيذ كان لفرق خاصة من المرتزقة، مع تغطية من عناصر مغاوير الداخلية المخترقة ايرانيا، وهذا بحد ذاته مؤشر على المصلحة المشتركة اميركيا وايرانيا في اشعال فتيل الحرب الطائفية التي لم ينتهوا من تغذيتها بعد!
كانت صحوة اميركية للاستفادة من دروس بيكر هملتون ومن سياسة الاحتواء المزدوج القديمة الجديدة التي تستدرج اطرافا من المعارضين لتقاتل بهم المقاومين ثم ياتي دورها في احتواء الجميع، حتى ان لجنة حل النزاعات الدولية غير الحكومية قد تشجعت ونصحت اميركا باتباع نفس الاسلوب مع التيار الصدري الذي يمثل حسب تقديرها القواعد الطبقية الشعبية الفقيرة وعدم المراهنة الكلية على جماعة الحكيم الذين يمثلون الطبقة الميسورة من التجار المرتبطين بايران!
ان تعريق الصراع اي جعله عراقي عراقي هو جوهر السياسة الاميركية الحالية، حتى ان صدور القرار غير الملزم لمجلس الشيوخ الاميركي القاضي بتقسيم العراق الى ثلاث دويلات ـ شيعية، سنية، كردية ـ
جاء ليترجم المنحى الذي تسير عليه فحوى السياسة الاميركية في العراق جمهورية كانت ام ديمقراطية وما يؤكد هذه الفحوى هو اتفاق الحزبين على ضرورة النجاح في العراق، اي بجعله مختلفا شكلا ومضمونا عن سابقه مما يتيح استثماره باقصى قوة لمصلحة الاستراتيجية الاميركية بعيدة المدى لانجاز ترتيبات الشرق الاوسط الجديد الذي تعتبره اميركا مفتاحا للحفاظ على مصالحها الحيوية في العالم، اما موضوعة جدولة انسحاب القوات ومواعيدها، واستبقاء قواعد ثابتة باتفاقات امنية طويلة او قصيرة المدى، وغيرها من الجزئيات والتفاصيل فهناك اجتهادات اميركية مختلفة حولها، كخلاف كلنتون مع سابقه بوش الاب من موضوع العراق ذاته!
كل هذا قد حصل ويحصل، ولم تتجاوز المقاومة العراقية نقاط ضعفها الكامنة بغياب وحدتها وانحسار اشكال نضالها، وغياب الاستراتيجية البرنامجية لديها، اي العمل نظريا وتطبيقيا وميدانيا من اجل اقامة اوسع جبهة وطنية شعبية لدحر الاحتلال واقامة عراق مقاوم لكل اشكال التقسيم والتفكيك والتبعية والضعف، عراق، الوطن الواحد، والشعب الواحد، والامل الواحد بالبناء والسلم والتنمية الديمقراطية الفعلية، بحيث تقلب السحر على الساحر، اي توسع دائرتها وتضيق الخناق على دائرة المنخرطين في عملية الاحتلال السياسية، الذي يحصل الان هو العكس تماما، مع انه تتزايد موضوعيا فرص التحام اوسع قاعدة شعبية حول موضوعة المقاومة وخاصة بعد ان تجرع شعبنا الويل كل الويل بهذه السنوات الخمس العجاف، ولم يعد ينتظر العراقيين شيئا غير المصائب الجديدة، فما كانوا يوعدون الناس به تبين انه السراب بعينه، فلا الانتخابات او الدستور وفدرالياته او الحكومة الدائمة او نقل السيادة كانت مخارجا او رحمة بل نقمة ما بعدها نقمة، فالخراب والفرار الجماعي هو النتيجة التي اوصلنا اليها الاحتلال وجلاوزته، وما تزايد الرفض الشعبي لقانون النفط والغاز الجديد والهبة الشعبية بوجه مشروع الفدراليات التقسيمي، والمعارضة الشعبية لمحاولات الزمر الباغية الطالبانية والبارزانية لافتعال حرب اهلية في كركوك الا دلائل على التململ المتزايد الذي سيؤدي لو احسن استثماره لثورة شعبية عارمة تدك معاقل المنطقة الخضراء ومن يحميها، ان الفشل المطبق في تحقيق اي مكسب فعلي يمس حياة الناس وامنهم ومعيشتهم وخدماتهم ومستقبلهم يجب ان يكون حافزا قويا تستند عليه المقاومة في مجال تنظيمها وتجنيدها لابناء شعبنا وليس العكس!
اما الاستجابة لدعوات المحتلين واعوانهم التي تنبع من واقع الضعف كله، للتوصل الى تسويات ومساومات وتحاصصات رخيصة فهي بمثابة رمي طوق النجاة لهم وتزكيتهم بما لا تجوز التزكية فيه، فمن يتنازل عن مقاومته لا يحق له ان يزكي احدا حتى نفسه!
جمال محمد تقي