مقامات بغدادية

بقلم: حميد سعيد

يقف الرسامُ أمام ُمربّع لوحته..
يدفعُ عنها الأبيضَ ..بخطوط متشابكة وبألوان متداخلةٍ..
ويُشكِّل منها .. ما يتخيله فردوسَ طفولته
. . . . . . .
. . . . . . .
وقفَ الرسام أمام ُمربع لوحته ..
كان الأبيضُ يمتد بعيدا في العتمة .. والريشة ُ تفتح بابَ الأسرار
لكن في أعماق اللوحة ..نُذ ُرٌ بالإعصار
تلك مدينتُه ..
هذا النهرُ وذاك الجسُر وهذي الأشجار
ذلك بيتُ حبيبته..
وهنا ..كانا يقترحان على القمر الأخضر .. أن ينزل ضيفاً
حيث الليل البغداديّ .. يطولُ .. يطولُ .. يطولُ ..
ولا تغفو الأوتار
وعباس جميل* .. يقيم طقوسَ الشجن الأبيض .. بمقام اللامي*
لا يفتأ يبحث عمّن رحلوا ..
يسأل عمّن غاب من الأهل .. عن الدار
أين هي الدارُ وأين حبيبتُه؟! يسأل عنها ..
ويقول لهــا ..
يا نبعةَََ َ ريحان
حنّي فأنا ولهان
يا نبعة ريحان ..
. . . . . . . .
. . . . . . . .
بمقام بياتٍ* .. يختتم السهرة َ..
أن شواطئ دجلة في الفجر .. تضيُء الروحَ وتبعدُ عنها الأحزان
وبشهٌقِةِ أوشار .*.
يسأل عن بيّاع الورد .. عن الورد .. ويسأل عن فرط الرمّان
أين هي الآن ..
كانت ُتقبل من نَجد أنوثتها .. فيشمّ عرار صباها
امرأة كالغيمة .. تمطر ..
ذاكَ السحرُ ..
َصبا نَجدٍ يتفيّـأ ُ عطرَ جدائلها ..
َتفرشها .. للحلم الآتي من حقل الحنّاء
أين هي الآن؟!
الأبوابُ مسمّرةٌ .. وزُقاقٌ كان يراه طرياً كبساتين ديالى ..*
ما عاد هناك ..
ماتت سيدةُ النُّزل .. وضاعت فرط الرمّان
أين هي الآن؟!
أهي هناك على شطِّ الحلة *.. فوق النخل ..
تلوح كإيقاع جذلٍ في لحن حٌجاز*
فوق النخل ..
أرى برقَ خلاخيل .. أم ضوءَ خدود؟!

* * *

وقف الرسامُ أمام مُربّع لوحته ..
ترتبك الألوان ..
تتخطّفها أحزان مقام بياتٍ .. كان
لا أحدٌ يسهر في قهوة عزّاوي* .. لا قهوة عزّاوي ..
سلمان .. قضى برصاصة قنّاص أمريكي وقحٍ ..
بين العاقولية والميدان *
رمادٌ يغتصب الألوان
يحتل اللوحة ..
ما كان على اللوحة .. من شجر أو حجرٍ أو إنسان
هذا الهذيان ..
أنزل في حنجرة المنشد .. حشرجة سوداء
والقناص الأمريكي القادم من غاب أكاذيب سود .. يغتال الماء
المنشد .. يبحث في كل مكان عن فرط الرمّان
روّعها د مُ صيّاد السمك البغدادي الحبّاب
هذا الشاهد في غاب الليل .. على ما كان
من سيصيد لها سمكاً "بُنّياً" *..
من يدفع عـن أحلام صباها زحف الجعلان؟!

* * *

في اللوحة .. لغةٌ لا عهد لفرط الرمّان بها ..
مفردة ٌ من زمن صار بعيداً
مفردة من زمن لم يأت بعد
وثالثة ٌ وٌجِدت في ناووس مقرور
وأخرى في قاموس مهجور
حروفٌ وعلاماتٌ جيء بها من أوراق محترقة
وإشاراتٍ نزقة
أصواتٌ لاعهد لفرط الرمّان بها .. لغةٌ دبقة
القوالــون ..
يغتصبون عفاف المعنى
والطبالون .. ُيذ لون شموخ الحزن الطالع من لحن الرّست *
يا خلقُ .. أفيكم من شاف حبيبي .. يا ناس .. أفيكم من يعرفه ..
يا أنتم .. يا من سألوا عن أوصاف حبيبي ..
إن حبيبي .. غِرٌّ وقليلُ وفاء
. . . . . . .
. . . . . . .
في عرس الدم .. كل دمٍ يعلن عن محنته ..
كلُّ دمٍ .. يخرج من عزلته ..
ويطوف على الناس .. يدقّ الأبواب .. يقول ..
أفيكم من يفتح لي باباً يُدخلني في أسرار الإعصار
تتسقّط فرط الرمّان الأخبار
وتجمع أطراف حكايتها .. مذ أعطاها الماءُ .. خِصالَ الماء ..
وأنزلها منزلة َالنار
وهي على قلق .. بين مدائن عونٍ ومدائن فرعون
في عسر الغيبوبة أو في يُسر الغيبة .. تبدأ في البحث عن الغائب ..
في صخب كان ..
أحلامٌ فاسدةٌ تجتاح لياليها ..
تملأ أرجاء رقادٍ هشّ .. أحناشٌ وعناكبُ
كلٌّ منها .. يقضم ما يقدر أن يقضم من صاحبه ..
هذا ما جاء به ركب غـراب البين .. إلى أمّ غـراب البين
فتردد ..
يا أم حسيــــــن
ذهبتِ بواحدة ورجعت بإثنين *

* * *

غاب الرسام عن المشهد .. وارتبك المشهد .. لم يبق على اللوحة ..
غير ضجيج الألوان ..
وغابت عنها الألوان
فرّ من الحقل البيبون وشاخ الريحان ..
ما كان بلاداً أصبح في اللوحة ظلاً .. مزّقه الأ قنان
تتعثر دجلة ُ في الليل .. كشيخ هرمٍ .. أوقفها الجندي الأمريكي على الحاجز ..
ماذا سيقول لها هذا الغِرُّ القادم من وهم .. لا تاريخ له ..
من كذ بٍ عطنٍ .. من لغة خرقاء
بين الجندي الغِرّ ودجلة .. أزمنة ومشاهد
أسفار وقصائد ..
ماذا سيقول لها؟!
ماذا سيقول لها؟!
ها هي من إيلاف مروءتها .. تنساب إلى حيث الحنظل ..
لا هذا البرغوث ..
ولا سيدُه البرغوث الأكبر .. يقدر أن يدخل في طيات عباءتها ..
تنشرها في الريح .. فتخفق في الروح .. وتصفع أوهام الجندي الغرّ كما يضرب طيرٌ ليليٌّ بجناحين فضاء الليل
وكما تنطلق الخيل
تطلق ما اختزنت في صفحات لم تُكتب بعد
عما سترى في ما قبل الماضي .. أو في ما بعد المستقبل ..
ضوضاء مخيلة بيضاء
اغتسلت برياح ستشاركها الشعر .. كما ستشاركها السحرَ
تُعيد إليها كُنيتها .. وتعيد إليها صفو الماء
خطأٌ ما كان
لماذا تتحمل دجلةُ كلَّ الأخطاء؟!
ولماذا جيء إليها بخطايا من كل مكان؟!
ولماذا يستقوون على ورد حدائقها .. بالسِِّفلة والأشباه؟!
يستقوون عليها بحراب جنود غرباء
ولماذا؟!
ولماذا؟!
كنت أظن .. بأن البلبل شاخ تخلىّ عن جارته النخلة ..
ساورني شك .. في أن النجمة تخرج من أسر الليل ..

* * *
يقف الرسام أمام مربّع لوحته ..
فيرى ألوان اللوحة في غير مواضعها ..
ثم يرى بغداد .. وقد ذهلت عما كان بها ..
تدخل منزلة ما كانت تقربها ..
حيث رماد مقاماتٍ .. وغبار أغانٍ حميد سعيد 19 / 10 / 2005
* أسماء أشخاص وأماكن ورموز موسيقية وغنائية وأمثال، عراقية .